الاحتلال يغذي الكوارث البيئية في قطاع غزة.. أسواق تحولت لمكبات نفايات (شاهد)

جبال من النفايات وسط أشهر أسواق غزة الشعبية- عربي21
تتكشف يوما بعد يوم، فصول جديدة من المعاناة الكبيرة التي تعصف بالشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة المدمر بفعل آلة الإبادة التي لم تترك أي إمكانية لحياة كريمة للإنسان، الذي تعصف به قنابل بيئة خطيرة تتواجد في مختلف مناطق القطاع.

وباستمرار يعطل جيش الاحتلال أي حلول جذرية أو حتى مؤقتة للمشاكل البيئية والصحية التي تضاعف معاناة نحو 2.4 مليون إنسان يعيشون في القطاع، حيث يشاهد المتجول في شوارع القطاع المدمرة مكبات النفايات العشوائية التي تتواجد في مختلف مناطق القطاع وبالقرب من مراكز الإيواء.

تراكم خطير للنفايات


وخلال جولة "عربي21" في مدينة غزة، كان من اللافت مشاهدة سوق فراس المركزي الشعبي في قلب مدينة غزة الذي تحول لأكبر مكب نفايات، إضافة إلى مكبات مؤقتة توجد قرب شاطئ البحر وسط القطاع.

وحذر مدير عام التخطيط في بلدية غزة، ماهر سالم، من الأخطار المتعددة المترتبة على تراكم النفايات في قلب مدن القطاع، ومنها مدينة غزة التي تضم عدة مكبات نفايات مؤقتة.


وعن استخدام سوق فراس الشعبي كمكب نفايات، أوضح في تصريح خاص لـ"عربي21"، أن "الحالة الاضطرارية دفعت البلدية أثناء حرب الإبادة لاستخدام منطقة سوق فراس كمكب للنفايات، علما أن المكب الوحيد المؤقت سابقا في غزة هو مكب سوق اليرموك".

وأضاف سالم: "هذا المكب لم يعد فيه متسع وامتلئ عن آخره، ولم تجد البلدية أي مكان يمكن الوصول إليه على أطراف المدينة؛ شرق شارع صلاح الدين أو شارع 10 جنوبا، والمكان الوحيد الذي كان يمكننا الوصول إليه هو سوق فراس الشعبي وسط المدينة".

ونوه إلى أن "البلدية استخدمت منطقة سوق فراس كمكب مؤقت إلى حين توفر إمكانية الوصول إلى أمكان أبعد عن أمكان تواجد السكان والنازحين، ولكن للأسف امتد هذا الأمر لأكثر من عامين".

وحول الحلول المتوفرة لإنهاء هذه الكارثة البيئة الخطيرة التي تمتد لمعظم مناطق القطاع، ذكر مدير عام التخطيط، أن "البلدية منذ عدة أشهر تحاول مع جميع الجهات والمؤسسات الدولية أخذ التنسيق اللازم من جيش الاحتلال لنقل النفايات وفتح مكبات جديدة جنوب شرق المدينة أو شرقها".

وتابع: "بعد جهد كبير، حصلنا على موافقة لنقل النفايات من مكب فراس والتي تقدر بأكثر من 350 ألف متر مكعب لمنطقة المحررات في أرض أبو جراد، وبالتعاون مع مؤسسة "UNDP" برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبدأت البلدية خلال الأيام السابقة بنقل النفايات المنتجة يوميا لتلك المنطقة، إضافة للبدء بنقل النفايات من مكب فراس، علما بأن كمية النفايات التي تحتاج للنقل في مختلف مناطق القطاع تقدر بأكثر من مليون متر مكعب".

الاحتلال يمنع الحلول


وتابع: "هذه العملية واجهت بعض الصعوبات؛ لأن جيش الاحتلال يقوم بين حين وآخر بإطلاق الرصاص تجاه المكب الجديد ما تسبب بتعطيل عملية النقل التي توقفت لأيام ومن ثم استؤنفت من جديد"، لافتا أن "كمية النفايات الضخمة التي توجد في سوق فراس تحتاج من 6-8 أشهر لترحليها إلى المكب في منطقة أبو جراد".

وعن تداعيات هذه الحلول الجزئية المؤقتة لنقل النفايات، أفاد أن "الهدف الأساسي هو الوصول للمكب الرئيس في منطقة جحر الديك قرب السياج الفاصل، ولغاية ما يسمح لنا بالوصول إليه لا بد من إيجاد مكبات مؤقتة لمنع تراكم النفايات في الشوارع وداخل مراكز الإيواء، وإلا سيكون هناك انتشار واسع للأمراض وتلوث بيئي يمثل كارثة كبيرة".

وفي ظل هذه الكارثة البيئية والصحية التي يعيشها قطاع غزة، شدد المسؤول الفلسطيني على ضرورة قيام "جميع الشركاء والمؤسسات الدولية بالضغط على الاحتلال من أجل الوصول للمكب الرئيس في منطقة جحر الديك بغزة والشمال ومكب صوفا جنوب شرق القطاع، وهذا هو الحل الجذري، أما عملية النقل المؤقت لمكبات هنا وهناك سيولد مشاكل كبيرة".

وأشار إلى أن "مكب أبو جراد المؤقت، يخدمنا فترة مؤقتة وبعد عدة أشهر سيمتلئ وستكون خيام النازحين بجانبه، وبالتالي ما يجري هو ترحيل المشكلة زمانيا".

وأفاد بأن "القطاع يحتوي على نحو 60 مكبا عشوائيا للنفايات؛ منها 40 في غزة وشمال القطاع، وهذا الواقع يحتاج لمعالجة سريعة لهذه البيئة ونقل النفايات إلى المكب الرئيسي".

ونبه سالم إلى أن "الكارثة البيئة وتلوث الخزانات الجوفية وانتشار الأوبئة والأمراض في القطاع، كل هذا يحتاج لتدخل عاجل لإنقاذ القطاع"، منوها أن "البلديات بحاجة ماسة لآليات نقل وقطع غيار ووقود وبطاريات ودفع رواتب الموظفين والعمال وتوفير ملابس وقاية لهم، إضافة لتوفير الأمن للقيام بعملهم وغير ذلك الكثير، نحن هنا نتكلم عن حاجة ماسة وكبيرة لمنظومة كاملة يمكنها التعامل مع هذه الكوارث".

قنابل بيئة خطيرة


بدوره، حذر الخبير البيئي البروفيسور عبد الفتاح عبد ربه، من التداعيات الخطيرة لمكبات النفايات المؤقتة، والتي "تنقل إليها النفايات المنتجة يوميا والمقدرة بنحو 2 مليون كيلو؛ وهذه الكميات الكبيرة تلقى في الشوارع والأماكن المختلفة، وجزء كبير منها تنقل لمكبات النفايات المؤقتة، علما بأن الأصل أن تنقل للمكبات المخصصة قرب الحدود الشرقية للقطاع والتي لا يمكن الوصول إليها وهي مناطق خطيرة جدا، وهذا ما دفع إلى إقامة مكبات مؤقتة في المناطق المفتوحة بقلب المدن وقرب البحر".

ونبه في حديثه لـ"عربي21"، أن "هذه المكبات المؤقتة ما هي إلا قنابل بيئة خطيرة جدا، تسبب الكثير من المشاكل البيئة والصحية ومنها؛ أن هذه المكبات ابتلعت مساحات واسعة من الأرضي في ظل عدم وجود مساحات لإيواء الناس، وهذا يؤدي لتلوثها وخاصة عند حرق النفايات، ما يؤدي إلى إنتاج غازات وجزئيات ضارة ومركبات سامة تلوث الهواء وتسبب مشاكل صحية متعددة (صدرية، قلبية، جلدية وفي العيون) لسكان القطاع الذي يحتوي على أعلى كثافة في العالم، ويضم الكيلومتر الواحد المربع من 10-20 ألف نسمة تقريبا".

وأوضح عبد ربه، أن "التلوث لا يعرف الحدود وقد يمتد لمناطق أخرى، وهذه المكبات قد تتسبب بحالة اكتئاب نفسي للمواطنين، وهو ما يطلق عليه التلوث البصري، كما أن هذه المكبات غير مبطنة بطبقة جلدية وفق المواصفات العالمية، ما يؤدي لتسرب العصارة الناتجة عن ذوبان وتحلل النفايات للتربة وخزان المياه الجوفية الملوث أصلا".


وأضاف: "المياه الجوفية في القطاع لا تصلح في الأصل للاستخدام الآدمي ولا حتى للزراعة؛ وإضافة لذلك، اليوم خصائص التربة الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية تغيرت بسبب هذه التلوث الجديد، وهذا يقلل خصوبة التربة ويجعل المتوفر منها غير صالح للزراعة"، لافتا أن "تطاير بعض النفايات بسبب الرياح يتسبب بتلوث البيئة العامة، كما أن احتضان هذه المكبات لكثير من الآفات مثل الكلاب والقطط والفئران إضافة للبعوض والذباب والصراصير وغير ذلك، كل هذه يمثل خطرا على الإنسان والبيئة لأنها ناقلة للأمراض".

وأشار الخبير، إلى أن "هذه المكبات قد تجذب لها بعض عناصر التنوع الحيوي مثل الطيور التي تتغذى على المواد العضوية المتواجدة في النفايات، وهذه قد تنقل العدوى للناس"، منوها أن "المكبات التي تتواجد قرب البحر، قد تسبب أيضا بتلوث البيئة البحرية".