أزمة البطالة في غزة تُجبر الناس على الكفاح لتوفير الاحتياجات الأساسية

المنظمات الإنسانية كثفت جهودها في توزيع المساعدات - جيتي
تفاقمت أزمة البطالة في قطاع غزة إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل انكماش اقتصادي حاد ودمار واسع طال البنية التحتية ومصادر الرزق، ما أجبر مئات الآلاف من السكان على الكفاح يوميا لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

ونشرت صحيفة "الغارديان" تقريرا للصحفيين جيسون بيرك وسهام طنتش قالا فيه إن الفاكهة الطازجة وغيرها من السلع متوفرة الآن في غزة ولكن بأسعار باهظة في بلد تقدر فيه نسبة البطالة بـ 80 بالمئة.

وذكر التقرير أن كل صباح، ينطلق منصور محمد بكر من غرفته الصغيرة المستأجرة في مدينة غزة، حيث يعيش مع زوجته الحامل وابنتيه الصغيرتين، يمر الشاب البالغ من العمر 23 عاما بالميناء وأمواج البحر الأبيض المتوسط المتلاطمة، حيث كان يكسب رزقه.

وأضاف أن قبل الحرب التي دامت عامين والتي دمرت غزة، كان بكر صيادا، يتقاسم معدات الصيد وقاربا مع والده وإخوته. الآن، توفي إخوته، وكبر والده في السن، ودُمرت معداته خلال الحرب. ومثل مئات الآلاف غيره في غزة، يحتاج بكر إلى عمل.

وقال: "المال هو الوسيلة الأساسية للبقاء على قيد الحياة في غزة... بدونه، لا يستطيع الإنسان فعل أي شيء، المساعدات المحدودة التي تصلنا لا تُغني عن حاجتنا للمال بأي شكل من الأشكال، ولا تُغطي حتى أبسط متطلبات الحياة".

وأشار التقرير أن المنظمات الإنسانية كثفت جهودها في توزيع المساعدات منذ تشرين الأول/ أكتوبر، حين دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ما دفع إسرائيل إلى رفع بعض القيود المشددة التي فرضتها على المساعدات وتسهيل وصولها إلى غزة.

وتابع أنه في كانون الثاني/ يناير، وصلت وكالات الأمم المتحدة وشركاؤها إلى نحو 1.6 مليون شخص، وقدّمت لهم مساعدات غذائية عامة على مستوى الأسر. وتُقدّم منظمة "وورلد سنترال كيتشن"، وهي منظمة غير حكومية، مليون وجبة ساخنة يوميا. إلا أن هذه المساعدات لا تزال غير كافية بشكل كبير، ولا تُغطي سوى الاحتياجات الأساسية. أما بالنسبة لبقية الاحتياجات، التي يُوفّرها القطاع الخاص، فيحتاج الفلسطينيون في غزة إلى المال.

وقال عمال الإغاثة في غزة إن كميات أكبر من الفاكهة والخضراوات الطازجة واللحوم والملابس والأدوات المنزلية متوفرة الآن، ولكن بأسعار باهظة. وتقول كيت تشارلتون، المنسقة الطبية لمنظمة أطباء بلا حدود في مدينة غزة: "هناك زيادة هائلة في الإمدادات التجارية... لكنها جميعا باهظة الثمن."

ونقل التقرير عن تاجر سابق يدعي يبلغ من العمر 55 عاما، ويعيش مع عائلته في المواصي، وهي منطقة ساحلية مكتظة بمخيمات الخيام للنازحين، إنهم لا يتلقون سوى وجبة واحدة يوميا من منظمات الإغاثة.

قال: "إما أرز أو عدس أو فول، ومرة أو مرتين في الأسبوع، بعض اللحم. الحياة تتطلب المال. نستطيع توفير ما يكفي من الطعام... لكن المواصلات، وحلاقة الشعر، وشحن الهواتف، وشراء الخضراوات والفواكه، كلها أمور تتطلب المال".

أضاف حاول الفار افتتاح مشاريع لبيع الفلافل والحلويات، لكن دون جدوى، وتراكمت عليه ديون كبيرة. يُصعّب عليه تقدمه في السن إيجاد عمل.

قال: "صحتي جيدة، وأنا مستعد لفعل أي شيء، لكن أصحاب العمل يبحثون عن عمال أصغر سنا. أبحث منذ شهور طويلة... أتجول في السوق بحثا عن عمل، لكن دون جدوى".

وأضاف تكمن المشكلة بالنسبة للفار وبكر، كما هو الحال بالنسبة لجميع الباحثين عن عمل في غزة، في ندرة فرص العمل. يُقدّر معدل البطالة الرسمي، وفقا لتقديرات الأمم المتحدة، بنسبة 80 بالمئة، وانكمش الاقتصاد إلى 13بالمئة من حجمه السابق.

وتابع التقرير أنه في تشرين الثاني/ نوفمبر، صرّح بيدرو مانويل مورينو، نائب الأمين العام لمنظمة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة، بأن الحرب "قضت على عقود من التقدم". وأضاف: "تشهد غزة أسرع وأشد انهيار اقتصادي مُسجّل على الإطلاق".

وتظهر بيانات وكالة الأمم المتحدة أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في غزة انخفض عام 2024 إلى 161 دولارا أمريكيا (118 جنيها إسترلينيا) فقط سنويا، وهو من أدنى المعدلات في العالم. وقد أدى الهجوم الإسرائيلي إلى تدمير أنظمة الصرف الصحي والنقل والطاقة والرعاية الصحية، وتدمير الحقول والبيوت الزجاجية، وإلحاق دمار هائل بقطاع صيد الأسماك في غزة، الذي كان يوظف الآلاف.

وقال بكر: "أحلم بالعودة إلى البحر ومهنة الصيد، وأن أتمكن يوما ما من شراء قارب صيد مثل الذي كنت أملكه، لأتمكن من توفير الطعام والشراب والملابس والدواء لعائلتي".

كان من المفترض أن يؤدي اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر إلى إعادة الإعمار بسرعة، لكن التقدم توقف إلى حد كبير، وقد أحرزت بعض بنود الاتفاق تقدما، بما في ذلك عودة جميع الرهائن وإعادة فتح معبر رفح الحدودي بشكل محدود. كما تتبلور خطط لإنشاء قوة استقرار دولية، حيث أعلنت إندونيسيا أنها تُجهز آلاف الجنود للقيام بأدوار إنسانية وإعادة إعمار.

وأردف التقرير أن حماس، التي تسيطر على معظم المنطقة الساحلية حيث يعيش الآن جميع سكان غزة البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة تقريبا، مترددة في نزع سلاحها بالكامل، ويبدو أن إسرائيل غير مستعدة للتخلي عن سيطرتها على أكثر من نصف القطاع.

وقد منع الاحتلال الإسرائيلى الإدارة التكنوقراطية الجديدة التي كان من المقرر أن تحكم غزة بموجب "خطة السلام" التي طرحها دونالد ترامب من الدخول، بينما لا تزال المعابر الرئيسية مغلقة أو تخضع لقيود.

وحتى لو تمكن بكر من إيجاد قارب جديد وتجهيزه، فإن القيود التي تفرضها إسرائيل في البحر ستمنعه من ممارسة مهنته.

وقال: "لقد ورثنا مهنة صيد الأسماك في بحر غزة عن أجدادنا. تركت المدرسة مبكرا، ولم أعمل في أي شيء آخر طوال حياتي. أبحث عن عمل... في كل مكان أستطيع".

حتى الحاصلون على مؤهلات متقدمة يكافحون وسط الأنقاض والركام. تخرجت بيسان محمد بشهادة في علوم المختبرات الطبية قبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب في غزة إثر غارة شنتها حماس على إسرائيل، أسفرت عن مقتل 1200 شخص، معظمهم من المدنيين، واحتجاز 250 آخرين كرهائن لدى التنظيم الإسلامي المتشدد.

قُتل زوجها، وهو حارس أمن، في الأيام الأولى للحرب، تاركا إياها وحيدة تُعيل ابنتها. تعيش الآن في خيمة مع والديها في النصيرات، وسط قطاع غزة.

وقالت بيسان، البالغة من العمر 23 عاما: "بدأت البحث عن أي وظيفة متاحة، لكن دون جدوى... كل شيء يحتاج إلى مال؛ حتى الماء والطعام والفراش كلها تتطلب نقودا. أحيانا أشعر أن حتى التنفس يحتاج إلى مال".

استمر العنف منذ وقف إطلاق النار، وشنت إسرائيل هجمات على غزة في كانون الثاني/ يناير أكثر من أي شهر منذ تشرين الأول/ أكتوبر، وفقا لمنظمة "أكليد"، وهي منظمة أمريكية مستقلة لمراقبة النزاعات. وتقول السلطات الصحية في غزة إن 586 فلسطينيا قُتلوا منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، ليرتفع إجمالي عدد قتلى الحرب إلى أكثر من 72 ألفا، معظمهم من المدنيين.

قالت بيسان: "ما يُسمى بـ"وقف إطلاق النار" لم يُغير واقعنا، بل زاد الأمر سوءا. توقفت وسائل الإعلام عن الحديث عن القتل المستمر... بينما يستمر القصف... والأسعار في ارتفاع مستمر، وحتى الضروريات الأساسية، إن وُجدت، كالماء والغذاء، بالكاد تكفي".

وأضافت: "لا أفكر في المستقبل، ولا أحاول حتى؛ فالتفكير فيه مُرهِق ومُخيف، والمستقبل غامض. لا أعرف ماذا سيحدث لي أو لابنتي إذا استمر هذا الوضع بلا عمل أو دخل."