تستطيع دولة ما أن تقرر عدم شخوض الحرب،
لكن ماذا يحدث حين يمتلك الآخرون عملياً قرار استخدام القوة فوق أراضيها؟ هذا هو
السؤال الذي يعود اليوم إلى
سوريا، لا بوصفه ترفاً فكرياً، بل باعتباره معضلة دولة
خرجت من حرب طويلة ولم تستعد بعد ما يكفي من قدرتها على تقرير مصير حدودها.
فالمفارقة السورية أن تجنّب الحرب ضرورة وطنية، بينما لا يكفي هذا القرار وحده
لمنع الآخرين من توسيع ساحتها.
جاءت الغارات الأردنية على الجنوب السوري
في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026 عقب الهجوم الدموي على كنيسة في محافظة الكرك.
وقدّمت عمّان ضرباتها بوصفها استهدافاً لمواقع لتنظيم الدولة مرتبطة بتهديد أمنها،
وقالت إنها نُفذت بالتنسيق مع دمشق. في المقابل، نفت الحكومة السورية حصول تنسيق
مسبق، وأعلنت سقوط ضحايا مدنيين بينهم أطفال. أُغلق معبر نصيب مؤقتاً في 27 تشرين
الأول/أكتوبر قبل أن تستأنف فيه حركة المسافرين والبضائع صباح 28 منه، كما اتفق
وزيرا خارجية البلدين على تشكيل لجنة أمنية مشتركة تبحث ملابسات الضربات
وتداعياتها وتضع آليات للتنسيق.
الخطر يبدأ حين تتحول مكافحة الإرهاب من مهمة قابلة للتنسيق بين الدول إلى مبرر مفتوح لعبور الحدود عسكرياً، وحين يحلّ الاتهام محلّ التحقيق المشترك وتحديد المسؤوليات بأدلة واضحة
خففت هذه الخطوات خطر التصعيد الفوري،
لكنها لم تُلغِ دلالة الحادثة: يستطيع قرار أمني تتخذه دولة مجاورة أن يغيّر، خلال
ساعات، حياة السوريين وحركة تجارتهم وحدودهم، مع أن القرار لم يصدر في دمشق.
للأردن مخاوف أمنية مفهومة، غذّتها سنوات
من التهريب والفوضى على الحدود. وليس في الاعتراف بهذه المخاوف أي تبرير لتجاوز
سيادة دولة أخرى أو التساهل مع سقوط ضحايا مدنيين، فالخطر يبدأ حين تتحول مكافحة
الإرهاب من مهمة قابلة للتنسيق بين الدول إلى مبرر مفتوح لعبور الحدود عسكرياً،
وحين يحلّ الاتهام محلّ التحقيق المشترك وتحديد المسؤوليات بأدلة واضحة.
هنا تفيدنا فكرة عالم الاجتماع الألماني
ماكس فيبر (1864-1920)، الذي رأى في محاضرته "السياسة بوصفها مهنة"؛ أن
الدولة الحديثة تتميز بادعائها احتكار الاستخدام المشروع للقوة داخل إقليمها. ليست
أهمية الفكرة في مطالبة سوريا بمواجهة عسكرية خاسرة لإثبات هذا الاحتكار، بل في
السؤال عما يبقى من اختصاص الدولة حين يصبح استخدام القوة على أرضها متاحاً لغيرها
وفق تعريفهم هم للأمن والخطر.
ومع كل ضربة تُقدَّم بوصفها استثناءً
تفرضه الضرورة، يظهر احتمال أشد خطراً من الحرب المعلنة: أن تتحول الاستثناءات
المتكررة إلى قواعد غير مكتوبة. فالسيادة لا تتراجع دائماً بقرار تقسيم أو احتلال
معلن؛ وقد تتآكل حين تعتاد الدول المجاورة اتخاذ إجراءات داخل الإقليم السوري،
بينما تنحصر استجابة دمشق في معالجة النتائج.
أما
إسرائيل، فليست طرفاً محايداً يراقب
اضطراب الجنوب السوري، ولا يمكن اختزال تحركاتها في "مخاوف أمنية" عابرة.
إنها قوة تحتل الجولان السوري، واستغلت انهيار النظام السابق في كانون الأول/ديسمبر
2024 لتوسيع انتشارها العسكري داخل الأراضي السورية، متجاوزة المنطقة العازلة إلى
توغلات في القنيطرة ودرعا. ثم أعلن بنيامين نتنياهو أن الجولان سيبقى جزءاً من
إسرائيل، وطالب في شباط/فبراير 2025 بنزع سلاح الجنوب السوري، محدداً القنيطرة
ودرعا والسويداء بالاسم. بذلك لم تعد إسرائيل تكتفي باحتلال أرض سورية، بل باتت
تطالب بحق تحديد انتشار القوات السورية على أرض سورية أخرى.
تكشف هذه السياسة مشروعاً أخطر من غارة
عابرة؛ إذ عرضت تغطية ميدانية لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل" في آذار/مارس
2025 تصوراً لدوائر أمنية تتدرج من مواقع انتشار قرب الحدود إلى نطاق للعمليات، ثم
"منطقة نفوذ" تمتد نحو السويداء ومشارف دمشق. وما يجعل هذا التصور بالغ
الخطورة أنه يستهدف ممارسة السيادة نفسها: فلا تحتاج إسرائيل إلى إعلان ضمّ
المحافظات الجنوبية كي تنتزع عملياً من دمشق حق تقرير من ينتشر فيها ومن يُمنع من
ذلك.
وفي السويداء اتخذ التدخل الإسرائيلي
وجهاً إضافياً: توظيف شعار حماية الدروز لتبرير ضربات عسكرية، وسط تقارير عن تسليح
فصائل محلية ودعمها. ولا يجوز أن يتحول حق المدنيين الدروز في الحماية إلى ذريعة
تمنح دولة الاحتلال سلطة الوصاية على محافظة سورية. ودروز سوريا ليسوا كتلة سياسية
واحدة، ولا يمثّلهم جميعاً موقف شخصية أو فصيل؛ كما أن رفض توظيف قضيتهم
إسرائيلياً لا ينتقص من حقهم الكامل في الأمن والمواطنة.
ليس أمام سوريا، بعد خمسة عشر عاماً من
الاستنزاف، ترف حرب جديدة. وقد تكون
الدبلوماسية التي تنشط عبر وزير الخارجية أسعد
الشيباني الوسيلة الأكثر عقلانية لشراء الوقت ومنع توسع النار، لكن الوقت لا يصبح
مكسباً إلا إذا استُخدم لبناء أدوات تمنع تكرار الأزمة، لا لمجرد الانتقال من
احتواء ضربة إلى انتظار التالية.
هنا يدخل صوت فكري مختلف: حنّة أرندت
(1906–1975)، المفكرة السياسية الألمانية الأمريكية، التي ميّزت في كتاباتها بين
العنف والقوة السياسية؛ فالعنف قادر على الإكراه والتدمير، أما القوة المستقرة
فتنشأ من قدرة الناس على الفعل المشترك. وفي الحالة السورية، يفتح هذا التمييز
طريقاً ثالثاً بين المغامرة العسكرية والعجز: أن تقترن حماية الحدود بإعادة بناء
المؤسسات والثقة الوطنية، بحيث تستمد الدولة قدرتها من مجتمع يشارك في صياغة
مستقبلها، لا من السلاح وحده.
بهذا المعنى، يحاور تصور أرندت تصور فيبر:
فامتلاك الحق في استخدام القوة داخل الإقليم لا يكفي إن لم تسنده شرعية داخلية،
مثلما لا تكفي الشرعية وحدها إن بقي القرار الأمني رهينة الآخرين. والسيادة
المطلوبة ليست خطاباً حماسياً، بل قدرة تتشكل في الداخل وتُصان في العلاقات
الخارجية.
المسألة لم تعد فقط: هل ترد دمشق أم تصمت؟ بل: كيف تمنع تكرار وضع يجد فيه السوريون أنفسهم أمام تبعات ضربات لم يختاروها؟
لذلك فإن الاختبار العملي للدبلوماسية
السورية يبدأ الآن، بعد الإعلان عن اللجنة الأمنية المشتركة، ولا ينتهي عند مجرد
تشكيلها. فالمطلوب تحقيق يوضح كيف حُددت الأهداف ولماذا سقط المدنيون، وقواعد
تنسيق تحول دون تكرار الضربات المنفردة، وترتيبات تحمي حركة العبور والتجارة في
الأزمات المقبلة. وفي مواجهة التوغلات الإسرائيلية، تحتاج دمشق إلى موقف عربي
ودولي يرفض فرض مناطق نفوذ عسكرية في الجنوب. إنها أهداف أصعب من إصدار بيان،
لكنها أقل كلفة من حرب جديدة.
أظهرت الاتصالات الدبلوماسية السريعة أن
احتواء التوتر ممكن، لكن الاكتفاء بعودة المعبر إلى العمل وصدور بيان مشترك قد
يحجب الدلالة الأعمق: أن قراراً عسكرياً اتُخذ خارج سوريا فرض عليها تداعيات
إنسانية وسياسية واقتصادية. فالمسألة لم تعد فقط: هل ترد دمشق أم تصمت؟ بل: كيف
تمنع تكرار وضع يجد فيه السوريون أنفسهم أمام تبعات ضربات لم يختاروها؟
لعلّ أخطر ما قد تخلّفه الحروب الطويلة
ليس الدمار وحده، بل الاعتياد على أن يُقرَّر الأمن من خارج الحدود. وسوريا التي
لا تحتمل حرباً جديدة تحتاج، في الوقت ذاته، إلى سلام لا يعني التنازل التدريجي عن
حقها في تقرير ما يجري على أرضها. فالسلام الحقيقي ليس أن تنجو البلاد من ضربة
اليوم فحسب، بل ألا يصبح الغد موعداً مفتوحاً لضربة أخرى.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.