المحافظون الشباب و"إسرائيل".. فجوة جيلية تهدد الإجماع الجمهوري التاريخي

الحرب على غزة… الشرارة التي فجرت الصمت داخل القاعدة الترامبية - الأناضول
تكشف تطورات متسارعة داخل اليمين الأمريكي، ولا سيما في أوساط أنصار الرئيس دونالد ترامب، عن تحول عميق في الموقف من الاحتلال الإسرائيلي، تحول لم يعد محصورا باليسار التقدمي أو الحركات الطلابية، بل بات يتغلغل في قلب القاعدة الجمهورية نفسها، وصولا إلى أبرز رموزها الإعلامية والسياسية.

ووفق الصحفي تسيبي شميلوفيتش٬ في صحيفة "يديعوت أحرونوت"٬ فقد يضرب التوأمان المتطابقان كيفن وكيث هودج مثالا صارخا على التحول الذي صنعه اليمين الشعبوي في عهد ترامب. فقد بدآ مسيرتهما كمقدمي محتوى للياقة البدنية على يوتيوب، قبل أن يكتشفا بعد فوز ترامب في انتخابات 2016 أن الخطاب السياسي الشعبوي أكثر ربحا وتأثيرا. 

ومع الوقت، تحولا إلى مؤثرين سياسيين بارزين تحت اسم “Hodge Twins”، يقدمون عروضا كوميدية ومحاضرات تقوم على معاداة الليبرالية والنسوية، ورفض حقوق المتحولين جنسيا، ومهاجمة ما يعرف بثقافة “الصحوة”.

ويتابع الأخوين أكثر من 3.4 ملايين شخص على منصة إكس، حيث تتصدر صورة ترامب وهو يلوح بيده بعد محاولة اغتياله عام 2024 غلاف حسابهما.

غير أن اللافت تمثل في تغريدة نشراها يوم أحد، أرفقاها بمقطع فيديو يجمع ترامب برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وكتبا فيها: “لماذا يزور هذا المجرم بلادنا كل أسبوعين؟” وخلال 36 ساعة فقط، حصدت التغريدة 63 ألف إعجاب وأكثر من مليون مشاهدة.

تصدع داخل «الترامبية» حول الاحتلال

حتى منتصف عام 2025، كان من شبه المستحيل أن يصدر مثل هذا الموقف من شخصيات محسوبة على اليمين المؤيد لترامب. غير أن هذه الواقعة الصغيرة تعكس تحولا أكبر: فالحركة التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض مرتين تواجه اليوم صراعات داخلية حادة حول قضايا متعددة، من الهجرة والرسوم الجمركية، إلى ملفات المؤامرات مثل جيفري إبستين، لكن قضية إسرائيل باتت في صدارة الانقسام.

وبحسب شميلوفيتش، فإن تل أبيب ركزت في العامين الماضيين على تصاعد معاداة السامية من اليسار، خصوصا في الجامعات، متجاهلة أن الخطر الحقيقي بات يأتي من اليمين، الذي يملك اليوم السلطة والنفوذ السياسي الفعلي.

منكر للمحرقة أم مجرد مناظر؟

استطلاع حديث أجراه معهد مانهاتن بين ناخبين جمهوريين أظهر أن كبار السن ما زالوا من أشد المؤيدين لإسرائيل، في حين أن الشباب المحافظين لا يكتفون بمعاداة إسرائيل، بل يتبنون مواقف معادية للسامية بشكل علني وصادم.

وفي حلقة نقاش ضمت 20 شابا محافظا من جيل الألفية:

وصف أحدهم أدولف هتلر بأنه “قائد عظيم”

قال آخر إن الولايات المتحدة بحاجة إلى “قائد قومي مثل هتلر”

برر ثالث جرائم هتلر قائلا: “أتفهم دوافعه”

وصف مشارك اليهود بأنهم “قوة شريرة”

وادعى آخر أن إسرائيل “متورطة في الاتجار الجنسي بالبشر”

من التحالف التاريخي إلى الانقلاب التدريجي

رغم رسوخ صورة الدعم الجمهوري لإسرائيل خلال العقود الأربعة الماضية، يذكر شميلوفيتش بأن هذا لم يكن الحال دائما. فقد كان الرئيس الديمقراطي هاري ترومان أول من اعترف بإسرائيل عام 1948، بينما نظر المحافظون الأمريكيون إليها بعين الريبة بسبب جذورها الاشتراكية.

وفي عام 1956، وصفت مجلة “ناشونال ريفيو” المحافظة إسرائيل بأنها “أول دولة عنصرية في التاريخ الحديث”، فيما كان الرئيس ريتشارد نيكسون معروفا بعدائه للسامية رغم دعمه لإسرائيل.

شكلت حرب 1967 نقطة التحول، وتعزز التحالف أكثر خلال عهد رونالد ريغان، ليبلغ ذروته بعد هجمات 11 سبتمبر، مع صعود التحالف الإنجيلي–الجمهوري.

ترامب ورفع الغطاء عن التطرف

بحسب شميلوفيتش، لم يغير ترامب قاعدة الحزب الجمهوري فحسب، بل حررها. فمع صعود خطاب “لنجعل أمريكا عظيمة مجددا”، حصلت التيارات المتطرفة، بما فيها معاداة السامية، على غطاء سياسي علني.

ويستشهد الكاتب بتصريحات ترامب عام 2017 عن وجود “أناس طيبين من الجانبين” في أحداث شارلوتسفيل، كإشارة مفصلية لتطبيع الخطاب المتطرف.

اليوم، لم يعد شخص مثل نيك فوينتيس – منكر المحرقة والمعجب بهتلر – منبوذا، بل بات أقرب إلى التيار السائد، بعد أن دعي للعشاء مع ترامب في مارالاغو، واستضيف في برامج مؤثرة، من بينها بودكاست تاكر كارلسون.

الحرب على غزة.. الشرارة الأخيرة

أعطت الحرب في غزة هذه التيارات دفعة إضافية للظهور العلني. فوفقا لمركز بيو للأبحاث، يحصل 43% من الأمريكيين دون الثلاثين على أخبارهم من وسائل التواصل الاجتماعي، التي امتلأت بمشاهد المجاعة والدمار في غزة.

وهنا، لم تقتصر ردود الفعل الغاضبة على اليسار، بل امتدت إلى اليمين الشعبوي.

مارجوري غرين.. بداية الانشقاق العلني

كانت النائبة الجمهورية مارجوري تايلور غرين أول من كسر الإجماع الترامبي حول إسرائيل، عندما وصفت ما يجري في غزة بـ“الإبادة الجماعية”، مؤكدة أن السابع من تشرين الأول/ أكتوبر “مروع”، لكن المجاعة والتطهير العرقي في غزة لا يقلان فظاعة.

وبعد حملة شرسة ضدها، أعلنت غرين أن عودتها المقبلة إلى الكونغرس ستكون الأخيرة.

اغتيال تشارلي كيرك و«صندوق باندورا»

شكل اغتيال تشارلي كيرك، مؤسس منظمة "TPUSA"، نقطة تحول خطيرة. فقد فجر مقتله موجة هائلة من نظريات المؤامرة، كانت إسرائيل في قلبها، تقودها المؤثرة كانديس أوينز، التي اتهمت أجهزة استخبارات إسرائيلية وغربية باغتياله لمنعه من تغيير موقفه من إسرائيل.

بلغ الانفجار ذروته خلال مؤتمر "TPUSA" الأخير في أريزونا، عندما شن بن شابيرو هجوما علنيا على تاكر كارلسون وستيف بانون وميغان كيلي، محذرا من أن الحركة المحافظة باتت رهينة لنظريات المؤامرة.

لكن الهجوم قوبل بردود عنيفة، وسط صمت أو تواطؤ من شخصيات محورية، أبرزها نائب الرئيس جيه.
دي. فانس، الذي رفض إدانة فوينتيس أو كارلسون، واعتبر الأمر “اختبارات نقاء غير ضرورية”.

في ختام تحليله، يرى شميلوفيتش أن ترامب نفسه غير معني بكل هذا الصراع. فالرئيس لا تحكمه مبادئ أو ثوابت، بل تحالف مصالح متناقضة، أساسه الولاء الشخصي له.