مساع عربية وتركية لوقف التصعيد.. والاحتلال يحث ترامب على مهاجمة إيران

حدود إيران وتركيا.. استنفار أمني ودوريات غير مسبوقة - الحساب الرسمي لعباس عراقجي
رأى الكاتب الإسرائيلي تسفي برئيل في مقال نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية٬ الثلاثاء، أن التوترات المتصاعدة في إيران لم تعد مجرد أزمة داخلية أو مواجهة ثنائية مع الولايات المتحدة، بل تحولت إلى ساحة صراع على النفوذ بين إسرائيل ودول المنطقة، في ظل تحركات تركية-عربية مكثفة لاحتواء خطر الحرب، مقابل ما وصفه بتشجيع إسرائيلي للتصعيد عبر العلاقة الوثيقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وصف برئيل المنطقة الحدودية بين إيران وتركيا بأنها من أكثر المناطق الحدودية خضوعا للدوريات في العالم، مشيرا إلى أن الدوريات العسكرية التركية تعبرها بشكل اعتيادي، فيما تراقب الطائرات المسيّرة التركية تحركات الزوار والتجار على جانبي الحدود.

وأضاف أن الحدود شهدت خلال السنوات الماضية إقامة أسوار من الأسلاك الشائكة ونقاط تفتيش في أجزاء واسعة منها، إلى جانب انتشار مواقع عسكرية تركية على طول الخط الحدودي.

وبحسب الكاتب، فإن اندلاع الاحتجاجات الكبرى في إيران منذ كانون الأول/ديسمبر الماضي، ولا سيما بعد إعلان ترامب عزمه دعم المتظاهرين، دفع تركيا إلى توسيع دورياتها بشكل كبير وتعزيز دفاعاتها، بل وإعلانها أنها قد تقيم منطقة منزوعة السلاح داخل الأراضي الإيرانية في حال سقوط النظام.

اللاجئون والطاقة وجبهة كردية محتملة

اعتبر الكاتب أن الهاجس الأكبر لتركيا يتمثل في احتمال حدوث موجة نزوح جماعي كبيرة من إيران إلى أراضيها، مذكرا بما حدث خلال الحرب الأهلية في سوريا حين لجأ أكثر من أربعة ملايين لاجئ إلى تركيا، ولا يزال معظمهم هناك رغم ما وصفه بـ"الاستقرار النسبي" الذي يشهده نظام أحمد الشرع.

وأشار برئيل إلى أن إيران تعد موردا رئيسيا للغاز إلى تركيا، موضحا أن الاتفاقية الموقعة بين البلدين عام 2001 — والمقرر تجديدها في تموز/يوليو٬ تتيح لأنقرة شراء ما يصل إلى 9.6 مليارات متر مكعب من الغاز سنويا.

كما لفت إلى أن النفط الإيراني يصل بدوره إلى تركيا، وأن أنقرة، رغم العقوبات الأمريكية التي قال إنها لا تطبقها بالكامل، اشترت من إيران سلعا بقيمة خمسة مليارات دولار خلال العام الماضي.

وحذر الكاتب من أن اندلاع حرب في إيران قد يؤدي إلى تعطيل مرور الغاز والنفط والسلع، ما قد يفتح الباب أمام تدفق اللاجئين، ويفجر في الوقت نفسه جبهة تركية-كردية جديدة على الحدود الإيرانية، وهو ما وصفه بأنه "آخر ما يحتاجه أردوغان"، مضيفا أنه "لا يلتزم الصمت".

أردوغان يتحرك إقليميا

لفت برئيل إلى أن إيران فضلت عقد محادثاتها مع الولايات المتحدة في مسقط عاصمة سلطنة عمان، بدلا من إسطنبول، في خطوة قال إن أردوغان وغيره من القادة الإقليميين لا يعرفون خلفياتها، كما أنهم لا يعلمون قرار ترامب النهائي.

لكن الكاتب رأى أن الرئيس التركي يبدو أكثر من أي زعيم آخر في المنطقة، يقود جهود التنسيق الإقليمي لوقف الحرب، مستعرضا سلسلة لقاءات أجراها في أيام متتالية.

وأوضح أن أردوغان التقى الثلاثاء الماضي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في السعودية، ثم وصل في اليوم التالي إلى القاهرة، قبل أن يستضيف السبت ملك الأردن عبد الله الثاني في إسطنبول.

قال الكاتب إن هذه اللقاءات بدت ظاهريا كاجتماعات عمل وقع خلالها أردوغان اتفاقيات تجارية واستثمارية واسعة النطاق، غير أن جوهرها كان مرتبطا أيضا بخطر الحرب مع إيران.

ففي السعودية، أشار برئيل إلى أن أردوغان تفاوض على بيع ما بين 100 و200 طائرة تركية شبحية من طراز "كان" قيد التطوير، مع احتمال الإنتاج المشترك، إلى جانب التعاون في التكنولوجيا العسكرية، خصوصا في كيفية تعامل البلدين مع خطر الحرب.

أما في مصر، التي قال إنها أصبحت خلال عامين أكبر شريك تجاري لتركيا في أفريقيا، فأوضح أن أنقرة تتجه إلى استثمار نحو 15 مليار دولار، وإنشاء مصانع توفر فرص عمل لعشرات الآلاف من المصريين، وتطوير تعاون استراتيجي وسياسي، وربما عسكري لاحقا.

ولفت إلى أن مشاركة وزراء الدفاع والخارجية والاقتصاد الأتراك ضمن وفد ضم أكثر من 200 رجل أعمال تركي لم تكن مصادفة، بل مؤشرا على حجم الرهان التركي.

تركيا تعود لاعبا إقليميا

رأى الكاتب أن تركيا أصبحت حاضرة بقوة في معظم أنحاء الشرق الأوسط، في الوقت الذي تحاول فيه إسرائيل — بحسب تعبيره — منع القوات التركية من دخول غزة.

وأشار إلى أن هذه العودة التركية تأتي رغم أن أنقرة كانت قبل ثلاث سنوات فقط تعد خصما لمعظم دول المنطقة.

وذكر بأن تركيا هددت بقطع العلاقات مع الإمارات بسبب توقيعها اتفاقيات إبراهيم، كما توترت علاقتها مع مصر منذ عام 2013 عقب الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، في حين كانت السعودية — وفق الكاتب — تحمل استياء عميقا تجاه تركيا بسبب مساعداتها الكبيرة لقطر خلال الفترة بين 2012 و2017 عندما كانت الأخيرة تخضع لحصار اقتصادي فرضته الرياض.

أكد برئيل أن ما يسميه المحور التركي-العربي لا يمثل تحالفا استراتيجيا شاملا على غرار الناتو أو الاتحاد الأوروبي، إذ إن لكل دولة مصالحها الخاصة ولا تنتمي إلى كتلة متماسكة قادرة على صياغة استراتيجية موحدة في جميع المجالات، بل ولا ترغب في ذلك.

غير أنه شدد على أن هذه الدول تجمعها مصلحة مشتركة ملحة: وقف الحرب في إيران عبر تشكيل ما وصفه بـ"كتلة نفوذ مانعة" ضد ما تعتبره هذه الدول نفوذا إسرائيليا خطيرا عليها وعلى المنطقة بأكملها.

في المقابل، اعتبر الكاتب أن إسرائيل تشجع الحرب على إيران عبر علاقتها الوثيقة مع ترامب.
وأوضح أن الجهد الأساسي لهذه الدول يتمثل في عرض مجموعة واسعة من التهديدات على ترامب، بهدف دفعه إلى الموازنة بين القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، وبين العواقب الإقليمية والعالمية للحرب.

وأضاف أن هذه العواقب — بحسب وجهة نظر هذه الدول — تغيب عن الصورة التي تقدمها إسرائيل للرئيس الأمريكي، إذ تركز على التهديد الإيراني لإسرائيل، وتخفي المخاطر التي قد تضر بالمصالح الأمريكية.