نشرت صحيفة "
إزفيستيا" الروسية تقريرًا سلطت خلاله الضوء على تصاعد التوتر بين
الصين والولايات المتحدة حول تايوان، وتأثيره العسكري والسياسي والاقتصادي على المنطقة والعالم.
وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "
عربي21"، إنه بعد موافقة الولايات المتحدة على حزمة تسليح قياسية لتايوان، شرعت الصين في إجراء مناورات عسكرية واسعة النطاق حول الجزيرة تهدف من خلالها الى توجيه رسالة واضحة مفادها أن استمرار الضغوط قد يؤدي إلى فرض حصار على الجزيرة.
مناورات واسعة النطاق
وصرح العقيد شي يي، المتحدث باسم قيادة المسرح العملياتي الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني أن هذه المناورات تشكل تحذيرًا جادًّا لقوى الانفصال المؤيدة لاستقلال تايوان والقوى الخارجية المتدخلة. وأوضح أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية السيادة الوطنية والحفاظ على الوحدة الوطنية للصين.
وأفادت الصحيفة أن المناورات تحمل اسم "المهمة العادلة – 2025"، وستُجرى في خمس مناطق بحرية حول تايوان، بالإضافة إلى المجال الجوي. وستشارك فيها القوات البرية والبحرية والصاروخية للصين، إلى جانب استخدام المقاتلات والقاذفات والطائرات المسيرة.
واستنادًا الى تطور الأحداث، يقول مدير معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية بجامعة موسكو، أليكسي ماسلوف إن المناورات لا تهدف إلى شن ضربات مباشرة على تايوان، بل إلى محاكاة فرض حصار على الجزيرة. وتشمل التدريبات تقريباً جميع المحاور المحيطة بتايوان.
وأوضح ماسلوف: "تعمل وحدات الجيش الشعبي الصيني على محاكاة حصار ميناء كاوهسيونغ، أكبر موانئ تايوان، والذي يستخدم أيضاً من قبل القوات البحرية. وقد أُجريت تدريبات لمكافحة الغواصات، كما تم نشر مجموعات ضاربة من القاذفات لمحاكاة ضربات دقيقة عالية الدقة، ما يعكس جاهزية الصين التامة لفرض حصار على تايوان".
وفي تايبيه، تتابع السلطات عن كثب المناورات العسكرية الصينية. في هذا الصدد، قالت كارين كوو، المتحدثة باسم رئيسة تايوان: "ندين بشدة تجاهل السلطات الصينية للقوانين الدولية، واستخدام الضغوط العسكرية لتهديد الدول المجاورة".
وفي الوقت نفسه، أشار وزير الدفاع التايواني إلى أن طائرتين حربيتين و11سفينة صينية تم رصدها حول الجزيرة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، ما دفع القوات التايوانية إلى رفع حالة التأهب القصوى تحسباً لأي هجوم مفاجئ يهدد أمن الجزيرة.
الرد الصيني على التصعيد الأمريكي
وبحسب الصحيفة تأتي هذه المناورات في وقت تتصاعد فيه التوترات بين الصين والولايات المتحدة، على خلفية قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالموافقة على بيع حزمة أسلحة لتايوان بقيمة 11.1 مليار دولار.
وبالرغم من أن الصفقة لا تزال بحاجة إلى مصادقة الكونغرس، فقد تم الكشف عن محتوياتها التي تشمل أنظمة إطلاق صواريخ "إم 142 هيمارس"، وصواريخ مضادة للدبابات من طراز "جافلن"، بالإضافة إلى صواريخ مضادة للسفن من نوع "بوينغ هاربون". ومن المتوقع أن تكون هذه التسليحات الأكبر في تاريخ الدعم العسكري لتايوان، سواء من حيث قيمتها المالية أو حجمها الفعلي.
ورداً على قرار الولايات المتحدة بيع حزمة أسلحة لتايوان، فرضت الصين عقوبات على عشرة أشخاص و20 شركة دفاعية أمريكية، من بينها شركة "نورثروب غرومان" وشركة "بوينغ" في فرعها بمدينة سانت لويس. وأوضحت بكين أن هذه الإجراءات تأتي نتيجة توريد الأسلحة الذي، بحسب بيانها، "تقوّض السيادة ووحدة أراضي الصين"، ودخلت هذه العقوبات حيز التنفيذ في 26 كانون الأول/ ديسمبر.
ووفق خبراء استطلعت الصحيفة آراءهم فإن الرد الصيني لم يقتصر على العقوبات فقط؛ فقد اعتبرت المناورات العسكرية باسم "المهمة العادلة – 2025" جزءًا من رد الفعل على الدعم العسكري الأمريكي لتايوان. ويشير الخبراء إلى أن الصين كانت قد حذرت سابقاً في العديد من المناسبات من أنها ستتخذ إجراءات مناسبة في حال توسع الدعم العسكري لتايبيه.
ويرى المحلل الاقتصادي إيغور رستورغويف، الخبير في مؤسسة "أي ماركيتس"، أن المناورات التي انطلقت قبالة سواحل تايوان "لا تمثل مجرد عرض عسكري، بل تصعيداً نوعياً في الضغط على الجزيرة"، مشيراً إلى أن هذه الخطوة جاءت بعد 11 يوماً فقط من موافقة واشنطن على تسليم حزمة أسلحة قياسية لتايبيه. وأضاف أن الحزمة تتضمن معدات تجعل الجزيرة هدفاً صعباً لأي عمليات إنزال محتملة.
في ظل هذه التطورات، ظهرت توقعات في وسائل الإعلام بشأن إمكانية تحول الصراع إلى مواجهة مفتوحة. وتشير إحدى السيناريوهات إلى أن الصين قد تلجأ إلى استخدام القوة ضد تايوان بحلول تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، في حال توصلت القيادة الصينية إلى استنتاج مفاده أن الحلول السلمية مستحيلة.
من جانبها، أعلنت
روسيا دعمها للصين في حال اندلاع أي صراع مسلح حول تايوان. وقد أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن "الإجراءات الواجب اتباعها في حال تفاقم الوضع في مضيق تايوان منصوص عليها في معاهدة الجوار والصداقة والتعاون بين روسيا والصين، الموقعة في 16 تموز/ يوليو 2001".
آراء الخبراء
ويرى أليكسي ماسلوف أن أستراتيجية الصين تهدف إلى تقليص نشاط القوى الانفصالية في تايوان ودفع الأطراف إلى الدخول في مفاوضات حول إعادة التوحيد السلمي، والتي قد تمتد لعقود. في الوقت ذاته، تؤكد بكين استعدادها لاستخدام القوة العسكرية إذا اقتضت الضرورة.
وأوضح ماسلوف أن السيناريو العسكري قد يتحقق في حال وقوع استفزازات جسيمة من جانب تايوان، مثل حوادث جوية، أو استخدام الأسلحة الأمريكية المنتشرة على الجزيرة، أو إقامة بنية تحتية عسكرية أمريكية هناك.
وبحسب ماسلوف فإن العامل الحاسم الذي يدفع بكين لتبني موقف صارم هو ما يسمى بـ"الثنائية الأستراتيجية": فبينما تعترف الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية رسمياً بتايوان كجزء من الصين، تستمر هذه الدول في تقديم الدعم العسكري والسياسي للجزيرة، وتضيف الصحيفة أن الجانب الاقتصادي يشكل عاملاً أساسياً يمنع التصعيد الحاد للصراع حول تايوان.
ويشير رستورغويف إلى الأهمية الإستراتيجية لتايوان بالنسبة للولايات المتحدة، فهي تتحكم بحوالي 70 بالمئة من سوق تصنيع الرقائق الإلكترونية العالمي، فيما تنتج شركة شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة نحو 92 بالمئة من أشباه الموصلات الأكثر تقدماً. وبدون هذه الرقائق، قد تتوقف خطوط الإنتاج من ديترويت إلى شنجن، بما يشمل الصناعات من السيارات إلى الأجهزة المنزلية والهواتف الذكية.
وأوضح رستورغويف أن الصين نفسها تعتمد على الرقائق التايوانية، مشيراً إلى أن حجم التبادل التجاري بين الطرفين، الذي بلغ 205 مليارات دولار في 2022، بدأ يشهد انخفاضاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. كما انخفضت الاستثمارات التايوانية في الصين خلال أول 11 شهراً من 2025 بنسبة 61 بالمئة، إذ تقوم الشركات بنقل جزء من الإنتاج إلى الولايات المتحدة ودول جنوب شرق آسيا.
وأوردت الصحيفة أن الروابط التجارية الوثيقة بين واشنطن وبكين تُعد عاملاً رئيسياً يحد من أي تصعيد عسكري محتمل حول تايوان. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين العام الماضي 688.28 مليار دولار، ويظل السوق الأمريكي محوريًا للصادرات الصينية. وأي توتر حاد حول الجزيرة قد يؤدي حتماً إلى فرض عقوبات جديدة وقيود تجارية وانقطاع سلاسل الإمداد العالمية.
ويلفت رستورغويف إلى أن "الاقتصاد ليس العامل الوحيد لكبح التصعيد، لكنه أحد الركائز الأساسية. فالمخاطر العسكرية والسياسية، واستجابة حلفاء الولايات المتحدة، واستقرار الداخل الصيني كلها عوامل مهمة".
وفي ختام التقرير تنقل الصحيفة عن رستورغويف قوله: "حتى الآن، تختار بكين سياسة تصعيد محسوبة، تظهر استعدادها للتحرك دون تجاوز الخطوط الحمراء. وتشكل المناورات الحالية خطوة جديدة في لعبة طويلة على الأعصاب، حيث أن أي خطأ قد تكون له كلفة باهظة".