نتنياهو يميني.. وآيزنكوت؟ أيضاً يميني

إبراهيم عفيفي
"آيزنكوت لم يكن سياسياً مدنياً قادماً من حركات السلام، وإنما تدرّج في قلب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية"- جيتي
"آيزنكوت لم يكن سياسياً مدنياً قادماً من حركات السلام، وإنما تدرّج في قلب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية"- جيتي
شارك الخبر
يقول الشهيد باسل الأعرج: "اليساري الإسرائيلي هو يميني مثقف"؛ تكتسب هذه الجملة أهميتها من خلال الانتخابات الأخيرة، حيث تتجدد في كل استحقاق سياسي داخل دولة الاحتلال ثنائيةٌ مضللة في جزء غير قليل من القراءات العربية، تقوم على اختزال الصراع مع المشروع الصهيوني في شخص رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وبناء رهانات واهمة على خصومه من جنرالات المؤسسة العسكرية والأمنية، وفي مقدمتهم رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت. هذا النمط من التحليل، الذي ينزلق إلى ثنائية "شيطنة نتنياهو وملائكية آيزنكوت"، يغفل البنية الاستعمارية العميقة للنظام السياسي الإسرائيلي، ويخلط بين التنافس الداخلي على إدارة الدولة وبين العقيدة العسكرية والأمنية المتفق عليها إزاء العرب والفلسطينيين.

نتنياهو وآيزنكوت: صراع الهويات الداخلية لا يغيّر جوهر السياسات الخارجية

يحمل التنافس بين بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت أبعاداً سوسيولوجية وتاريخية خاصة بالمجتمع الإسرائيلي من الداخل؛ فنتنياهو يمثل الظاهرة الأكثر استمراراً في تاريخ رئاسة الحكومة الإسرائيلية، إذ حطم الرقم القياسي بوصفه الأكثر حكماً لإسرائيل وصاحب أطول فترة حكم متواصلة، مرسخاً هيمنة اليمين الليكودي المتحالف مع الصهيونية الدينية والأحزاب الحريدية.

يحمل التنافس بين بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت أبعاداً سوسيولوجية وتاريخية خاصة بالمجتمع الإسرائيلي من الداخل

في المقابل، يطرح غادي آيزنكوت، المولود لعائلة يهودية مهاجرة من المغرب، نفسه بوصفه المرشح الساعي لكسر الاحتكار التاريخي للنخبة الأشكنازية لمنصب رئاسة الوزراء منذ تأسيس دولة الاحتلال عام 1948، ومحاولة الوصول إلى الموقع التنفيذي الأول بوصفه أول رئيس وزراء من أصول سفاردية (شرقية). غير أن هذا الحراك السوسيولوجي بين "الأشكناز" و"السفارديم" يظل شأناً داخلياً محضاً يتعلق بتوزيع القوة والمكانة داخل المجتمع اليهودي نفسه؛ فحين يتعلق الأمر بالحقوق الفلسطينية والسيادة العربية في المنطقة، تتلاشى الفوارق الإثنية والحزبية، ويصطف الجميع تحت سقف أيديولوجي واحد لا يعرف يميناً أو يساراً تجاه العرب، وإنما يتحرك بوصفه يميناً صهيونياً متشدداً يختلف في الأدوات والتكتيك ويتفق في الأهداف الاستراتيجية.

عرّاب عقيدة الضاحية وشريك مجلس الحرب

إن تقديم غادي آيزنكوت في بعض وسائل الإعلام بوصفه "صوت العقل" أو "الجنرال البراغماتي" المعتدل يصطدم بسجله العسكري والسياسي المباشر. فآيزنكوت لم يكن سياسياً مدنياً قادماً من حركات السلام، وإنما تدرّج في قلب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حتى تولى قيادة المنطقة الشمالية خلال حرب تموز/يوليو 2006، ثم رئاسة هيئة الأركان العامة بين عامي 2015 و2019.

ويرتبط اسم آيزنكوت في العقيدة العسكرية الإسرائيلية بكونه المنظّر والعرّاب الفعلي لما عُرف بـ"عقيدة الضاحية" التي صاغها عام 2008؛ وهي العقيدة القائمة صراحةً على استخدام القوة المفرطة وغير المتناسبة، وتدمير البنية التحتية المدنية تدميراً شاملاً، وإلحاق أقصى قدر من الخسائر المادية والبشرية في الحواضن الشعبية لفرض الردع العسكري. فما شهده قطاع غزة من تدمير منهجي للمدن والأحياء السكنية ليس سوى التطبيق العملي الحرفي للعقيدة التي أسس لها آيزنكوت نفسه.

وعلاوة على هذا الإرث العقائدي، لم يكن آيزنكوت مراقباً خارجياً لحرب الإبادة على قطاع غزة عقب السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023؛ فقد دخل طوعاً في حكومة الطوارئ وشغل عضوية "مجلس الحرب" المصغر لقرابة خمسة أشهر متواصلة، كان خلالها شريكاً كاملاً في صناعة القرار العسكري
يضاف إلى البعد العقائدي بعدٌ شخصي وعسكري مباشر يربط آيزنكوت بمعارك قطاع غزة؛ فقد قُتل نجله الأكبر (غال مائير آيزنكوت) في معارك جباليا
وإدارة العمليات الحربية في ذروة التدمير والقتل الجماعي في القطاع. وحتى حين خرج من الحكومة لاحقاً، لم يكن خروجه اعتراضاً أخلاقياً أو سياسياً على أصل الحرب أو استهداف المدنيين، وإنما جاء نتيجة خلافات مع نتنياهو حول إدارة المعركة وترتيب أولوياتها العسكرية والسياسية.

يضاف إلى البعد العقائدي بعدٌ شخصي وعسكري مباشر يربط آيزنكوت بمعارك قطاع غزة؛ فقد قُتل نجله الأكبر (غال مائير آيزنكوت) في معارك جباليا شمال قطاع غزة في كانون الأول/ديسمبر 2023، وتبعه مقتل اثنين من أبناء إخوته أيضاً في معارك جباليا ذاتها. وفي بنية المجتمع الإسرائيلي العسكري، لا تدفع مثل هذه الخسائر العائلية الجنرالات نحو المراجعة السلمية أو التسوية السياسية، وإنما تزيد من التزامهم بعقيدة الحسم العسكري وإثبات القدرة على استعادة الردع وتجنب أي تنازل قد يُفسَّر إسرائيلياً بوصفه هزيمةً أو تراجعاً أمام المقاومة.

نحو قراءة عربية تتجاوز فخ الأسماء

إن الدرس الأهم للمتابع العربي يتمثل في الخروج من ثنائية "شيطنة نتنياهو وملائكية خصومه"؛ فالأزمة مع الاحتلال ليست أزمة شخصٍ واحد ينتهي العدوان برحيله، وليست مفاضلةً بين متطرف يميني وجنرالٍ يتحدث بلغة المؤسسة الأمنية. فحين يجتمع نتنياهو وآيزنكوت عند رفض الدولة الفلسطينية، وتكريس السيطرة الأمنية، وتطبيق عقيدة التدمير الشامل من جباليا إلى الضاحية، يصبح الرهان على تبدّل الوجوه داخل المنظومة الصهيونية وهماً سياسياً يصرف الأنظار عن فهم طبيعة المشروع الاستعماري ذاته وأدوات مواجهته.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)