مع إعلان هلال شهر
رمضان الخميس في
مصر، تبارى أهالي وأسر
المعتقلين في إطلاق دعوات مطالبة بإخلاء سبيل ذويهم، والدعوة لـ"إنقاذهم قبل الموت في الزنازين"، ومناشدة: "أخرجوهم وارحموا عمرهم وشبابهم".
وطالبت أسر معتقلين وحقوقيون بإخلاء سبيل أكثر من 60 ألف معتقل أغلبهم منذ العام 2013، وإطلاق سراح من قضى مدد محكوميته، ومن على ذمة الحبس الاحتياطي، ووقف تدوير المعتقلين وعدم اعتقال آخرين، وإنقاذ المرضى وكبار السن عبر إفراج صحي من موت بطيء يقترب من قيادات وأعضاء وأنصار جماعة الإخوان المسلمين المعتقل أغلبهم منذ 13 عاما.
ومن بين المناشدات، طالبت زوجة المعتقل السياسي منذ العام 2013، الدكتور محمد البلتاجي، ووالدة المعتقل أنس البلتاجي، السيدة سناء عبدالجواد، قائلة امتثالا لحديث عن نبي الإسلام: "فكوا العاني"، داعية كل حر للدعاء لهم ولأهل غزة.
وكتبت تقول: "ونحن مقبلون على أيام مباركة، رمضان الذي تفتح فيه أبواب السماء، وتلين فيه القلوب، وتعلو فيه الأكف بالدعاء؛ يأتي وهناك آلاف المعتقلين، من الرجال والسيدات والفتيات الحرائر، يقبعون في ظلمة السجون، محرومين من دفء الأهل، ومن ضوء الشمس، ومن نسمة الحرية".
وأضافت: "أن يمر على إنسان 13 رمضانا بعيدا عن أهله وأولاده، بعيدا عن الشمس ورؤيتها، بعيدا عن الألوان، لا يرى إلا الجدران السوداء، ولا يسمع إلا صدى القيود وصوت السجان، تفاصيل لا يشعر بها إلا من عاشها".
وكتبت السيدة هناء محسن، والدة المعتقل عبدالرحمن محسن، تقول أنها لا تحضر لرمضان كما يفعل الناس، ولكنها تجهز دعاء تدعو به الله ليعيد لها ابنها، وتتكلم معه عن حرمانها منه وحلمها رؤيته واحتضانه، موضحة أن هذا هو رمضان السابع بدون عبدالرحمن، مبينة أنه معتقل منذ 6 سنوات ونصف في عمر 19 سنة والآن هو في عمر 24 عاما، مؤكدة أنه منذ خرج عصر 29 آب/ أغسطس 2019، لم يعود، ولم تره ولم تسمع صوته.
وقالت زوجة المعتقل منذ نيسان/ أبريل 2024 بالإسكندرية، في قضية "دعم فلسطين"، شادي محمد: "كل يوم رمضان يقرب القلب يتقبض أكثر والخنقة تزيد مع كل دقيقة بتمر وهم وراء السور، كل يوم يقرب رمضان نفقد الأمل أننا نتلم معهم ونحس بفرحته، ونتمنى لو الزمن توقف".
وتحتجز السلطات نحو 180 مصريا منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، على خلفية دعمهم المقاومة الفلسطينية في غزة خلال حرب الإبادة الدموية الإسرائيلية التي أودت بحياة أكثر من 70 ألف فلسطيني.
وفي إطار دعوتهم لإخلاء سبيل المعتقلين تداول نشطاء بشكل موسع أنشودة اليوتيوبر المعارض عبدالله الشريف، التي أطلقها عام 2015، بعنوان: "رمضان جانا".
ومع حلول شهر رمضان، تقدمت "لجنة الدفاع عن سجناء الرأي"، بمذكرة قانونية للنائب العام المصري، طالبت فيها بـ"سرعة الإفراج عن المحبوسين احتياطيا الذين تجاوزت مدة حبسهم عامين كاملين"، معتبرة أن "استمرار احتجازهم يُعد مخالفة صريحة لنصوص قانون (الإجراءات الجنائية) الذي حدد سقفا زمنيا للحبس الاحتياطي لا يجوز تجاوزه".
وأكدت اللجنة أنها لم تتلقَّ ردا من النيابة العامة، في وقت لا يزال فيه عدد كبير من المواطنين رهن الحبس الاحتياطي دون إحالتهم إلى المحاكمة، وهو ما وصفته بمخالفة واضحة لمبدأ سيادة القانون وضمانات الحرية الشخصية التي كفلها الدستور.
شعور قاس بالعجز
وحول وضع المعتقلين وأسرهم، يقول أحد قيادات الصف الثاني من جماعة الإخوان المسلمين، إنهم "ما بين مطرقة الغلاء الفاحش، وسندان السفر للسجون، ومعاناة الزيارات"، واصفا الوضع بأنه "محنة طالت وشاب فيها الصغير، وهرم فيها الكبير، وغاب الزوج، والأبناء ما بين مغترب ومحتجز، ما ترك شعورا قاسيا بالعجز".
وفي حديثه لـ"عربي21"، تحدث عن "نماذج تكشف عن حجم معاناة أسر المعتقلين القاسية في جانب واحد وهو الزيارة"، مشيرا إلى أن "أخوين أحدهما بسجن (برج العرب) –شمال غرب- والآخر في (المنيا شديد الحراسة) –وسط الصعيد-، وأب في منفى (وادي النطرون) –الصحراء الغربية- والابن في سجن (المنيا)".
وتساءل: "كيف تتصرف الأم والزوجة؟، ومن أين لها بالصحة والمال؟"، ملمحا إلى حالة سيدة "ضعيفة مسكينة لا حول لها ولا قوة، تخوض رحلتي العذاب تلك من هنا لهناك، ولم يطرف لها جفن، ولا عطف ولا شفقة لقلوب من حجارة ونفوس بالسوء أمارة".
وعن معاناة المعتقلين في السجون، يشير لبعض النماذج التي أتى المعتقل على ما تبقى لها من صحة، لافتا إلى "معاناة 3 معتقلين يعرفهم شخصيا، أعمارهم الآن فوق 65 عاما بينما تم اعتقالهم في بداية الخمسين، وأحدهم يشكو التليف الكبدي والضغط، والثاني يعاني من مرحلة صعبة مع الضغط والسكر، وثالثهم يعاني أمراض القلب، واحتاج تركيب دعامة".
عقوبات العصور الوسطى
ويؤكد أن "الخلاف السياسي لا يبرر الفجر في الخصومة"، داعيا إلى "مطلب إنساني من كافة الأسر والمعتقلين ويجب أن يركز عليه المعنيون بهذا الملف والحقوقيون ألا وهو (لم الشمل) بمعنى وضع الابن والأب والإخوة بمكان احتجاز واحد، ومراعاة البعد الجغرافي".
وذهب للقول إن "الإنسانية لا تُبيح توقيف مصري من وجه بحري وسجنه في الصعيد، وذلك رحمة وإشفاقا حتى بأفراد الأمن القائمين بالترحيلات"، مضيفا أن "النفي والتغريب الذي يطال كبار السن والمرضى والنساء ومن يجري تدويرهم بقضايا جديدة ومن تعدوا مدة الحبس الاحتياطي؛ من عقوبات العصور الوسطى".
وفي جانب ثاني يشير إلى معاناة المعتقلين مع (ملف التدوير) -الحبس على ذمة قضايا جديدة رغم وجودهم في حوزة الأمن- موضحا أن "التدوير أصبح أمر روتيني يحرم المعتقلين حريتهم رغم انقضاء مدد حبسهم، وهو في تقديري استخفاف واضح بمنصة القضاء".
وتابع: "بل تعدى الأمر ليصل حد التنكيل بذوي الاحتياجات الخاصة، كطبيب كان لا يتحرك إلا بدراجة بخارية مجهزة ثلاثية العجلات، وله الآن أكثر من 5 سنوات في المعتقل، ومعتقل آخر لديه نسبة عجز في قدراته العقلية، يعانيان أشد معاناة ومن وضع غير إنساني ترفضه كافة القوانين والمنظمات الحقوقية".
وفي جانب ثالث، تحدث عن ما يدفعه أبناء المعتقلين من "ثمن باهظ توقفت له حياة الكثيرين منهم في ملفات التعليم والزواج والعمل"، ملمحا إلى "ظاهرة العنوسة في بنات المعتقلين التي تحتاج رصدا مفصلا يكشف كيف أن المجتمع يعاقبهم، وصرن رهينة بيوت آبائهن وكأنهن أصبحن محاصرات في شعب أبي طالب".
وفي نهاية حديثه لفت إلى معاناة "معلمة خمسينية زوجة سبعيني وأم شاب معتقل غابا عنها منذ سنوات ومع الضغط النفسي أصيبت بمرض (الزهايمر) المبكر، وهي الآن في مراحلها الأخيرة، وتقوم برعايتها ابنتها ذات الجمال والأصل الطيب، والتي فاتها قطار الزواج بسبب خشية الخطاب التقدم لخطبتها".
رمضان الأصعب
ويقول الحقوقي المصري عبد الرحمن بدراوي: "بقدوم شهر رمضان تتجدد ذكريات ملايين المصريين من تجمع الأسرة حول مائدة الإفطار والسحور، وصلاة التراويح مع الأبناء بالمسجد، وسماع تواشيح الفجر".
المدير التنفيذي لمؤسسة "جوار" وفي حديثه لـ"عربي21"، يستدرك: "لكن رمضان المعتقلين وأسرهم مختلف عن باقي المصريين؛ بين مشقة الصيام في أماكن الاحتجاز، وصعوبة تجهيز الزيارات، وقلة الزاد، وضعف الماديات".
ويلفت إلى أنه ومع الوضع الصعب الذي تعانيه أسر المعتقلين، "تطلق (جوار) حملة بعنوان: (اخلفوهم)، للعام السابع، لتفعيل دور التكافل المجتمعي، والوصول لكفاية بيوت المعتقلين في رمضان، والمشاركة في تجهيز الزيارة، وتوفير ما يتيسر من إفطارات بمقار الاحتجاز".
ويؤكد أنه "يتوجب على الجميع في رمضان تقديم كافة الدعم النفسي والمادي للمعتقلين وأسرهم، من اتصال للاطمئنان، وزيارات البيوت ما أمكن، ومشاركتهم الإفطار، أو كفالة زيارة معتقل في رمضان، وغيرها من الوسائل المتاحة".
ويخلص للقول إن "معاناة أسر المعتقلين أزمة ليست جديدة؛ لكنها تزيد في شهر رمضان، وفي رمضان هذا العام بشكل خاص كونه أتي بعد بداية الفصل الدراسي الثاني، ما يزيد عبء البيوت ماديا".
"لم ولن ننساكم"
ووجه السياسي المصري محمد سودان، رسالة إلى "من هم خلف القضبان في سجون حاكم ظالم"، قائلا: "انتم شرف وتاج رؤوس هذه الأمة، أراد الله أن يضاعف أجركم بهذا الابتلاء العظيم، وأن يملي للظالم وأعوانه الذين اتحدوا على أن يرسلونكم إلى غياهب السجون ويبعدونكم عن أهليكم وأبناءكم".
القيادي في حزب "الحرية والعدالة" الحاكم (2012- 2013)، أضاف: "نحن لم ولن ننساكم أبدا، ولا ننفض أو نتوقف عن الدعاء لكم بالفرج، وثقوا تماما من استرداد حقكم أمام الله ممن أمر ونفذ وتعاون على حبسكم".
وخاطب النظام المصري، مطالبا "إياه ومن يعطيه الأوامر"، بـ"التوقف عن تدمير البلاد بالاستبداد، ووقف الظلم الذي حرمه الله على نفسه وأمر الناس ألا يتظالموا"، محذرا "إياهم وأتباعهم" من أن "الاستمرار في الظلم والفساد سيتبعه انتقام إلهي".
مأساة 13 عاما
ويواجه أكثر من 60 ألف معتقل الحبس المؤبد والمشدد إثر أحكام مغلظة بقضايا وصفتها منظمات حقوقية دولية مثل "هيومان رايتس ووتش" و"العفو الدولية"، بأنها "مسيسة"، و"جرت خارج إطار القانون والدستور"، مشككة في إجراءاتها ونزاهتها، مؤكدة أنها جاءت إثر "محاكمات هزلية"، و"اتهامات انتقامية"، عقب "اعتقالات تعسفية" والتعرض لجرائم "تعذيب ممنهج"، و"إخفاء قسري"، و"حبس احتياطي"، و"تدوير" بقضايا مماثلة، رغم انتهاء مدد الحبس وانقضاء الأحكام.
ويعاني المعتقلون من تعنت أمن السجون معهم، وفرض إجراءات غير قانونية، ومنع الزيارة عن جميع قيادات جماعة الإخوان المسلمين المعتقلين، وتقليصها لباقي المعتقلين، والتضييق عليهم في الاتصال بذويهم والتريض وإدخال الأطعمة والمأكولات والدواء، وسط إهمال طبي متعمد كمنع الدواء، والنقل للمستشفيات، والتكدس وسوء التهوية، والتعذيب البدني، والتي تؤدي جميعها لتفاقم وفيات السجون التي بلغت 1266 حالة منذ منتصف 2013، وفق منظمة "هيومن رايتس إيجيبت".
وطبقا لتقرير "لجنة العدالة"، ومقرها واشنطن هناك 1056 حالة وفاة داخل السجون ومراكز الاحتجاز بين 2013، و2020، في حين يوثق ائتلاف "المادة 55"، 296 وفاة لمعتقلين بين 2020 ومنتصف 2024، فيما شهد ذات العام وحده 50 حالة، وبحسب تقرير مركز "النديم" شهد العام الماضي 78 وفاة، مع ارتفاع وتيرة الاختفاء القسري والإهمال الطبي.
وفي أحدث تقرير له كشف مركز "الشهاب لحقوق الإنسان"، عن تدهور أوضاع المعتقلين السياسيين بسجن بني سويف المركزي، وتعرضهم لانتهاكات جسيمة تمس حياتهم وسلامتهم الجسدية والنفسية.
وفي ما اعتبره المركز تطورات بالغة الخطورة، أكد أن سجن الوادي الجديد، (سجن الموت)، يشهد تصاعدا مقلقا لمحاولات إيذاء النفس بين المحتجزين السياسيين، فيما أقدم 7 معتقلين على الانتحار وفق رصد الشبكة المصرية لحقوق الإنسان.
وفي 9 شباط/ فبراير الجاري، توفي أستاذ الفيزياء الدكتور جلال عبدالصادق السحلب (71 عاما)، بعد 13 عاما من الاحتجاز، وبعدها بيومين توفي المعتقل سامح عامر (50 عاما) بسجن (بدر 3)، فيما جرى الكشف عن تدهور الحالة الصحية لأستاذ هندسة الاتصالات بجامعة القاهرة الدكتور عصام حشيش (71 عاما).