8 سنوات بلا عائد.. برلماني مصري يطالب بكشف حساب لصندوق بلاده السيادي

مشاريع واستثمارات ضخمة في مصر لا يعرف أين عوائدها- جيتي
مشاريع واستثمارات ضخمة في مصر لا يعرف أين عوائدها- جيتي
شارك الخبر
أعلن عضو مجلس النواب المصري أحمد فرغلي، عن تقدمه بطلب إحاطة إلى الحكومة المصرية حول نتائج أعمال 8 سنوات من عمل "صندوق مصر السيادي" دون عائد اقتصادي، منتقدا "عدم وضوح الجدوى الاقتصادية للصندوق، وغياب الشفافية والقيمة المضافة لتعظيم استثمار أصول الدولة".

النائب عن محافظة بورسعيد، أكد في طلب الإحاطة الموجه لمجلس الوزراء، ووزيري الاستثمار والتخطيط، أن الصندوق الذي جرى إنشاؤه عام 2018 بقيمة 120 مليار جنيه تم رفعها لاحقا إلى 200 مليار جنيه وضم عشرات الشركات والمباني والأراضي والأصول ورغم مرور 8 سنوات على إنشائه، "لم نشهد أي استفادة واضحة لتعظيم واستثمار أصول الدولة".

بيان فرغلي، الذي نشره عبر صفحته الرسمية بموقع "فيسبوك"، عصر الأحد قام بحذفه بعدها بنحو 20 دقيقة، فيما حصلت "عربي21" على صورة للبيان المحذوف، فيما لم يرد النائب على محاولة استيضاح سبب حذف البيان، والتقدم بطلب الإحاطة من عدمه.

Image1_220262475324545366408.jpg
Image2_220262475324545366408.jpg

وأشار طلب الإحاطة إلى أن الصندوق الذي يحتل المرتبة 12 عربيا من حيث حجم الاستثمارات، ضم مباني وأصول الدولة مثل: "مجمع التحرير، ومباني الوزارات، ومباني وسط البلد (بالقاهرة)، وكذا بعض الشركات المملوكة للدولة، ومنها الشركة القابضة للتأمين".

ويقوم بالاستثمار في: "المرافق والبنية الأساسية، والخدمات المالية، والتحول الرقمي، والسياحة، والاستثمار العقاري، وتطوير الآثار، والتعليم، والصناعة"، وجذب استثمارات بمجالات: الطاقة الجديدة والمتجددة، بإقامة مصانع لإنتاج الهيدروجين الأخضر.

اظهار أخبار متعلقة



ولفت بيانه في المقابل، إلى "عدم وجود رؤية واضحة لكيفية استثمار تلك الأصول"، مبينا أن "الهدف من إنشاء الصندوق السيادي كان خلق ذراع استثماري يحقق خطة الدولة في التنمية الاقتصادية بما يتماشى مع رؤية مصر وأجندة التنمية المستدامة 2030".

وكان ذات النائب قد تقدم إلى مجلس النواب بطلب إحاطة حول استيراد "جهاز مستقبل مصر" التابع للجيش، القمح وزيت الطعام من الخارج وبيعها للحكومة المصرية بأسعار أكثر من السعر العالمي، وهو الطلب الذي قوبل بحملة إعلامية واسعة لتبييض وجه الجهاز العسكري، فيما لم يكشف النائب عن مصير طلبه، وهل تجري مناقشته أم قوبل بالرفض؟.

وفي 29 كانون الثاني/ يناير الماضي، أكد فرغلي، في "طلب الإحاطة" الأول، أن الجهاز العسكري يستورد طن القمح بـ270 دولارا، في حين يبلغ السعر العالمي 240 دولارا، بزيادة قدرها 30 دولارا عن الطن الواحد؛ وبناء على استيراد الحكومة نحو 5 ملايين طن قمح سنويا، يصل إجمالي فرق السعر إلى 150 مليون دولار سنويا، (الدولار حينها 46.95 جنيها).

"تسييل" الأصول تحت عباءة الاستثمار


وفي قراءته الاقتصادية لنتائج عمل "صندوق مصر السيادي" في 8 سنوات، تحدث الخبير الاقتصادي والاستراتيجي المصري، الدكتور علاء الدين سعفان، لـ"عربي21"، موضحا أنه "منذ تأسيس الصندوق، والجدل لا يتوقف حول طبيعة هذا الكيان القانونية والاقتصادية".

وأضاف: "بينما قدمته الحكومة كقاطرة للتنمية وحارس لأصول الدولة، يراه خبراء الاقتصاد كمنصة لتجاوز الرقابة البرلمانية وتسهيل بيع مقدرات الشعب، في جدل وصل ذروته مؤخرا تحت قبة البرلمان المصري، مع نية النائب فرغلي التقدم بطلب إحاطة عاصف انتقد فيه غياب أي عائد اقتصادي للصندوق بعد 8 سنوات من العمل، متسائلا عن مصير الأصول المليارية التي ضُمت إليه".

ويرى أن "هذا الحراك البرلماني، الذي تعرض لمحاولات كتم الأنفاس إعلاميا، أعاد فتح ملف (الحوكمة) و(الشفافية) في إدارة ثروات مصر السيادية"، وفي هذا السياق، نغوص في أعماق المشهد مع الدكتور سعفان، الذي كان من أوائل المحذرين من مسارات الصندوق منذ لحظاته الأولى.

بين الأكذوبة والفخ


ولفت أولا إلى "أكذوبة الفائض المالي، وفخ صندوق مصر للسمسرة العقارية ومبادلة الديون"، حيث يرى أن "ثمة مغالطة بنيوية في تسمية هذا الكيان بصندوق مصر السيادي".

وقال إنه "من الناحية العلمية، تُنشأ الصناديق السيادية  لاستثمار الفوائض المالية الناتجة عن الموارد الطبيعية أو الاحتياطيات النقدية الضخمة، كما هو الحال بصندوق التقاعد الحكومي النرويجي الأكبر عالميا ويستهدف رفاهية الأجيال القادمة، وصندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي يقود استراتيجية تحول وطني شاملة".

وأفاد الخبير المصرفي بأن الحالة المصرية تمثل "ظاهرة عجيبة في علم الاقتصاد؛ إذ كيف تؤسس دولة تعاني من عجز مزمن في الموازنة العامة ومديونية خارجية فاقت كل الحدود، صندوقا سياديا؟".

وأكد أن "الصناديق الحقيقية إقليميا ودوليا، مثل (محفظة أفريقيا) -أحد الصناديق السيادية الليبية- أو مؤسسة دبي للاستثمار أو صناديق أبوظبي أو الصندوق السيادي الصيني وغيرها، تمولها التدفقات النقدية الخارجة من الناتج المحلي الإجمالي".

وتابع: "أما في مصر، فالصندوق لا يمتلك فوائض، بل يمتلك (أصولا عينية) كانت تابعة للشعب، تم انتزاعها من رقابة الموازنة ووضعها في وعاء يسهل التصرف فيه بعيدا عن أعين الأجهزة الرقابية بشكل حقيقي ومهني معياري".

محفظة عملاقة


وتأسس صندوق مصر السيادي بموجب قانون بهدف جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية عبر شراكات مع القطاع الخاص، والاستغلال الأمثل للأصول المملوكة للدولة، فيما يشرف عليه وزير الاستثمار وتتولى جمعية عمومية، تُشكَّل بقرار من رئيس الجمهورية، الإشراف على أعماله.

ومنذ ذلك الحين توالت القرارات الجمهورية لنقل أصول استراتيجية ومبان تاريخية وشركات كبرى وأراضي لتبعيته بهدف طرحها للاستثمار أو الخصخصة.

وبينها: "مجمع التحرير"، و"أرض الحزب الوطني"، و"وزارة الداخلية" "مبنى ملحق معهد ناصر" بكورنيش النيل بالقاهرة، و"مجمع القرية التعليمية" بـ6 أكتوبر، و"حديقة الأندلس" بطنطا، وحصص بمحطات سيمنز (بني سويف، والبرلس، والعاصمة الإدارية)، وأصول ومباني 13 وزارة بالقاهرة بينها: الخارجية، والعدل، والتعليم، والصحة، والنقل، والمالية، لإعادة استغلالها كفنادق ومراكز تجارية.

ويملك الصندوق حصصا في "وطنية" للبترول، و"صافي" للمياه، والوطنية لصناعة السكك الحديدية (نيريك)، وكامل أسهم "مصر القابضة للتأمين"، وبنك القاهرة، ومحطات تحلية مياه، وشركات تقنية مالية (مثل إي فاينانس) وشركات أدوية ومستشفيات تابعة لـ"بي للاستثمار في الرعاية الصحية"، و49 بالمئة من صيدليات العزبي، وحصص من شركات حاويات، وأسمدة مثل: "الدخيلة" و"أبوقير" و"موبكو" قبل طرحها للشركاء الخليجيين.

وبينما تمتلك الحكومة المصرية 709 شركات تابعة لـ33 جهة حكومية تستهدف نقل 370 منها إلى الصندوق السيادي كمرحلة أولى، حيث يبدأ الصندوق بضم الشركات الصناعية، ثم الشركات العقارية، التي تمتلك مساحات واسعة من الأراضي غير المستغلة.

وفي إطار برنامج الطروحات الحكومية وفقا لـ"وثيقة سياسة ملكية الدولة"، وبين آذار/ مارس 2022 وكانون الأول/ ديسمبر 2024، جرى نقل 34 شركة حكومية لصندوق مصر السيادي، الذي نفذ طروحات شملت تخارجا كليا وجزئيا بقيمة 30 مليار دولار.

وفي 11 شباط/ فبراير الجاري، أعلنت الحكومة المصرية نقل ملكية 40 شركة مملوكة للدولة إلى صندوق مصر السيادي، و20 أخرى بالبورصة، وذلك عقب إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام، في التشكيل الوزاري الأخير منتصف الشهر الجاري، وحصر 561 شركة يتم دمج بعضها وإلغاء الأخرى ونقل أخرى للصندوق.

"سلسلة بونزي" وتدوير الديون بالأصول


وعند التطرق لجدوى الصندوق بعد 8 سنوات ومع تلك المحفظة من الأصول، أوضح سعفان، الخبير الاقتصادي والاستراتيجي أن "النتائج تؤكد تحول الصندوق إلى أداة لجلب عملة صعبة لسداد فاتورة الديون الخارجية وخدمة الدين وليس لخلق القيمة المضافة".

ووصف استشاري تخطيط وتطوير وتمويل المشاريع الحكومية والخاصة والأوقاف الاستثمارية "العمليات المالية الحالية بأنها تتبع نمط سلسلة بونزي، حيث أصبحت الدولة تقترض لسداد فوائد الديون السابقة، وعندما جفت منابع الاقتراض السهل، تم اللجوء إلى الصندوق لتسييل الأصول وبيعها لصناديق ولمستثمرين إقليميين (تحديدا الإمارات وبعض دول الخليج) كجزء من سداد فاتورة دعم سياسي ومالي قديم".

وأضاف: "ما يحدث ليس استثمارا أجنبيا مباشرا يضيف للطاقة الإنتاجية للمصانع أو ينقل التكنولوجيا أو يولد فرص عمل جديدة للشباب، بل هو مجرد نقل ملكية لأصول رابحة واستراتيجية بزعم المشاركة، مثل البنوك وشركات الأسمدة والموانئ والمطارات".

وأكد أنهم "يبيعون جواهر مصر وأصولها تحت ستار تطوير الأصول غير المستغلة، بغرض سداد فوائد ديون ومبادلتها والتي لم تُنفق أصلا في مشاريع إنتاجية، مما يدخل البلاد في دوامة فقر بل إفقار ومديونية لا تنتهي".

محفظة مالية ولا شفافية


ومنتصف 2024، بلغ رأس مال صندوق مصر السيادي حوالي 12.7 مليار دولار، بحجم أصول تُقدر بـ637 مليون دولار، ويضم صناديق فرعية:  "للخدمات المالية والتحول الرقمي"، و"للمرافق والبنية الأساسية"، و"للسياحة والاستثمار العقاري وتطوير الآثار"، و"للخدمات الصحية والصناعات الدوائية"، وصندوق ما قبل الطروحات.

وحل صندوق مصر السيادي بالمركز 85 بين أكبر 100 صندوق ثروة سيادية بالعالم، بحسب مؤسسة "جلوبال "، بعدما بلغت أصوله المُدارة نحو 2 مليار دولار بنهاية أيلول/ سبتمبر 2025، وشهد زيادة 90 بالمئة بمحفظة الأصول بين 2023 و2025.

وفي آب/ أغسطس الماضي، أنهى صندوق مصر السيادي أعمال تقييم أصول منطقة وسط البلد، شاملا الوزارات والجهات الحكومية، وأصول شركات التأمين بالقاهرة والمحافظات، تمهيدا لاتخاذ قرار بشأنها، وذلك في الوقت الذي تغلب فيه السرية وعدم الإفصاح والشفافية على أعمال الصندوق.

حوكمة هشة واختراق للأمن القومي


وفيما يخص حوكمة أعمال الصندوق والرقابة عليها، أشار رئيس الأكاديمية المصرفية الدولية إلى أن "الإطار القانوني للصندوق صُمم ليكون حصنا ضد الرقابة"، موضحا أن "الحوكمة الهشة وغياب الشفافيةهما السمة الغالبة، حيث تم بقوانين سابقة تحصين قرارات الصندوق واتفاقياته ضد الطعن أو المراقبة البرلمانية الجادة، ما يفسر حذف بيان النائب أحمد فرغلي بعد دقائق من نشره".

وحذر رئيس كونسرتيوم رؤية تي جي إس 2040 لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا من أن "الخطورة تتجاوز الأرقام المالية لتصل إلى الأمن القومي المصري؛ فبيع الأصول الحيوية لوكلاء إقليميين، يمهد الطريق لتغلغل نفوذ قوى دولية على رأسها الكيان الصهيوني وأذرعه الاقتصادية والمالية متعددة الجنسيات عبر واجهات استثمارية وسيطة".

وقال: إن هذا "الاختراق السيادي تحت مسمى الاستثمار، يضع مقدرات مصر وثرواتها في قبضة أطراف لها أطماع واسعة في الجغرافيا والثروات المصرية، في غياب تام للمشاركة الشعبية أو الرقابة المؤسسية".

وأردف سعفان قائلا إن "الأوطان لا تُباع ولا يُتنازل عنها ولا يتم تأجيرها لسداد فواتير الفشل الحكومي وعجز القيادات العسكرية غير المؤهلة لإدارة ملفات الاقتصاد والتنمية والاستثمار وبناء الإنسان وحفظ الثروات الوطنية".

اظهار أخبار متعلقة



وأكد الخبير الاقتصادي والاستراتيجي، أن محاولات "تجميل وجه الصندوق حاليا من خلال حديث مكرر عن الحوكمة والشفافية والاستثمار محاولات شكلية تهدف للتغطية على فساد الرؤية غير الوطنية والرسالة الفاسدة والقيم والأهداف الاستراتيجية الحقيقية السرية التي تم تأسيس هذا الصندوق على أساسها".

ويرى أن "أي صندوقا لا يراقب الشعبُ مدخلاته ومخرجاته، ولا يساهم في تقليل عبء الدين العام عبر التنمية الحقيقية، هو صندوق لا يمثل سيادة الدولة بل يمثل تبديدا لسيادتها".

وخلص للقول إن "الأصول الوطنية ملك للأجيال القادمة، وليست صكوكا تُباع في مزاد مخز لسداد الديون المتراكمة وخدماتها والتي لم يستفد منها المواطن البسيط ولا مؤسسات الدولة حتى بل لخدمة أعداء الأمة والمتربصين بها".
التعليقات (0)

خبر عاجل