مدريد تحتضن مشاورات سرية حول "الصحراء" برعاية أمريكية

اللقاء ناقش الحكم الذاتي تحت سقف القرار الأممي- جيتي
احتضنت العاصمة الإسبانية مدريد الأسبوع الماضي مشاورات متعددة الأطراف بشأن أزمة إقليم الصحراء، جمعت للمرة الأولى منذ سنوات ممثلين عن المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، برعاية أممية ووساطة أمريكية مباشرة اتسمت بالتكتم.

وأفادت وكالة "الأناضول" في تقرير لها، بأن هذه التحركات جاءت في سياق تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2797، ما أعاد رسم توقعات مسار النزاع الممتد منذ ستة عقود بين طرح "الحكم الذاتي" الذي تعتبره الرباط الحل الواقعي الوحيد، وخيار "تقرير المصير" الذي تتمسك به البوليساريو والجزائر باعتباره مرجعية قانونية دولية.

واستضافت السفارة الأمريكية في مدريد الأطراف الأربعة يومي 9 و10 شباط/فبراير شباط الجاري، واكتفت واشنطن بالحديث عن مناقشات دون توضيح ما إذا كانت مباحثات مباشرة أو غير مباشرة، فيما التزمت الأطراف الأخرى الصمت.

وأعلنت البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، في بيان مقتضب، أن "وفودا رفيعة المستوى من الولايات المتحدة، قامت بتيسير محادثات في مدريد جمعت المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، تركزت على تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 المتعلق بالصحراء".

وصوت مجلس الأمن الدولي في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2025 لصالح قرار أمريكي يدعم مبادرة المغرب للحكم الذاتي في إقليم الصحراء المتنازع عليه مع جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر.

نص مشروع القرار على نقل جزء من الصلاحيات التنفيذية والتشريعية والقضائية إلى إقليم الصحراء، بحيث يدير سكان الإقليم تلك الصلاحيات، مع احتفاظ الرباط بالصلاحيات السيادية مثل الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية، إضافة إلى رموز السيادة كالعلم والنشيد الوطني.

وتضمن مشروع الحكم الذاتي انتخاب رئيس حكومة من البرلمان الجهوي، على أن يقوم الملك بتنصيبه، ويتولى اختصاصات تنفيذية.


وازدادت التكهنات بشأن سيناريوهات التسوية في ظل غياب تصريحات رسمية عن مجريات لقاء مدريد، لا سيما بعد أن أخذت الولايات المتحدة زمام المبادرة بصفتها "حامل القلم" داخل مجلس الأمن في هذا الملف.

وفتح الانخراط الأمريكي عبر مستشار الرئيس دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس الباب أمام توقعات بحسم محتمل للنزاع خلال أشهر، بحسب مراقبين.

وسبق أن الولايات المتحدة جمعت المغرب والبوليساريو عام 2007 خلال "جولات مانهاست" في نيويورك، غير أن تلك الجولات لم تفض إلى نتيجة.

وأشار مراقبون بحسب الوكالة إلى أن الفارق هذه المرة يتمثل في الموقف الأمريكي الذي يضع "الحكم الذاتي خيارا أكثر واقعية"، انسجاما مع اعتراف الرئيس ترامب عام 2020 بسيادة المغرب على الإقليم، عشية توقيع الرباط اتفاق التطبيع مع دولة الاحتلال.

وأبقى قرار مجلس الأمن 2797، رغم الثقل الأمريكي، على "حق تقرير المصير"، وجدد ولاية بعثة "المينورسو" حتى 31 أكتوبر 2026، فيما انقسم المشهد بين توقعات بحسم الملف وفق "الأمر الواقع" الذي يطرحه المغرب، وبين التمسك بمسار "تقرير المصير" الذي تطالب به جبهة البوليساريو.

وأكد مسعد بولس في أول تصريح له بشأن اجتماع مدريد سرية المباحثات، واصفا الملف بأنه "معقد جدا"، حيث نقل إعلام جزائري الأحد عن بولس في مقابلة مع تلفزيون "دوتشي فيليه" الألماني قوله: "ليس باستطاعتنا الدخول بأي تفاصيل، المهم هو القرار الأممي 2797، وهو قرار تاريخي، والمرحب به من قبل جميع الأطراف المعنية".

وأوضح بولس أن القرار يحدد الأطراف المعنية وهي "المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا"، وأن الأطراف "معنية بشكل أو بآخر على اختلاف حجم الموضوع".


وشدد الوسيط الأمريكي على أن المباحثات جرت تحت سقف القرار الأممي المذكور، مضيفا: "احتراما لسرية المباحثات لا نستطيع الدخول بالتفاصيل التي تمت مناقشتها، وهي ملك للأطراف المعنية، وبشكل أساسي للمغرب والصحراويين، ونحن غير مخولين للدخول بها".

واعتبر المحامي والخبير القانوني سعيد العياشي أن حضور الجزائر في لقاء مدريد هدفه إبقاء النزاع ضمن "الإطار الأممي"، مشيرا إلى أن وجود مبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا ضمن اللقاء عزز هذا التوجه.

وتمسكت الجزائر بوضع "الملاحظ"، رافضة اعتبارها طرفا مباشرا، ومؤكدة أن الحل يجب أن يمر حصرا عبر "المسار الأممي" الذي يضمن حق تقرير المصير منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار عام 1991 بين المغرب والبوليساريو.

وأشاد بولس في مقابلة مع قناة "فرانس 24" بموقف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وفريقه الدبلوماسي، واصفا الجزائر وموريتانيا بـ"الأطراف المراقبة والداعمة" لمسار تفاوضي يهدف إلى التوصل إلى حل يحظى بقبول المغرب والبوليساريو.

وأوضح العياشي أن القرار 2797 جدد مهمة بعثة "المينورسو" في تنظيم الاستفتاء، وأن إدراج "الحكم الذاتي" لا يمنحه صفة الحل الحصري ولا يلغي حق الأطراف في التوافق على النتيجة النهائية.

وربط العياشي اهتمام الجزائر بالملف بحماية أمنها القومي وتفادي أي مواجهة قرب حدودها، مستبعدا "تسوية وشيكة"، وواصفا لقاء مدريد بأنه "جولة أولى بصيغة جديدة" تتطلب تنازلات متبادلة.
أشار العياشي إلى صعوبة التكهن بتفاصيل اللقاء بسبب التكتم، معتبرا أن "التسريبات الخاطئة قد تهدف إلى زرع الارتباك وإفساد المساعي الدبلوماسية".

ورأى عبد الصمد ولد مبارك، رئيس مركز الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية في نواكشوط، أن حضور الجزائر وموريتانيا يرتبط بطبيعة النزاع وكونهما طرفين مراقبين.


قال ولد مبارك لـ"لأناضول" إن "موريتانيا دولة مراقب في الإقليم، تربطها عدة عوامل بالنزاع وتراعي موقف الحياد الإيجابي بهدف التسوية النهائية بما يخدم المنطقة وأمنها واستقرارها".

واعتبر أن لقاء مدريد "نقطة تحول في مقدمة حل نزاع الصحراء"، وأن المبادرة الأمريكية تأتي تحت سقف الشرعية الدولية وتأخذ بعين الاعتبار مقترح الحكم الذاتي المغربي الذي لا تزال حيثياته غامضة، رابطا تقدم المبادرة الأمريكية بـ"الأخذ الدقيق بخصوصيات النزاع وفرض منطق عملي محايد للتفاوض"، مقترحا "فرض منطق الأمر الواقع القائم على الشرعية الدولية التي تتخذ من قرارات محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن الدولي مرجعية".

وأصدرت محكمة العدل الدولية عام 1973 رأيا استشاريا نفت فيه "وجود أي رابطة من روابط السيادة الإقليمية بين الصحراء والمغرب"، فيما يزال إقليم الصحراء مدرجا لدى "اللجنة الأممية لتصفية الاستعمار ـ لجنة الأربعة والعشرين" ضمن الأقاليم التي لا تتمتع بالاستقلال.

من جهته، أكد الخبير المغربي بلال التليدي أن لقاء مدريد اتسم بـ"سرية وتكتم"، وشكل تحولا عبر مناقشة "الحكم الذاتي كأرضية وحيدة وحصرية للحل، ما يعني إعادة صياغة مفهوم تقرير المصير ليكون من داخل السيادة المغربية لا خارجها".

وأفاد التليدي للوكالة بأن المغرب انتقل من الطرح المبدئي إلى المستوى العملي والتقني بتقديم وثيقة من 40 صفحة تشرح الهياكل المؤسسية وصلاحيات البرلمان الجهوي وآليات إدارة الثروات والضرائب، وفقا لتسريبات إعلام إسباني.

وأشار إلى أن الرؤية الأمريكية تضغط لحسم الملف بحلول مايو أيار المقبل، وأن الأطراف تسلمت الوثيقة المغربية تمهيدا لمناقشتها في "لجان تقنية مشتركة" لصياغة اتفاق سياسي نهائي.

وأشار التليدي إلى أن الخيارات المطروحة حاليا "تقع حصرا داخل مقترح الحكم الذاتي"، معتبرا أن البديل لتجنب الضغوط الدولية يتمثل في حوار "طوعي" مباشر بين المغرب والجزائر يفضي إلى إنهاء النزاع وتحقيق التكامل الاقتصادي المغاربي.