في توقيت سياسي يوصف بكونه بالغ الحساسية، وقبل أشهر قليلة من موعد الانتخابات التشريعية المقبلة في
المغرب، أعلن رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، عدم ترشّحه لولاية جديدة على رأس الحزب، وعدم خوضه غمار الاستحقاقات الانتخابية القادمة.
قرار بدا، في ظاهره، التزاما بالقانون الأساسي للحزب، لكنه سرعان ما فتح باب التأويل حول خلفياته السياسية، وحدود كونه انسحابا مبدئيا أم إعادة تموضع محسوبة في لحظة ضغط داخلي وخارجي متصاعد.
في هذا التقرير، تحاول "عربي21" الإجابة على سؤال: هل غادر أخنوش الزعامة الحزبية احتراما للنصوص التنظيمية فقط، أم لتفادي كلفة سياسية وانتخابية باتت تهدّد الحزب ورئيسه معا؟
سياق ضاغط وتوقيت دالّ
إعلان أخنوش جاء في سياق اجتماعي وسياسي متوتر، طبعته احتجاجات متفرقة، وانتقادات واسعة للأداء الحكومي في ملفات تعتبر "حسّاسة"، على رأسها غلاء الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واختلالات التعليم والصحة والبنية التحتية في عدد من المناطق.
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تحوّل رئيس الحكومة إلى واجهة مباشرة لغضب شعبي متنام، تجاوز في كثير من الأحيان النقد السياسي إلى مساءلة شخصية، ومطالب بربط المسؤولية بالمحاسبة؛ خاصّة مع استمرار الجدل المرتبط بعلاقته بعالم المال والأعمال، خصوصا قطاع المحروقات.
في هذا السياق، يرى متابعون للشأن السياسي المغربي أنّ: "استمرار أخنوش على رأس الأحرار، خلال الحملة الانتخابية كان سيضع الحزب في مواجهة مباشرة مع تقييم الحصيلة الحكومية، بدل تمكينه من تسويق خطاب انتخابي قائم على التجديد واستشراف المستقبل".
التزام تنظيمي.. أم مخرج سياسي أقل كلفة؟
حرص أخنوش، في لقاءاته الداخلية ومع مدراء نشر عدد من المنابر الإعلامية، على التأكيد أن قراره نابع من احترامه التام للقانون الأساسي للحزب، الذي يحصر مدة انتداب الرئيس في ولايتين فقط، رافضا أي تعديل يسمح بالتمديد. غير أنّ هذا التبرير، رغم وجاهته القانونية، لا يبدو كافيا -بحسب المتابعين- لفهم القرار بمعزل عن السياق السياسي العام.
المحلّل السياسي، حسن بلوان، أبرز أنّ: "إعلان أخنوش، شكّل زلزالا سياسيا غير معتاد في الساحة السياسية المغربية، سواء على مستوى السياق الذي جاء فيه الإعلان قبل الانتخابات التشريعية، وكذلك التوقيت المدروس والمحسوب بعناية قبل انعقاد مؤتمر الحزب في الشهر المقبل، لكن في جميع الأحوال يبقى هذا الحدث سابقة في الممارسة الحزبية المغربية، حيث هيمنة خطاب التمديد والتمسك بالزعامات السياسية في جل الأحزاب".
وأضاف بلوان، في حديثه لـ"عربي21" أنّه: "لا يمكن الفصل بين الالتزام التنظيمي والحرص على تطبيق اللوائح الداخلية للحزب وبين تموجات المشهد الحزبي وحسابات السياق السياسي وضغوطات الواقع الاجتماعي وتزايد انتظارات المواطنين"، مردفا: "يمكن الجزم أن قرار أخنوش مرتبط بنفس السياق والطريقة التي تم انتخابه على رأس التجمع الوطني للأحرار، وبالتالي فالقرار محسوب وتم اتخاذه بعد الاقتناع أنّه لم يعد رجل المرحلة".
"بغض النظر عن سياقات ومٱلات التجربة الحكومية بمنجزاتها واخفاقاتها، فإن أخنوش لعب دورا كبيرا في بعث الروح بحزب التجمع الوطني للأحرار وبوّأه مكان الصدارة في الانتخابات السابقة، لذلك فالخطوة التي أقدم عليها ستؤثر لا محالة في الأداء الانتخابي للحزب، بالنظر إلى تركيبته التنظيمية المرتكزة على الأعيان وأصحاب المال ومرجعيته السياسية الإدارية" وفق ما أكّده المحلل السياسي نفسه.
محاولة لتخفيف الضغط
من جهته، قال الباحث في العلوم السياسية والتواصل، سمير الباز: "بالنظر إلى السياق العام، يصعب اعتبار القرار خطوة لتعزيز الصورة الشخصية لأخنوش، لأن صورته السياسية كانت قائمة على خطاب الاستمرار والثقة في الإنجازات الحكومية، وليس على منطق الانسحاب".
وتابع الباز في حديثه لـ"عربي21" بأنّ: "التراجع المفاجئ بعد مرحلة طويلة من تقديم الذات كـ"المرشح الأوفر حظًا" يوحي بكونه انسحابا اضطراريا ذا طابع وقائي يهدف إلى حماية الحزب من تصاعد ضغط الرأي العام، ومن تحوّل أخنوش إلى عبء انتخابي مباشر".
"حين يصبح الزعيم مركزا للتناقض السياسي والاستهداف العابر للأغلبية والمعارضة، يتحول الاستمرار من رهان قوة إلى عامل إنهاك، ما يجعل الانسحاب أقرب إلى إدارة للأزمة منه إلى مناورة لصقل الصورة" وفقا للباحث في العلوم السياسي نفسه.
إلى ذلك، أبرز الباز، في حديثه لـ"عربي21" أنّ: "القرار، يعكس، إلى حدٍّ كبير، رغبة في فصل كلفة التدبير الحكومي عن الاستحقاق الانتخابي المقبل. فارتباط التجمع الوطني للأحرار شبه العضوي بشخص أخنوش منذ 2016 جعل أي تقييم للحصيلة الحكومية يُختزل في اسمه، خاصّة في ظل الاحتجاجات الاجتماعية وتوتر النقاش حول السياسات العمومية والقوانين الانتخابية".
واستدرك الباز: "غير أن هذا الفصل يظل نسبيا ومحدود الأثر، لأن الحزب لم ينجح في بناء قيادة جماعية أو خطاب انتخابي مستقل عن رئيس الحكومة. وبالتالي، فالقرار محاولة لتخفيف الضغط أكثر منه قطيعة فعلية بين الحكومة والحزب في المخيال العام".
ضغط شعبي متواصل
وفقا لمجمل المعطيات التي توصّلت إليها "عربي21" فإنّه: "قرار أخنوش لا يمكن بأيّ حال من الأحوال، فصله عن الضغط الشعبي المتنامي، خاصة في أوساط الشباب (جيل زد)، إذ تحوّل مطلب رحيله إلى شعار متداول في الفضاء الرقمي، مصحوبا بانتقادات لاذعة للأداء الحكومي ولسياسات اعتُبرت غير منصفة اجتماعيا".
وبعد أيام من قرار أخنوش، ما تزال صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب عدد من صنّاع المحتوى، تعيد طرح مطلب ربط المسؤولية بالمحاسبة، معتبرة أن الانسحاب من الواجهة الحزبية لا ينبغي أن يتحول إلى آلية لتخفيف كلفة التقييم السياسي، أو للتنصل من مساءلة مرتبطة بوعود انتخابية لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
المحلل السياسي، حسن بلوان، مضى في حديثه لـ"عربي21" بالقول: "في المجمل يمكن النظر إلى قرار أخنوش من زاويتين: الأولى أنه اتّخذ قرارا سياسيا ينم عن شجاعة وإقدام، بالنظر لتمسّك معظم القيادات الحزبية بالزعامة وصلت إلى تغيير الأنظمة واللوائح الداخلية لأجل التمديد وإعادة التمديد".
"الثانية أن الضغوط الشعبية والمجتمعية كانت سببا مباشرا في دفع أخنوش لاتّخاذ هذا القرار بالنظر إلى أنّ رحيله كان مطلب فئات واسعة من الشعب وخاصة الشباب" وفقا لبلوان.
دينامية داخلية لضبط الخروج
لم يكتفِ أخنوش بإعلان قراره، بل أطلق مباشرة عقب ذلك دينامية تواصلية داخل الحزب، شملت لقاءات مع قادة الفرق البرلمانية، والمنسقين الجهويين، ومنظمتي الشبيبة والمرأة، في محاولة واضحة لمنع أي تصدعات تنظيمية. وبحسب مصادر حزبية، قد شدّد على ضرورة توحيد الصفوف ودعم أي قيادة جديدة يفرزها المؤتمر الاستثنائي المرتقب، لضمان استمرارية المشروع السياسي للحزب.
ويرى عدد من المتابعين للشأن السياسي المغربي، أنّ: خروج أخنوش يفتح الباب أمام الحزب لإعادة بناء خطابه الانتخابي، عبر تقديم قيادة جديدة أقل استهلاكا سياسيا، وربما أكثر قدرة على مخاطبة فئات الشباب والنساء. غير أن هذا الرهان يظل -وفق متابعين- محدود الأثر ما لم يُواكَب بتحول حقيقي في البنية التنظيمية وآليات اتخاذ القرار داخل حزب يُنظر إليه تقليديا كتنظيم قائم على الأعيان والمال والنفوذ الإداري.
وأكّد الباحث في العلوم السياسية والتواصل، سمير الباز، أنّ: "القرار قد يفتح هامشا رمزيا لإعادة تقديم الحزب بوجوه جديدة، بما فيها قيادة نسائية، وهو ما قد يخفف من منسوب العزوف ويمنح الحزب صورة أكثر حداثة".
وتابع الباز، في حديثه لـ"عربي21": "لكن عمليا، يبقى هذا التأثير محدودا إن لم يُواكَب بتحول عميق في البنية التنظيمية وآليات القرار. فالشباب والنساء لا يتحفزون بالمواقع الرمزية فقط، بل بمدى قدرتهم على التأثير الفعلي في التوجهات والسياسات. لذلك، فإن الرهان على القيادة النسائية أو الشابة قد ينجح تواصليا على المدى القصير، لكنه لن يتحول إلى مشاركة انتخابية واسعة ما لم يُترجَم إلى تغيير حقيقي في منطق اشتغال الحزب وعلاقته بالمجتمع".
ماذا بعد أخنوش؟
السيناريوهات المطروحة بخصوص خلافة أخنوش، تتعدّد من أسماء وازنة داخل الحكومة، إلى شخصيات تحظى بقبول سياسي ومؤسساتي (بينهم الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، ورئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، فوزي لقجع، وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح)"؛ فيما يرى المحللون في حديثهم لـ"عربي21" أنّ: "اختيار الخليفة سيعكس طبيعة الرهان الحقيقي لـ"الأحرار"، وفي جميع الحالات، يبقى المؤتمر الاستثنائي المرتقب محطة مفصلية ستحدد ليس فقط اسم الرئيس الجديد، بل طبيعة المرحلة المقبلة، وحدود القطيعة أو الاستمرارية مع مرحلة أخنوش".
في المحصلة، لا يمكن قراءة قرار أخنوش كالتزام تنظيمي صرف، ولا كانسحاب نهائي من الحياة السياسية. بقدر ما يمكن وصفه وفق المحلّلين ذاتهم، أنّه: "خروج محسوب من واجهة حزبية أصبحت مكلفة انتخابيا، وانتقال إلى موقع أقل احتكاكا بالضغط الشعبي، في انتظار ما ستفرزه موازين القوى المقبلة".