خلال أقل
من عشرة أيام، تعرضت مساعي الحكومة البريطانية لتقييد تحركات مؤيدي
فلسطين لانتكاستين
قانونيتين أمام القضاء البريطاني، تمثلت الأولى في رفض القضاء إدانة نشطاء مؤيدين
للمنظمة، وجاءت الأخرى بإعلان المحكمة العليا قرار تصنيف المنظمة
إرهابية غير
قانوني. فما هي هذه المنظمة التي سخّرت لها الحكومة البريطانية كل هذه الموارد لحظرها
وملاحقة نشطائها؟
تأسست
منظمة فلسطين آكشن (Palestine Action) عام
2000 على يد كل من الناشطين هدى عموري وريتشارد برنارد، في سياق الجهود لإنهاء المشاركة
العالمية في "الإبادة الجماعية ونظام الفصل العنصري"
الإسرائيلي.
واتخذت
المنظمة خيار "الفعل المباشر"، عبر القيام بتحركات استهدفت بشكل خاص
منشآت في
بريطانيا تزود جيش الاحتلال الإسرائيلي بالأسلحة التي تستخدم في قصف غزة.
وفي هذا السياق، اقتحم نشطاء في المنظمة مصانع لشركة إلبيت سيستمز الإسرائيلية، إضافة
إلى المظاهرات. وفي حزيران/ يونيو 2025 اقتحم ناشطون من المنظمة قاعدة برايز
نورتون الجوية، وقالت السلطات البريطانية إن النشطاء ألحقوا أضرارا تقدر قيمتها
ملايين الدولارات بطائرتين حربيتين.
كما قامت
المنظمة بتنظيم مظاهرات في مواقع عدة، وعمد نشطاؤها إلى صبغ مبنى هيئة الإذاعة
البريطانية (بي بي سي) باللون الأحمر، احتجاجا على تغطيتها التي يراها الناشطون
منحازة للاحتلال الإسرائيلي، وألقوا دهانا أحمر في تجمعات مائية في إشارة للإبادة
الجماعية في غزة.
وفي تموز/
يوليو 2025 أحالت الحكومة البريطانية مشروعا لتصنيف الحركة منظمة إرهابية إلى
البرلمان، وأُقر بغالبية 385 صوتا ومعارضة 26 صوتا فقط. وهو ما يضع فلسطين آكشن مع
منظمات مثل تنظيم الدولة والقاعدة ومنظمات نازية.
ومنذ ذلك
الحين اعتقلت الشرطة البريطانية نحو 2700 شخص، بينهم متقاعدون ومسنّون تجاوز بعضهم
التسعين سنة من العمر، بتهمة دعم منظمة إرهابية، على خلفية رفعهم شعارات تضامنية
مع فلسطين آكشن. وقد وجهت رسميا اتهامات إلى 500 شخص من بين من تم اعتقالهم، بتهم
تتعلق بدعم منظمة إرهابية.
ولجأت المؤسِسة
المشاركة للمنظمة، هدى عموري، إلى المحكمة العليا في لندن لإلغاء التصنيف. ومن
الحجج التي استخدمتها عموري لتبرير نشاط المنظمة، أن "حركة أصوات من أجل
النساء" التي نشطت للمطالبة بحقوق المرأة في بريطانيا واتبعت أساليب توصف بالعنيفة؛
كان يمكن أن تصنف إرهابية قبل 100 عام، لكنها نجحت في نهاية المطاف في الاعتراف بعدد
كبير من حقوق المرأة وصولا إلى حق التصويت.
وفي 13
شباط/ فبراير الجاري قررت المحكمة قبول حجتين من بين أربع حجج قدمها محامو
المنظمة، وخلصت إلى أن إجراءات الحكومة بتصنيف المنظمة إرهابية لم تكن متناسبة، "وتقوض
بشكل كبير الحق في
حرية التعبير"، رغم أن المحكمة أشارت إلى المسؤولية الجنائية
الفردية للنشطاء عن أفعالهم، كما أبقت المحكمة الحظر لإعطاء الحكومة الفرصة
لاستئناف الحكم.
وعلى
الأثر، أعلنت الشرطة البريطانية وقف اعتقال الأشخاص الذين يعبرون عن دعمهم للمنظمة،
مع استمرارها بجمع البيانات، بانتظار قرار محكمة الاستئناف.
ورأى
معلقون أن توقف الشرطة عن اعتقال داعمي فلسطين آكشن مباشرة هو مؤشر على ترجيح
خسارة الحكومة الاستئناف، كما أن مطاردة هؤلاء الداعمين باستمرار يستنفد موارد
الشرطة.
وحاولت
الحكومة سابقا الطعن بصلاحية المحكمة العليا للنظر في تصنيف المنظمة، قائلة إن الطعن
على التصنيف من اختصاص لجنة استئناف متخصصة، لكن قرارا قضائيا سابقا سمح
بالاستمرار بإجراءات الطعن أمام المحكمة العليا؛ لأن الطريق الآخر يستغرق وقتا
طويلا لأنه يتطلب أولا التقدم بطلب للحكومة لمراجعة التصنيف وصدور قرار من الحكومة
برفض المراجعة.
وسبق قرار
المحكمة في لندن قرار مفصلي في المحكمة العليا في أسكتلندا، بموافقتها على المضي
قدما في إجراء مراجعة قضائية شاملة في حظر المنظمة، وهو ما من شأنه أن يقود لوقف
تطبيق الحظر في أسكتلندا. وستعقد المراجعة يومي 17 و18 آذار/ مارس القادم، وذلك
بعد جلسة إجرائية مقررة في 23 شباط/ فبراير الجاري.
وفي 4 شباط/
فبراير الجاري برأت محكمة بريطانية ستة نشطاء في المنظمة، من تهمة السطو المقترن بالعنف، فيما يتعلق باقتحام مصنع لشركة
إلبيت سيستمز في آب/ أغسطس 2024، وعجز المحلفون خلال المحاكمة عن التوصل إلى قرار
بشأن تهم الإضرار الجنائي. ونفى النشطاء الستة تهم السطو المقترن بالعنف وإحداث
الفوضى العنيفة والإضرار الجنائي.
والمتهمون
هم شارلوت هيد (29 عاما)، وصامويل كورنر (23 عاما)، وليونا كاميو (30 عاما)،
وفاطمة زينب رجواني (21 عاما)، وزوي روجرز (22 عاما)، وجوردان ديفلين (31 عاما).
وعلقت
منظمة العفو الدولية على عدم توصل هيئة المحلفين لإدانة نشطاء فلسطين آكشن
"يسلط الضوء على أن قرار تصنيف المنظمة كان غير متناسب". وأضافت:
"هذا يطرح أسئلة جوهرية حول استخدام الدولة لقوانين محاربة الإرهاب ضد حق
الاحتجاج بالفعل المباشر"، مشيرة إلى أن تصنيف المنظمة يمثل "تدخلا في الحق
بحرية التجمع والتعبير". ولفتت
المنظمة إلى أن قرار عدم الإدانة جاء بعد 17 شهرا من الاعتقال والاتهام بـ"الارتباط
بالإرهاب".
وخاض ثمانية معتقلين على خلفية القضية إضرابا طويلا عن
الطعام استمر بالنسبة لعدد منهم 73 يوما، احتجاجا على استمرار اعتقالهم دون محاكمة
منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، كما قدموا شروطا لتعليق إضرابهم الذي وصل مرحلة
هددت حياتهم، في أطول إضراب لمعتقلين على خلفية سياسية في بريطانيا منذ عقود.
وأعلن
ثلاثة معتقلين تعليق إضرابهم في 14 كانون الثاني/ يناير الماضي بعد قرار الحكومة
البريطانية بعدم منح عقد بقيمة حوالي ملياري جنيه إسترليني لشركة إلبيت سيستمز،
وهو أحد المطالب التي رفعها المضربون كشرط لإنهاء احتجاجهم، كما أن أربعة من
المضربين الآخرين قد أنهوا إضرابهم في وقت سابق، بعد أن حصلوا على تنازلات جزئية
بشأن مطالبهم أو أنهم تعرضوا لتدهور حاد في صحتهم.
ماذا قالت
المحكمة العليا؟
ورغم أن
المحكمة العليا رفضت حجة فلسطين آكشن بأن أعضاءها يمارسون العصيان المدني على
طريقة غاندي، ووافقت على دفع الحكومة بأن عدد الحوادث التي تضمن إحداث ضرر
بالممتلكات قد يحقق متطلبات مفهوم الإرهاب، إلا أن المحكمة خلصت إلى أن القانون
الجنائي الحالي يفي بالغرض، وميّزت المحكمة بين القضايا الجنائية وقضايا الإرهاب.
ويمنح
قانون الإرهاب لعام 2000 وزير الداخلية صلاحية تصنيف المنظمات الإرهابية، حتى لا
يتم تصنيف كل المنظمات التي تنطبق عليها المعايير التي يحددها القانون تلقائيا، لكن
المحكمة رفضت تبرير الحكومة لتصنيف فلسطين آكشن بأنه يقدم "فوائد وقائية
كبيرة". وقال القضاة في القرار الذي جاء في 45 صفحة إن "العواقب العملياتية
والميزات ستطبق بالتساوي على أي منظمة يمكن أن يتم تصنيفها"، لذلك لا يمكن
حظر منظمة واحدة على وجه الخصوص. وبناء عليه، خلصت المحكمة إلى أن قرار تصنيف
فلسطين آكشن لا يتوافق مع سياسة وزارة الداخلية ذاتها.
ورغم
إشارة المحكمة إلى ضرورة منح الحكومة هامشا سياسيا وعملياتيا لممارسة مسؤولياتها في
تأمين سلامة السكان، فإنها عبرت عن قناعتها بأن قرار تصنيف فلسطين آكشن "لم
يكن متناسبا"، وقالت إن المنظمة "تروج لأهدافها السياسية من خلال
الأعمال الجرمية وتشجيع الأعمال الجرمية. عدد محدود للغاية من أفعالها يرتقي للعمل
الإرهابي. ولهذه الأفعال، وبغض النظر عن التصنيف، القانون الجنائي موجود لمحاكمة
الذي يثيرون القلق".
ويشير قرار
المحكمة إلى أن تصنيف المنظمة يمثل تدخلا غير متناسب في حرية التظاهر، بينما يرتب
التصنيف كمنظمة إرهابية عواقب "كبيرة جدا"، و"عقوبات ثقيلة".
من جهتها،
أشارت صحيفة الغارديان في افتتاحية لها إلى أنها هذه المرة الأولى تنجح فيها منظمة
في تحدي تصنيفها.
وقالت
الصحيفة إن تصنيف فلسطين آكشن يستتبع عقوبة بالسجن لـ14 سنة لداعميها، رغم أن
المنظمة "تهدف إلى عرقلة المصانع البريطانية التي تقول (المنظمة) إنها تزود وتدعم
الجيش الإسرائيلي. إنها تلفت الانتباه إلى تصاعد أعداد الضحايا المدنيين في غزة، وكذلك
إلى دور المملكة المتحدة في ما يُعد إبادة جماعية جارية على يد أحد حلفائها".
ولفتت
الصحيفة إلى أنه في قضية مشابهة، عندما اقتحم خمسة محتجين قاعدة جوية بريطانية لعرقلة
قصف بغداد عام 2003، لم توجه لهؤلاء الأشخاص تهمة الإرهاب، بل التسبب بالضرر
الجنائي، وحينها تلقى بعضهم أحكاما مخففة وآخرون تمت تبرئتهم، وهي القضية التي كان
فيها رئيس الوزراء الحالي كير ستارمر أحد محامي الدفاع عن المتهمين.
وتضيف
الصحيفة أن ستارمر اتخذ موقفا مختلفا بعد اقتحام نشطاء مؤيدين لفلسطين آكشن قاعدة
برايز نورتون العام الماضي، وصبغوا طائرتين الدهان الأحمر، فهو "يعرف أن هيئة
المحلفين قد تقف إلى جانب محتجي الضمير، خصوصا في قضية مثل غزة"، فأعلن تصنيف
المنظمة مباشرة.
وكانت عدة
جهات قد عارضت تصنيف فلسطين آكشن، بينها مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان،
والمخابرات الداخلية (MI5). وقالت
المفوضية حينها إن قرار وزيرة الداخلية السابقة إيفيت كوبر "غير متناسب"
و"غير ضروري". كما عبّر المركز المشترك لتحليل الإرهاب، التابع لـ"MI5"، عن تقديره بأن تصنيف المنظمة لا يتوافق
مع شروط الإرهاب.