الكشف عن نشر طائرات مسيّرة على حدود مصر وانخراط في الحرب بالسودان

تشترك مصر في نهر النيل وفي حدود تمتد لأكثر من 1200 كيلومتر مع السودان- الأناضول
كشف مسؤولون وخبراء إقليميون، الثلاثاء، عن نشر طائرات مسيّرة على حدود مصر الجنوبية الغربية، وزيادة انخراط القاهرة في الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ منتصف نيسان/ أبريل 2023.

ونقلت "رويترز" عن أكثر من عشرة مسؤولين وخبراء إقليميين، أن "نشر نموذج قوي من مسيرات قتالية تركية في مدرج جوي على حدود مصر الجنوبية الغربية يشير إلى تصعيد حاد في الحرب الأهلية في السودان، ما يوحي بزيادة انخراط القاهرة في الصراع".

وتشترك مصر في نهر النيل وفي حدود تمتد لأكثر من 1200 كيلومتر مع السودان، وتقدم دعما سياسيا قويا لجيشيه في صراعه المستمر منذ ما يقرب من ثلاث سنوات مع قوات الدعم السريع.

ورغم أن مسؤولين أمنيين مصريين أقرّوا سرا بتقديم دعم لوجستي وتقني للجيش السوداني، فإن القاهرة كانت حتى العام الماضي تتجنب التدخل المباشر في القتال الذي خلّف عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين وتسبب في مجاعة في السودان.

ووفق "رويترز"، قال ثمانية محللين إقليميين وثلاثة دبلوماسيين أطلعهم مسؤولون مصريون على الموقف إن "القاهرة بدأت في تغيير موقفها تجاه الصراع عندما حققت قوات الدعم السريع سلسلة من التقدم في منطقة دارفور بغرب السودان، حيث استولت أولا على مثلث استراتيجي في الشمال الغربي بين مصر وليبيا في حزيران/ يونيو، ثم اجتاحت مدينة الفاشر، آخر معقل للجيش السوداني في دارفور، في تشرين الأول/ أكتوبر".

وكانت الرئاسة المصرية قد حذرت في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، من أن الأمن القومي للبلاد يرتبط ارتباطا مباشرا بأمن السودان، وأن القاهرة لن تسمح بتجاوز "الخطوط الحمراء"، مضيفة أن "هذه الخطوط تشمل الحفاظ على وحدة أراضي السودان ورفض أي كيانات موازية تهدد وحداته".



وقال مسؤولان أمنيان مصريان لرويترز إنه "جرى تزويد مطارين في الجنوب بعتاد عسكري على مدى الأشهر الثمانية الماضية تقريبا لتأمين الحدود وتنفيذ ضربات عسكرية لحماية الأمن القومي". وأحجم المسؤولان، اللذان رفضا الكشف عن هويتهما، عن تقديم أي تفاصيل أخرى.

وأظهرت صور أقمار صناعية من فانتور، وهي شركة أمريكية متخصصة في تكنولوجيا الفضاء، طائرة مسيرة كبيرة على مدرج أحد المطارات في شرق العوينات في 29 أيلول/ سبتمبر و28 كانون الأول/ ديسمبر والتاسع من كانون الثاني/ يناير.

وقال خبيران عسكريان اطلعا على الصور لرويترز إن "الطائرة من طراز بيرقدار أكينجي بناء على تصميم هيكلها وأجنحتها". ونشرت صحيفة "نيويورك تايمز" كذلك صورا لطائرات مسيرة من طراز أكينجي في مطار شرق العوينات، والتي أفادت بأنها تستخدم في شن غارات في السودان.

وأكينجي واحدة من أكثر الطائرات المسيرة تقدما لدى شركة الدفاع التركية (بايكار)، إذ تتمتع بقدرة على التحليق على ارتفاعات عالية والبقاء في الجو 24 ساعة وحمل مجموعة كبيرة من الذخائر.

ولم ترد وزارة الخارجية في مصر ولا الهيئة العامة للاستعلامات على الأسئلة المتعلقة بالعمليات في شرق العوينات أو في السودان. ولم يرد أيضا الجيش السوداني على طلبات للتعليق.

ويقع مطار شرق العوينات في منطقة زراعية نائية، على بعد حوالي 60 كيلومترا من الحدود السودانية، وكان يستخدم في المقام الأول لدعم مشروع استصلاح الصحراء قبل الحرب.

ومصر جزء مما يسمى دول "الرباعي"، التي تضم أيضا السعودية والإمارات والولايات المتحدة وتعد الأكثر نفوذا في الصراع. وتحاول هذه الدول التوسط لوقف إطلاق النار غير أن جهودها لم تكلل بالنجاح بعد.

ونقلت "رويترز" عن المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بشركة "جينز" المتخصصة في أخبار المخابرات الدفاعية جيريمي بيني، أن "صور شركة فانتور لم تظهر سوى طائرة أكينجي واحة في لقطات شملت أكثر من يوم، لكن صورة التقطتها شركة الأقمار الصناعية الأمريكية بلانيت لابس في 28 كانون الأول/ ديسمبر أظهرت بشكل شبه مؤكد طائرتين خارج أحد الحظائر".

وأضاف أنه "أمكن رؤية طائرات أكينجي أيضا خارج عدة حظائر، مما يشير إلى استخدام أكثر من حظيرة لتخزين طائرات مسيرة عندما لا تكون في الجو".

وقال ويم زوينينبورج خبير التكنولوجيا العسكرية في منظمة باكس العاملة في مجال السلام في هولندا إن "وجود معدات دعم ومواد تحميل حول الطائرات وظهورها في مواقع مختلفة يشير إلى أنها قيد الاستخدام".

وتظهر الصور التي راجعتها رويترز أيضا أعمال تجديد جارية في المطار بين أوائل تموز/ يوليو ونهاية كانون الثاني/ يناير. وجرى إعادة رصف المدرج وربما توسيعه قليلا، وأضيفت كذلك عدة طرق أصغر. وكانت هناك أيضا علامات على أعمال حفر وبناء، مع إضافة ما لا يقل عن هيكلين صغيرين.

من جهته، قال جاستن لينش، المدير الإداري لشركة "كونفليكت إنسايتس جروب" لتحليل البيانات، التي تتابع عن كثب الحرب في السودان، إن نشر الطائرات المسيرة في شرق العوينات "مؤشر على سياسة مصر في الآونة الأخيرة المتمثلة في زيادة تدخلها في السودان".

ويبعد المطار أقل من 400 كيلومتر من المثلث الحدودي بين مصر والسودان وليبيا، وهي منطقة حساسة استراتيجيا على مشارف مصر، والتي يمكن من خلالها تلقي قوات الدعم السريع للإمدادات من جنوب شرق ليبيا المتجهة إلى دارفور.

وأثبتت الإمدادات التي جرى إرسالها عبر ذلك الممر أنها كانت عاملا حاسما في سقوط الفاشر، وهي العملية التي وُجهت خلالها اتهامات لقوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق، شملت إطلاق النار على مئات المدنيين واحتجاز السكان رهائن مقابل فدى.

وقال جلال حرشاوي، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في بريطانيا، إن سقوط المدينة مثل نقطة تحول في موقف مصر الذي كان يشوبه "الغموض" تجاه الصراع.

وتابع حرشاوي: "لا يحمل الجيش المصري أي ود لقوات الدعم السريع. ورغم ذلك، تعتمد مصر على الإمارات، الداعم الرئيسي لهذه القوات، للحصول على مساعدات مالية. عندما سقطت الفاشر أخيرا.. تحول ميزان القاهرة نحو اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد قوات الدعم السريع".

وقال محللون ودبلوماسيون لرويترز إن "مصر ربما تشجعت أيضا بسبب تحركات السعودية للحد من نفوذ الإمارات في اليمن، وهو تنافس امتد منذ ذلك الحين إلى منطقة القرن الأفريقي".

وذكر مسؤول إماراتي أن أبوظبي تتعاون مع شركاء بالمنطقة، من بينهم مصر والسعودية، لضمان التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في السودان، وأنها "تفضل في قراراتها ضبط النفس على التصعيد". ولم ترد السعودية على طلب للتعليق.