كشف رئيس الوزراء
اللبناني الأسبق،
فؤاد السنيورة، عن تفاصيل رؤيته لتجنيب
لبنان المزيد من الأزمات والمخاطر المحدقة به، داعيا إلى "تعزيز قدرات الجيش اللبناني؛
فنحن بحاجة ماسة وملحّة إلى تقوية جيشنا دون أي تأخير، وهناك فرصة الآن يمكن أن تُتاح
لتعزيز قدراته بشكل فعّال".
وحول النتائج المتوقعة للجلسة الحكومية المقبلة يوم الثلاثاء، قال السنيورة،
في مقابلة خاصة ومطوّلة مع "عربي21": "لا أستطيع أن أجزم بما سيصدر
عن قيادة الجيش اللبناني، وبالتالي عن الجلسة الحكومية المزمع عقدها. كل الأفكار والخيارات
مطروحة، وهناك طرق عديدة يمكن سلوكها لمعالجة أزمة حصرية السلاح، وذلك باعتماد الحكمة
والحنكة، والحزم أيضا، في المقاربة والأسلوب".
ويشهد لبنان ترقّبا واسعا قبل الجلسة الحكومية المقررة في 2 أيلول/ سبتمبر
المقبل لاستكمال مناقشة خطة حصر السلاح بيد الدولة، ومن المفترض أن يعرض الجيش اللبناني
خطته لكيفية معالجة أزمة حصرية السلاح خلال تلك الجلسة الحكومية، وسط جدل محتدم بين
الأطراف اللبنانية.
ويعكس هذا الترقب القلق الشعبي والسياسي من تأثير أي قرار على الاستقرار
الداخلي؛ إذ يعتبر هذا الملف الشائك حساسا يمسّ الأمن الوطني والسيادة اللبنانية، لا
سيما في ظل تمسّك كل طرف بوقفه، وفي ظل ضغوط دولية وإقليمية متزايدة على بيروت.
وتشير تقارير صحفية إلى أن الكلمة المرتقبة لرئيس مجلس النواب اللبناني،
نبيه بري، في ذكرى اختفاء رجل الدين الشيعي اللبناني موسى الصدر (مؤسس حركة أمل اللبنانية)
في 31 آب/ أغسطس ستكون "محطة مفصلية، وسترسم معالم المرحلة المقبلة".
وشدّد السنيورة على أهمية "التماسك الوطني والتمسّك بالوحدة الوطنية
اللبنانية الداخلية، خاصة أن لبنان يواجه أزمات عميقة ومتعددة الأبعاد: سياسية واقتصادية
وخدماتية، لكنه يمكن أن يصبح قادرا، وأن يكون قويا جدا إذا توحّد، بينما سيصبح ضعيفا
للغاية وهشا جدا إذا تشرذم وتفرّق أكثر".
وطالب رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، بضرورة "وقف الاعتداءات
الإسرائيلية
على لبنان، وبانسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية المُحتلّة؛ فهذا هو الهدف الذي
يجب أن نتضامن كلبنانيين معا من أجل تحقيقه، ولكن علينا الآن أن نُدرك إلى أيّ مدى
وصلت الأحوال لدينا من تدهور شديد"، لافتا إلى أن "مَن يملك زمام المبادرة
هو مَن يفرض إيقاع العملية".
وتاليا نص المقابلة الخاصة والمطوّلة التي أجرتها
"عربي21" مع فؤاد السنيورة:
هل باتت مسألة حصر السلاح بالدولة محسومة بشكل نهائي؟
أعتقد أن القرار الذي اتخذته الحكومة بحصرية السلاح ينطلق أساسا مما جرى
الاتفاق عليه في مدينة الطائف السعودية عام 1989، والذي عُرِفَ بـ "اتفاق الطائف".
ولكن الظروف حالت خلال ما يقارب الخمس والثلاثين عاما الماضية دون تطبيق هذا القرار
بشكلٍ صحيح وكامل. ولكن عدم تطبيقه حتى الآن لا يعني انتفاء الحاجة إليه. بل إن الأيام
قد أثبتت ضرورة الحاجة الكبيرة إليه؛ فالحكومة اللبنانية عندما اتخذت هذا القرار، كانت
تُدرك أنه هو الطريق الوحيد والصحيح لاستعادة الدولة لدورها ولسلطتها الكاملة على الأراضي
اللبنانية.
وبالتالي، فإن هذا القرار هو قرار نهائي لا رجعة فيه، ويبقى الأمر في كيفية
وأسلوب تطبيقه. صحيح أن هناك حالة من الإنكار والمكابرة مازالت قائمة لدى البعض من
بيئة
حزب الله للحيلولة دون تطبيقه. ولذلك، أعتقد أن الأمر يتطلب عملا دؤوبا من أجل
تنفيذ هذا القرار وتطبيقه على أرض الواقع.
لكن حزب الله أصدر بيانا مؤخرا أكد فيه أن ادعاء الحكومة
بأن ما تقوم به هو تطبيق لاتفاق الطائف هو خطأ فادح وشبهة كبيرة، لأن اتفاق الطائف
نصّ صراحة على حق لبنان في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة التي تُتيح للبنان تحرير
أرضه والدفاع عنها.. ما ردكم على ذلك؟
من الطبيعي أن هذا حق لبنان الوطني والسياسي والدستوري في الدفاع عن نفسه،
وهذا حق لم يتغيّر ولازال باقيا، ولكنه ليس حكرا على طرف واحد في لبنان، بل هو حق سيادي
عام للدولة اللبنانية.
تدرك الحكومة اللبنانية أنه لا يزال لديها أرض مُحتلة من قِبل إسرائيل،
وواجبها في أن تسعى إلى تحريرها واستعادتها. صحيح أن إسرائيل احتلّت أجزاءً جديدة من
الأراضي اللبنانية في ظروف مُستجدة، وتحديدا بعد الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر
2023، ولكن يجب ألا ننسى أن قرار زجّ لبنان في هذه العملية العسكرية حصل من قِبل حزب
الله تحت عنوان: "معركة المشاغلة والإسناد"، وهو ما أدّى إلى توريط لبنان
في هذه الحرب من دون أن يُتَّخذ هذا القرار من قِبل السلطة الشرعية اللبنانية المخوَّلة
بذلك.
هنا أودّ أن أُذكِّر الجميع أنني في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر
2023 كنت من الذين انبهروا بما حققته حركة "حماس" في اليوم السابق، أي في
7 تشرين الأول/ أكتوبر في عملية "طوفان الأقصى"، ولكن لم تكن لدينا كل المعطيات
والتفاصيل عن حقيقة ما جرى وظروفه وتداعياته. إلاّ أنني، ومع ذلك، فقد أصدرت صباح يوم
الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بيانا باسمي كرئيس حكومة سابق، حيث قلتُ فيه بوضوح،
أنه لا يجوز الزجّ بلبنان في هذه العملية العسكرية، ولاسيما أن ظروف لبنان وأوضاعه
العامة لا تسمح له في التورط في هذه الحرب ولعدة أسباب. أولها، أن لبنان كان حينذاك
يعيش فراغا في سدة الرئاسة، ولم يكن قد انتخب حينها رئيس جديد للجمهورية، وحيث لم يكن
لدينا حكومة كاملة الصلاحيات، بل حكومة تصريف أعمال.
وثانيا، أن لبنان كان، ولا يزال، يعاني من أزمة اقتصادية خانقة. وثالثا،
يُعاني من مشكلة كبرى تتعلّق بالحجم الكبير اللاجئين السوريين، الذين بلغت نسبتهم ربع
عدد سكان لبنان تقريبا.
أضف إلى ذلك، أن لبنان لا يستطيع ولا يجوز أن يعرّض نفسه لهذا الخطر في
غياب أي تعاطف لبناني داخلي مؤيد لهذه العملية العسكرية، وأيضا في ظل غياب شبكة أمان
عربية ودولية، تدعم وتغطي تدخل لبنان في هذه الحرب التي أَقْحَمَنا فيها حزب الله.
أما بالنسبة لضرورة الإبقاء على هذا السلاح الذي يحتفظ به حزب الله، فإن
هذا السلاح قد أصبح بلا أي فعالية اليوم في ضوء هذه المتغيرات العسكرية والميدانية
الكبرى الحاصلة في لبنان والمنطقة، حيث لا يُمكن مقارنته بما بات متوفرا لدى إسرائيل
من أسلحة وتقنيات وقدرات.
لكن هذا السلاح هو الذي حرّر جنوب لبنان عام 2006 وكان له دورا
ملموسا في حماية لبنان. ما تعقيبكم؟
لا أحد ينكر أن هذا السلاح لعب دورا كبيرا في تحرير لبنان في العام
2000. ولكن ما حصل في عام 2006، أمر مختلف كثيرا عما كان عليه الحال في أيار/ مايو
من العام 2000. ودعني هنا أذكّر الجميع ما جرى التعهد به من قِبل السيد
حسن نصر الله
رحمه الله، خلال جلسات الحوار الوطني في حزيران/ يونيو من العام 2006، وحينها كنتُ
رئيسا للحكومة اللبنانية آنذاك، يومها أكّد حسن نصر الله أن لا نية على الإطلاق للتورط
في أي عمل عسكري، وهذا أمر ليس من صلاحية حزب الله أن يعرّض لبنان أو يورطه في حرب
مع إسرائيل. ومع ذلك، فقد زُجّ لبنان في تلك الحرب المُدمّرة.
حينها تضافرت الجهود الداخلية اللبنانية والعربية، العسكرية والحكومية
والدبلوماسية، بحيث استطاع لبنان منع إسرائيل من الانتصار، وهذا كان أمرا في غاية الأهمية،
ويجب ألا نقلِّل من أهمية ذلك مطلقا، وحيث أن إسرائيل لا تستطيع أن تتحمل أن لا تنتصر
في الحروب التي تشنّها.
لكن ما جرى بعد ذلك، أن الحزب انشغل بخطاب وسردية جديدة تحت ما يُسمّى
"النصر الإلهي"، والمباهاة بعدد الصواريخ التي بات يملكها، وفي التشديد على
قدرته في الوصول إلى أي نقطة في إسرائيل، دون أن يوضح الحزب للبنانيين ويبين لهم ما
الذي يمكن أن تفعله إسرائيل في المقابل عندما ترد على حزب الله عندما يستهدف إسرائيل
بصواريخه.
في المقابل، عمدت إسرائيل خلال هذه السنوات الماضية إلى تطوير وتعزيز قدراتها
العسكرية والسياسية، وتحديدا في تعزيز وتطوير قواتها الجوية والنارية والاستخباراتية
والتكنولوجية، وهذا ما نراه واضحا أمامنا، ونعاني منه اليوم من اعتداءات إسرائيل التي
باتت تطال كل لبنان واستهدافات دقيقة تطال قادة ومواطنين كاصطياد العصافير بكل أسف.
كيف تفسّرون إصرار حزب الله على رفضه المطلق لنزع السلاح؟
بدايةً، برأيي أنه من الخطأ الجسيم الذي يرتكبه حزب الله في الاستمرار
بالإصرار على محاربة إسرائيل بسلاح هي أقوى منه بقدرات هائلة؛ فهي تملك أسلحة ودعما
أمريكيا لا محدودا، وقدرات هائلة لا قِبَلَ لحزب الله وللبنان بها، ويمكن بالتالي لإسرائيل
وبسهولة أن تلحق بنا هزائم وخسائر فادحة، وبالتالي ليس من الحكمة ولا من منفعة لخوض
مثل هذه المعارك العسكرية.
لكن يجب أن نتذكر أننا نظريا في حالة هدنة مع إسرائيل إلى الآن، وهناك
وسائل عديدة يُمكن أن يعتمدها لبنان للمقاومة وليست حصرا من خلال السلاح العسكري. المقاومة
قد تكون بالسياسة، وبتعزيز الوحدة الوطنية الداخلية، وبالضغط العربي والدولي، وهذا
الأسلوب سيكون مقبولا على الصعيد اللبناني والعربي والدولي، ويمكن أن نحقق فيه إنجازات
كبيرة.
السلاح الذي يتكلّم عنه حزب الله، والذي يريد أن يحتفظ به، لم ينجح مطلقا
في حماية لبنان، ولا في ردع إسرائيل، ولا حتى في حماية حزب الله نفسه. السؤال الكبير
هنا: كيف نقنع اللبنانيين بالاستمرار في هذا النهج؟، وهو الأسلوب الذي أثبت عدم نجاعته
خلال هذه الحرب الأخيرة.
إيران، وعلى لسان السيد علي لاريجاني حينما زار لبنان، قالت: "ننصحكم،
أبقوا على السلاح"، لكن ماذا قدّمت إيران للبنان عندما تعرّض لهذا الهجوم الكاسح
الذي شنّته عليه إسرائيل، وحيث شعر اللبنانيون بالخذلان من قِبل إيران؟، الواقع أن
لبنان اليوم لا يحتمل تَحَمّل مثل هذه الأعباء الكبيرة؛ فهو غارق في مشكلات لا أول
لها ولا آخر. وبالتالي، علينا أن ندرك أن ما يطرحه حزب الله على لبنان واللبنانيين
يعرّضهم إلى أمور ومخاطر لا تُطاق ولا تُحتمل بأي صورة من الصور. وهذا يُعَدّ عملا
تدميريا للبنان واللبنانيين، ولا سيما لبيئة حزب الله.
الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم قال صراحة: "لن نسلم
سلاح المقاومة وسنخوض معركة كربلائية لأجله".. كيف تنظرون لتلك التصريحات؟
هذا كلام خطير للغاية، كيف يمكن تبريره أمام اللبنانيين؟، مَن الذي سيخوض
هذه "الحرب الكربلائية"؟، وباسم مَن يتحدث الشيخ نعيم قاسم؟، وضد مَنْ؟،
ضد أشقائه من اللبنانيين. الشيخ نعيم قاسم هل هو بالفعل يتحدث باسم الذين دُمّرت منازلهم
وهُجّروا من ديارهم؟، هل المطلوب تحويل لبنان إلى "غزة ثانية"؟، لقد آن الأوان،
ويجب علينا أن نحتكم إلى العقل والرشد والحكمة.
هناك كلفة باهظة سوف يدفعها لبنان مقابل نتائج في أفضل الأحوال محدودة
وغير مؤثرة، ولن تجلب لنا إلاّ الهزيمة. هل هذا السلاح قادر على هزيمة إسرائيل، أم
أن هناك وسائل أخرى يُمكن أن يستعملها، ويمكن من خلالها تحقيق الغلبة المنشودة على
إسرائيل؟
الطائرات الإسرائيلية اليوم تصطاد الناس بكل سهولة من نوافذ بيوتهم ومن
الجو، فكيف نواجه ذلك؟، وعلى الجميع أن يؤمن بأننا لا نستطيع التغلب على إسرائيل بالأسلحة
العسكرية التي لدينا، ولا يجوز لنا على الإطلاق الاستمرار في هذه المكابرة التي أثبتت
عدم فعاليتها.
أقول إن لبنان يكون في أقوى حالاته عندما يكون موحدا بين جميع أبنائه،
بينما الموقف المتفرد الذي يتخذه حزب الله اليوم يضر كثيرا بالوحدة الوطنية اللبنانية،
والتي بنظري تشكّل مصدر قوة وضغط للبنان يمكن أن يستعملها في مباحثاته مع الولايات
المتحدة، ويُمكن للبنان أن يؤثر فيها على الرأي العام العربي والدولي.
أودّ هنا أن أكون واضحا جدا. إننا حين نذهب منقسمين للتفاوض مع المجتمع
الدولي ومع الولايات المتحدة تحديدا، فإننا نُضعف أنفسنا ونُعرّي الدولة أمام الخارج،
لا سيما وأننا ندرك جيدا أن الولايات المتحدة منحازة تماما لإسرائيل، وهذا أمر واضح
للجميع. وحدة الموقف اللبناني الموحد قادر على تعزيز قوة لبنان وقوته التفاوضية في
فرض شروطه، وتحقيق مكاسب نحن في لبنان بحاجة ماسة لها، لتحقيق الانسحاب الكامل من لبنان،
وفي تطبيق حالة وقف الأعمال العدائية لإسرائيل ضد لبنان.
أرى أن القضية الأساسية التي علينا أن نُدركها ونجيب على أسئلتها، هي كيف
نحرر بلدنا ونحميه. لا يجوز أن نضع لبنان بين المطرقة الإسرائيلية - الأمريكية والسندان
الإيراني.
وأسأل هنا: ما هو الحل الذي نريد أن نحققه؟، هل الحل في أن نخوض "حربا
عبثية كربلائية"، كما يقول الشيخ نعيم قاسم وضد مَنْ؟، الحرب ضد إسرائيل ضمن ميزان
القوى القائم لا تعني إلاّ تدمير لبنان بأيدي أبنائه.
إسرائيل قد تخسر في مواجهة برية ضد حزب الله إذا خاضت حربا برية، لكنها
تملك القدرة على ضربنا من الجو والبحر من دون أي خسائر كبيرة. ومَن قال إن إسرائيل
سوف تلجأ إلى القيام باجتياح بري لتتعرّض إلى حرب عصابات من قِبل حزب الله. كما يتبين،
فإن إسرائيل سوف تستمر في هذه الحرب معتمدة على آلتها العسكرية المتفوقة فيها على لبنان
وحزب الله. وبالتالي، فإن الإصرار على هذه المواقف من قِبل حزب الله لن تجدي نفعا على
الإطلاق.
لكن الموقف الواضح لحزب الله يتمثل في إصراره على وقف الاعتداءات
الإسرائيلية المتكررة على السيادة اللبنانية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية
أولا، وبعد تحقق هذين الشرطين يمكن البدء في النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية الوطنية..
كيف ترى ذلك؟
نحن نصرّ على وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وعلى انسحاب إسرائيل
من كامل الأراضي اللبنانية المُحتلّة، وهذا هو الهدف الذي يجب أن نتضامن كلبنانيين
معا من أجل تحقيقه، ولكن علينا الآن أن نُدرك إلى أيّ مدى وصلت الأحوال لدينا من تدهور،
وبالتالي أن نحدّد، وبموضوعية شديدة، ما الذي نقدر عليه وما الذي علينا أن نقوم به.
هذا الوضع الآن بات مختلف تماما عما كان في الماضي، إلاّ أن مَن يملك زمام
المبادرة هو مَن يفرض إيقاع العملية. من جهة أخرى، ومَن الذي سيصدق حزب الله حينما
يقول للإسرائيلي انسحب الآن وبعد ذلك نتناقش بالأمر مع الدولة اللبنانية بشأن موضوع
السلاح، خاصة أن التجارب التي مررنا بها في لبنان لم تترك فرصة لأحد كي يصدق حزب الله.
لقد بذلنا جهدا كبيرا في العام 2006 حين توصلنا إلى إصدار القرار الدولي
1701. نحن كنّا داخل الحكومة اللبنانية آنذاك، وكان الأمين العام لحزب الله حسن نصر
الله يؤكد أنه لن يقبل بأي صيغة إلا بالاستناد إلى النقاط السبع التي هي في أساس صدور
القرار الدولي 1701. لكن، وبعد مرور عدة أيام فقط على صدور القرار 1701، خرج السيد
نصر الله مُعلنا رفضه لما سُمّي بـ"النقاط السبع"، ليتم بعد ذلك الانقلاب
على تطبيق القرار 1701 بحذافيره. وها قد مضت سنوات طويلة امتنع خلالها حزب الله، وامتنعت
إسرائيل بدورها عن تطبيق هذا القرار الدولي.
رحم الله الشهداء الذين ضحّوا بأرواحهم للدفاع عن لبنان، لكن يبقى السؤال:
ماذا فعلنا من أجل تنفيذ هذا القرار الدولي؟، هذا القرار 1701 في جوهره كان لمصلحة
لبنان، وقد أكد لي شخصيا الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك في آب/ أغسطس 2006، أنه ما
كان يتصور أننا سنستطيع سوية من تمرير هذا القرار الدولي في مجلس الأمن في آب/
أغسطس 2006. هذا القرار بالفعل كان قرارا حيويا ومهما لحماية لبنان، وحيث نجح لبنان
في فرض الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المُحتلة في آب/ أغسطس من
العام نفسه.
المؤسف بعد ذلك، أنه وعلى مدى السنوات 2006- 2023، حصلت انتهاكات عديدة،
ولا سيما بعد أن جرى توريط لبنان في حرب "المشاغلة والإسناد"، ومع تعقيدات
"مطبخ القرار الدولي"، اُضطررنا لاحقا إلى القبول بـ"اتفاق إذعان"،
فُرض فرضا على حزب الله وعلى الحكومة اللبنانية في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. السؤال
الكبير: ألم يكن من الممكن أن نطبق القرار الدولي 1701 بحذافيره وبشكلٍ يحافظ على المصلحة
الوطنية اللبنانية، وبالتالي ننجح في تجنيب لبنان كل هذه المآسي والويلات.
للأسف، لقد أقحمنا بلدنا في مآزق كبيرة، ووجدنا أنفسنا أمام اتفاق تفاهمات
جديدة أذعَنّا فيها لاتفاق صيغ بين الولايات المتحدة وإسرائيل، منح إسرائيل صلاحيات
واسعة لاستهداف مناطق داخل لبنان. وحينها وقعت الكارثة: قصف، دمار، وقتلى من المدنيين
اللبنانيين. أعود وأكرّر: لو تمسّكنا بالقرار 1701 ونفذناه بحذافيره، لكان الوضع أفضل،
وأقل كلفة على لبنان، ولما خسرنا كل هذه الأرواح، ولما دُمّر جنوب لبنان، ولما حصل
هذا التهجير للبنانيين من الجنوب.
المشكلة أن استمرار إعطاء إسرائيل الذرائع اليومية لتهاجم لبنان وتلحق
به الكثير من المصائب والويلات غير مفيد على الإطلاق، وهو ما قد يقود لبنان إلى أتون
مشكلات كبيرة نحن بغنى عنها، وهذا تحديدا ما تسعى إليه إسرائيل كي تُحكم قبضتها وتحقق
"نصرا استراتيجيا" على لبنان.
السؤال الآن: كيف لنا أن ننقذ لبنان وندعم القضية الفلسطينية المحقة. لا بد لنا أن نفكر بمنطق أوسع من منطق الفصائل أو الحسابات الضيقة لبعض
الفصائل الفلسطينية ولحزب الله. القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع وأساس المعركة، وكذلك
علينا تجنب المزيد من التدهور في الوضع العام في المنطقة، سواء في لبنان أو سوريا أو
الأردن. لكن هل يُعقل أن تستمر الأمور على هذا النحو المفتوح الذي يتعرّض فيه لبنان
إلى مخاطر غير محسوبة وبلا أفق؟، كل عملية عسكرية تحمل نتائج خطيرة جدا، والسؤال الأهم:
هل نملك حسابات دقيقة لما سيأتي بعد المعركة التي يريد منا حزب الله أن نخوضها؟، الجواب:
أن لا أحد يملك تصورا واضحا.
إسرائيل اليوم طوّرت قدرات تكنولوجية واستخبارية هائلة، وأصبحت تستهدف
بدقة قيادات وعناصر داخل حزب الله، وهذا ما يضعف القدرة على خوض مواجهة مفتوحة بلا
حسابات. لذلك، لا يجوز أن يُصار إلى إقحام لبنان في حرب لا قِبَل لنا بخوضها، وأن يتحمّل
لبنان بالتالي نتائجها الكارثية، أو أن نُدفَع بلبنان إلى معارك عسكرية عبثية محكومة
بالفشل المسبق والمحتوم.
علينا أن نفكر بمستقبل أبنائنا، لا أن نكرر المآسي القاسية السابقة. عشرات
الآلاف من الشهداء سقطوا على مدى العقود الماضية، ولا يجوز لنا أن نكرر هذه المآسي
والويلات.
الآن هذا الدم الغالي يجب أن يتحوّل إلى رصيد استراتيجي يُستثمر في تغيير
الرأي العام الدولي لمصلحة قضايانا العادلة، لا أن يتحوّل إلى دورات جديدة من العنف
والنزيف والضحايا بلا جدوى أو طائل.
حزب الله كان دائما ما يؤكد أن الجيش اللبناني غير قادر على
حماية البلاد أو مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.. ألم يكن محقا في ذلك؟
صحيح، السيد حسن نصر الله كان يقول بأنّ الجيش اللبناني غير قادر على حماية
لبنان، ولذلك يجب الإبقاء على سلاح حزب الله. أود أن أذكّركم أن السعودية كانت قد قدّمت
للبنان في عام 2013 مبلغ أولي بقيمة مليار دولار لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، ثم
قدّمت بعد ذلك هبة بقيمة ثلاثة مليارات دولار من أجل تعزيز قدرات الجيش اللبناني العسكرية،
لكن مَن الذي أجهض تلك الهبة السعودية؟، وماذا كانت النتيجة؟، هذه المبادرة جرى إحباطها
من قِبل حزب الله وسط أجواء من الاتهامات المتبادلة والشتائم والتخوين التي أطلقها
حزب الله على المملكة العربية السعودية، وعلى الملك عبد الله بن عبد العزيز آنذاك،
ومن أجل اتهام السعودية أنها تريد أن تضع يدها على لبنان، وهو ما أدّى إلى إلغاء تلك
المبادرة.
لماذا لا نعزز جيشنا الوطني؟ نحن بحاجة ماسة وملحّة إلى تقوية جيشنا من
دون أي تأخير. نعم، إسرائيل متفوقة عسكريا على حزب الله ولبنان بما لا يقارن، لكن هذا
لا ينفي أن تقوية الجيش اللبناني تبقى أمرا أساسيا واستراتيجيا، وهناك فرصة الآن يمكن
أن تُتاح لتعزيز قدرات الجيش اللبناني.
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية، فهي تستمر جوهر الصراع العربي والفلسطيني
الإسرائيلي، وهناك وسائل عديدة لخدمة هذه القضية الفلسطينية المحقة. يجب أن يكون هذا
الأمر محل توافق ويخدم جميع الأطراف بلا استثناء.
ظهرت سابقا تقارير تشير إلى وجود "فيتو" دولي يمنع
تسليح الجيش اللبناني بأسلحة حديثة ومتطورة.. هل هذا صحيح؟
دعونا نفترض أن هناك فيتو إسرائيليا أو أمريكيا ضد تسليح الجيش اللبناني..
فماذا بعد؟، هل يعني ذلك أن نستسلم ونترك بلدنا مكشوفا بلا حماية؟، الجيوش العربية
في أي بلد، هي ضمانة السيادة والدفاع عن الأرض، شرط أن يتوفر موقف عربي جامع يدعمها.
أما لبنان، فهو في أمسّ الحاجة إلى السلاح حتى يتمكن من الدفاع عن نفسه
بصورة معقولة. صحيح أننا لا نستطيع مواجهة إسرائيل عسكريا بندّية؛ فهي واحدة من أقوى
جيوش العالم، لكن هناك عشرات الوسائل والخيارات الأخرى التي من الممكن اعتمادها للتصدي
لها ولاعتداءاتها، وهذا هو التفكير الاستراتيجي الذي نحتاجه مع التنبيه الدائم للمخاطر
المحدقة بنا.
انظر إلى ما يحدث في غزة: إسرائيل ترتكب أبشع المجازر يوميا، ولا أحد يردعها
أو يوقفها، ويمكنها بسهولة أن تفعل بنا ما تفعله بغزة، وهذا ما قلته حرفيا لحزب الله
وأنا على رأس الحكومة عام 2006. في ذلك الوقت، عندما أقدم الحزب على عمليته العسكرية
عبر الخط الأزرق، لقد قلت لهم بوضوح: كيف تفعلون ذلك خاصة أن السيد حسن نصر الله وعدنا
في حزيران/ يونيو من نفس العام، بأنه لن تكون هناك أي عملية من حزب الله عبر الخط الأزرق.
وبالتالي ما قام به الحزب سوف يدفع إسرائيل لكي ترد وتهاجم لبنان.
حينها جاء الرد من حزب الله: أن إسرائيل لن ترد على العملية التي قام بها
حزب الله عبر الخط الأزرق. لكن ماذا حصل؟ يوم 12 تموز/ يوليو 2006 ردّت إسرائيل بقوة،
وحصل ما حصل. الآن هل نقبل أن يُدمّر لبنان كما تُدمّر اليوم غزة. بكل وضوح تلك كانت
طريقة غير مسؤولة من حزب الله في إدارة الأمور على الإطلاق، أكان ذلك فيما قام به في
العام 2006، أم بما قام به في حرب "المشاغلة والإسناد" عام 2023.
ما هي
توقعاتكم لنتائج الجلسة الحكومية المقبلة يوم الثلاثاء؟
لا أستطيع أن أجزم
بما سيصدر عن قيادة الجيش اللبناني، وبالتالي عن الجلسة الحكومية المزمع عقدها. كل
الأفكار والخيارات مطروحة، وهناك طرق عديدة يمكن سلوكها لتجنيب لبنان المزيد من المخاطر.
ذلك باعتماد الحكمة والحنكة في المقاربة والأسلوب، وفي الحزم أيضا، وأعني بالحزم التمسّك
الصارم بالمبدأ، وأقول بوضوح شديد: لن يكون هناك أي تراجع عن قرار حصرية السلاح الذي
يجب أن يُحترم من كل الأطراف. لبنان لن يصمد مطلقا إذا استمرت ممارسات ازدواجية السلاح،
ولا يمكن أن تقوم دولة لبنان طالما استمرّت ازدواجية السلطة وازدواجية السلاح في لبنان،
ولنتذكر الآية الكريمة: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا".
المطلوب هو التماسك
الوطني والتمسك بالوحدة الوطنية اللبنانية الداخلية، أما الكلام عن "الميثاقية"
وما شابه، فهي شعارات يرددها البعض بلا أي معنى. إذا حافظنا على وحدتنا وحققنا الانسحاب
الكامل لإسرائيل يمكننا أن نصل إلى حلول، أما إذا تشرذمنا فلن نستطيع إنقاذ أنفسنا
أو بلادنا، ولا أن نحقق الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، ولا أن نعود إلى احترام اتفاق
الهدنة الذي تم التوصل إليه في العام 1949.
بعض التقارير أشارت إلى أن الجيش ربما يطلب تأجيل الموعد الخاص
بتقديم خطته.. هل هذا وارد؟
لا أعرف على وجه الدقة ماذا سيكون عليه موقف قيادة الجيش اللبناني، وماذا
سيحصل، ولكن يجب أن أكون شديد الوضوح: لا أحد في لبنان يمكنه أن يجرّ البلاد إلى حرب
أهلية جديدة، ولا أحد في لبنان بإمكانه أن يخوض حربا ضد إسرائيل، وليست هناك قوى خارجية
تستطيع أن تتدخل في الداخل اللبناني لتُشعل حروبا وفتنا داخلية، فهي غير قادرة على
ذلك. حتى إيران لديها مشكلات داخلية ولم تعد قادرة على مواجهة إسرائيل، وبالتالي فإن
كل الأحاديث عن حرب أهلية قادمة ليست سوى تهويل غير مسؤول، قولا واحدا. أما الكلام
عن "حروب كربلائية" فلا يحقق أي منفعة لأحد.
في النهاية، لا يجوز أن يستمر لبنان ساحة لتصفية الحسابات، ولا صندوق بريد
لتوجيه الرسائل الدامية أو غير الدامية بين إيران وأمريكا. إن لبنان، هذا البلد الذي
يحمل رسالة سامية إلى العالم بصيغته الفريدة القائمة على العيش المشترك، أكبر من ذلك
بكثير. وهؤلاء الذين يهدّدون بتدمير لبنان لا يعرفون قيمة وطننا، ويسعون للتضحية به
من أجل مصالح حزبية ضيقة أو لمصالح آخرين في الخارج لا علاقة لنا بهم.
هل من المحتمل أن يكون هناك صداما بين حزب الله والجيش اللبناني؟
وكيف ترى موقف المؤسسة العسكرية من تلك الأزمة؟
في الواقع، ليس لدى أي طرف مصلحة في الدخول بحرب داخلية أو في أي صدام
داخلي لبناني- لبناني. المنطق والعقل والحكمة، بل والمصلحة الوطنية العليا، يجب أن
تسود، وهذا يفرض أن يُصار إلى استبعاد مثل هذا الاحتمال كليا. وأقول ذلك انطلاقا من
قراءة واقعية للمشهد؛ فالمشهد أمامنا يطرح مشكلتين أساسيتين: الأولى، داخلية مرتبطة
بالوضع اللبناني المُعقّد وتوازناته ومخاطره. والثانية، خارجية تتعلق بالصراع المفتوح
مع إسرائيل.
أما على الصعيد الإسرائيلي، وبشأن ما يُمكن أن يحصل إن لم ننجح في التوصل
إلى طريقة تحقق عملية حصرية السلاح توافقيا، فإنني أميل إلى الظن أن هناك احتمالان:
إما أن تعود إسرائيل إلى نهجها الذي اتبعته في أيلول/ سبتمبر الماضي عبر
شنّ عمليات عسكرية جوية تدميرية واسعة في مختلف المناطق اللبنانية.
وإما أن تواصل إسرائيل سياسة الاستهدافات اليومية المتقطعة التي تُنهك
البلد تدريجيا وتستنزفه على المدى الطويل، وحتى يحترق لبنان أكثر فأكثر، وكي يصبح
"غزة الثانية".
وفي الحالتين، يظل الغموض مسيطرا: فلا الموقف النهائي للجيش اللبناني واضح
بشأن ما ستقترحه قيادة الجيش اللبناني من طرق ومقاربات لتحقيق هدف حصرية السلاح، ولا
اتجاه السياسة الإسرائيلية مضمون، لكن مَن يغامر في هذا السياق قد يزجّ بلبنان في أزمة
عميقة وخطيرة للغاية.
بالتالي
هل ترى أن إسرائيل ستقوم بحرق وتدمير لبنان إذا فشلت خطوة نزع سلاح حزب الله؟
لست على إطلاع بما يجري في غرفة العمليات العسكرية الإسرائيلية كي أعرف
ما الذي سوف تقرره القيادة العسكرية الإسرائيلية هناك بشكل دقيق، لكن تقديري السياسي
والاستراتيجي يستند إلى التجربة الماضية: إسرائيل لم تتورع على الإطلاق عن ارتكاب أبشع
المجازر في غزة؛ فهي قد لا تجد حرجا في تكرار الأمر ذاته في لبنان بطريقة أو بأخرى،
وذلك إذا رأت أن هذا الأمر يخدم مصالحها. لكن مثل هذه الحرب لن تحقق لإسرائيل مكاسب
إضافية نوعية، سوى التسبب بإلحاق المزيد من القتل والدمار والخراب في لبنان، وربما
إدخال المنطقة في دوامة أعمق من الحروب والفوضى.
أما الموقف العربي الرسمي، وللأسف، فقد كان في كل هذه المحطات والتحديات
مشرذما ومنشغلا بمشكلاته الداخلية، ولم يُفضِ إلى أي خطوات عملية حقيقية. والنتيجة
كانت، كما نرى اليوم، مجرد فوضى إقليمية لم تُترجم إلى إنجازات تُذكر لا للبنان ولا
لفلسطين ولا لأي من شعوب المنطقة. ولكن تبقى مبادرة السلام العربية التي صدرت في بيروت
عام 2002 هي الأصلح، وعلى أساس حل الدولتين التي تشهد المزيد من التأييد لها على صعيد
العديد من دول العام.
وفق تقديركم، ما مدى تأثير حزب الله في المشهد اللبناني اليوم؟
لا شك أن حزب الله يشكّل عنصرا محوريا في المشهد اللبناني الراهن، وإذا
كان الحزب يريد الاستمرار أو البقاء داخل لبنان، وأن يحظى بقبول وطني داخلي، فعليه
أن يتوجّه إلى اللبنانيين مباشرة، بخطاب صريح يقول فيه: "تعالوا لنتفق على كيفية
إدارة المرحلة المقبلة، على أساس اتفاق واضح يقوم على إعادة الاعتبار للدولة اللبنانية،
وبشروط الدولة اللبنانية، وعلى أساس سلطتها الواحدة والموحدة، وبحصرية السلاح بيد القوى
الشرعية اللبنانية. اتفاق يرعاه لبنان والدول العربية والولايات المتحدة أو أي جهة
ضامنة، عربية أو دولية، وهو ما يُمكن أن يقود في نهاية المطاف إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي
الكامل "الذي نطمح إليه" من جميع الأراضي اللبنانية المُحتلة من قِبل إسرائيل".
وفي ذلك نكرّر ما حصل بالفعل عام 2006، حين أُجبرت إسرائيل على الانسحاب بكامل عتادها
وعديدها من المناطق التي كانت تحتلها.
وماذا لو لم يُقدِم حزب الله على هذه الخطوة التي تقترحونها؟
في هذه الحالة، سيبقى لبنان يواجه أزمات عميقة ومتعددة الأبعاد: سياسية
واقتصادية وخدماتية. إننا نتحدث عندها عن بلد يصبح هشا جدا، لكنه بالفعل بلد يمكن أن
يصبح قادرا، وأن يكون قويا جدا إذا توحد، بينما سيصبح ضعيفا للغاية إذا تشرذم وتفرّق
أكثر. لبنان أشبه بلوحة فسيفساء جميلة وثمينة إذا حافظت قطعها الصغيرة على تماسكها،
وبالتالي ظلّت لوحة جميلة وثمينة، أما إذا فقدت الصمغ الذي يشدّها معا، فلن تبقى لها
أي قيمة، وسينهار شكلها ومعناها ومضمونها، وبالتالي عندها تصبح مجموعة من قطع أحجار
لا قيمة لها.
إذا أراد الحزب أن يحقق مكسبا استراتيجيا حقيقيا، فلا بد أن يعود إلى عمقه
الوطني اللبناني وإلى انتمائه العربي. أما إذا اتخذ قرارا مخالفا، فإنه سيفتح الباب
أمام تعقيدات إضافية وخطيرة جدا، وستكون هناك عواقب وخيمة للغاية على الجميع.