مع عدم الاستقرار الذي يطغى على العلاقات
الإسرائيلية الأمريكية، فإن الفرضية التي قام عليها عمل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "أيباك" على أساس أن الدعم غير المشروط للاحتلال لا يمثل "واجبًا أخلاقيًا" فحسب، بل يمثل أيضًا ضرورة استراتيجية لبسط النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، لم تعد تبدو مقنعة.
وذكر الصحفي والمعلق على الشؤون الدولية، والمحاضر في العلاقات الدولية بواشنطن، لي-أون هادار، أن "مسار أيباك الأخير يكشف عن صراعها للتكيف مع التغيرات الجذرية في المشهد الاستراتيجي الذي كان له تأثير كبير عليها، أكثر من كونه يكشف عن المسائل الأخلاقية المحيطة بالسياسة الإسرائيلية".
وأضاف هادار، في مقال نشره موقع "
زمن إسرائيل"، وترجمته "عربي21" أنه "لعقود، عملت أيباك في بيئة تضافرت فيها ثلاثة شروط: متطلبات الحرب الباردة التي وضعت إسرائيل كأصل استراتيجي في مواجهة النفوذ السوفيتي، وتوافق الحزبين الأمريكيين بشأن سياسة الشرق الأوسط، ومنافسة محلية محدودة في صياغة الخطاب حول العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وقد ضعفت هذه الركائز التي مكّنت أيباك من الازدهار بشكل كبير، مما عرّض المنظمة لتحديات لا يمكن لأي قدر من الإنفاق على الضغط السياسي معالجتها".
وأشار إلى أنه "بينما تواصل أيباك صياغة دعمها لإسرائيل من منظور القيم المشتركة والتعاون الأمني، فإن هذه الحجج لا تصمد أمام التدقيق عند مقارنتها بالمصالح الأمريكية الملموسة، ومن المفارقات أن اتفاقيات التطبيع قوّضت جزءًا من سردية أيباك التقليدية، إذ أظهرت أن الدول العربية ستطبع علاقاتها مع إسرائيل بناءً على حساباتها الخاصة لديناميكيات القوة الإقليمية، سواء تم التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية أم لا".
وأوضح أن "اندماج دولة إسرائيل الإقليمي قد يمضي قدمًا في مسارات لا تتطلب وساطة أمريكية أو شكل المناصرة الذي دافعت عنه أيباك، ولعل انهيار الإجماع الحزبي في دعم
الاحتلال يمثل التحدي الأكبر، فقد بنت أيباك سمعتها على قدرتها على حشد الدعم من الحزبين، مما جعل معارضة مواقفها مسعىً مكلفًا سياسيًا، لكن الاستقطاب المتزايد في السياسة الأمريكية زعزع هذا الإجماع بطرق تعكس اختلافات حقيقية حول الأولويات الاستراتيجية الأمريكية، بدلًا من مجرد مواقف حزبية".
وأكد أن "شباب الحزب الديمقراطي يتساءلون عما إذا كان الدعم المطلق للحكومات الإسرائيلية يخدم المصالح أو القيم الأمريكية، بينما تُشكك بعض الأصوات اليمينية الآن في الالتزامات المتعلقة بالمساعدات الخارجية بشكل أوسع، لأن ظهور منظمات بديلة مثل "جيه ستريت" أدى لمنافسة حقيقية لما كان يُعتبر في السابق سوقًا احتكاريًا للأفكار، وبينما تُقلل أيباك من شأن هذه الجماعات، وتصفها بالهامشية، فإن وجودها يعكس حقيقة أعمق، وهي أنه لم يعد هناك موقف واحد مؤيد لإسرائيل يحظى بالاحترام تلقائيًا".
وأشار إلى أنه "لا توجد رؤى متنافسة حول توجيه الدعم الأمريكي بما يخدم أمن إسرائيل والمصالح الأمريكية الأوسع في السياسة الإقليمية، وهذا التعدد، غير المريح لأيباك، قد يُسفر عن نتائج سياسية أكثر انسجامًا مع المشاركة الأمريكية المستدامة في المنطقة، وكشفت حرب غزة عن المزيد من نقاط ضعف أيباك، فقد أدى دفاعها التلقائي عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، بغض النظر عن جدواها الاستراتيجية، أو آثارها الإنسانية، إلى وضعها في خلاف مع قطاعات متزايدة من الرأي العام الأمريكي، بما في ذلك اليهود الأمريكيون".
وأضاف أن "أيباك تواجه التحدي الذي تواجهه العديد من منظمات الضغط ذات القضية الواحدة، فقد تغير العالم، ولم يعد الشرق الأوسط يحتل نفس المكانة المركزية في التفكير الاستراتيجي الأمريكي كما كان في السابق، فالمنافسة مع الصين، والحرب في أوكرانيا، والاستقطاب الداخلي، والتحديات الاقتصادية، كلها تتنافس على الاهتمام والموارد، وفي هذا المناخ، أصبحت الحجج المؤيدة لعلاقة خاصة مع إسرائيل أقل تأثيرًا".
وأكد أن "السؤال ليس ما إذا كانت إسرائيل مهمة، بل ما إذا كانت مهمة بما يكفي لتبرير الشكل والمستوى المحددين من المشاركة التي تدعو إليها أيباك، هذا لا يعني أن نفوذها قد انهار، أو سيختفي، لأن لديها موارد مالية كبيرة، وعلاقات عميقة في الكونغرس، وعمليات متطورة، لكنها تعمل الآن في بيئة لم يعد ممكنا فيها افتراض هيمنتها، حيث بات بالإمكان سماع أصوات بديلة، وحيث لم تعد الافتراضات الاستراتيجية التي رفعتها سابقًا فوق السياسة المعتادة تضمن لها الاحترام تلقائيًا".