لم
نكن نتوقع، ونحن منهمكون في صياغة بيان لعلماء
سوريا وأكاديمييها بشأن العدوان
الإسرائيلي المتواصل على أراضينا، أن تحمل إلينا الساعات نفسها خبراً آخر يضاعف
الألم، ويجعل الكلمات التي نكتبها عاجزة عن استيعاب ما يجري.
كنا
نتنقل بين مسودة البيان ورسائل العلماء والمشايخ، نراجع العبارات، ونتبادل
الملاحظات، ونتابع الأسماء والتوقيعات، حرصاً على أن يخرج البيان معبّراً عن موقف
مسؤول، يليق بأهل العلم ويؤدي شيئاً من واجبهم تجاه وطنهم وأهلهم. وبينما نحن على
تلك الحال، بدأت الأخبار العاجلة تتوالى: طائرات أردنية تقصف الجنوب السوري، وسقوط
ضحايا مدنيين، بينهم أطفال ونساء وشيوخ!
ومن
شدة وقع الخبر علينا، علّق أحد المشايخ قائلاً بمرارة: "يبدو أننا ما إن نخرج
من بيان حتى ندخل في بيان آخر!". عبارة قصيرة، لكنها تختزل جانباً من
مأساة السوريين، حتى باتت الأحداث تتسارع على نحو لا تكاد تواكبها بيانات الإدانة
والاستنكار. ويا للمفارقة المؤلمة! كنا نعد بياناً لإدانة الاعتداءات الإسرائيلية
على أرضنا، فإذا بنا أمام
قصف جديد، هذه المرة من دولة عربية شقيقة، تجمعنا بها
أواصر الدين والقربى والتاريخ والمصير المشترك.
إذا كانت الأجهزة الأمنية قد تمكنت من القبض على المشتبه بهم، فما الضرورة التي اقتضت توسيع العمليات العسكرية إلى داخل الأراضي السورية؟ وما الأدلة التي تربط المواقع المستهدفة بمنفذي الجريمة؟
فالأردن
بالنسبة إلى السوريين ليس مجرد بلد مجاور، وإنما امتداد اجتماعي وإنساني، وبيوت
مفتوحة على بعضها، وعائلات تجمعها روابط القربى والنسب والمصاهرة. وكم احتضن
الأردن من السوريين في محنتهم، وكم وجدوا بين أهله كرم الضيافة ودفء الأخوة! وحين
وقعت الجريمة الإرهابية البشعة في الكرك، تألم السوريون لما أصاب أشقاءهم
الأردنيين، وشاركوهم الحزن والغضب، فالإرهاب الذي يستهدف الأبرياء لا دين له ولا
وطن، ولا يمكن أن يجد له مبرراً عند أصحاب الضمائر الحية.
لكننا
فوجئنا، ونحن لم نكد نخرج من وقع تلك الفاجعة، بغارات أردنية على الجنوب السوري،
أفادت التقارير السورية بأنها أوقعت قتلى وجرحى من المدنيين، بينهم أطفال ونساء. أي
ذنب اقترفه طفل بريء حتى تنتهي حياته بهذه الصورة؟ وأي خطر تمثله امرأة أو شيخ مسن
حتى يكون مصيرهما الموت تحت القصف؟
لقد
أعلن الجانب الأردني أن غاراته استهدفت جماعات إرهابية مرتبطة بجريمة الكرك، وكانت
السلطات الأردنية قد أعلنت القبض على ثلاثة مشتبه بهم في تنفيذ الهجوم. وهنا يبرز
سؤال مشروع: إذا كانت الأجهزة الأمنية قد تمكنت من القبض على المشتبه بهم، فما
الضرورة التي اقتضت توسيع العمليات العسكرية إلى داخل الأراضي السورية؟ وما الأدلة
التي تربط المواقع المستهدفة بمنفذي الجريمة؟
ثم إن
مسألة التنسيق تزيد الأمر التباساً، إذ أكدت دمشق أن العملية نُفذت دون تنسيق مسبق
معها، في مقابل تصريحات أردنية تحدثت عن وجود تنسيق بين الجانبين. ومن حق الشعبين
السوري والأردني معرفة الحقيقة كاملة، بعيداً عن التضارب والغموض.
وإننا،
من منطلق الأخوة والمحبة التي تجمعنا بالأردن، ننتظر من قيادته موقفاً صريحاً
يتجاوز التبريرات العسكرية، ويُظهر تفهّماً لمصابنا ومشاركةً صادقة في أحزاننا،
والاعتراف الرسمي بالخطأ وتحمل المسؤولية عنه متى ثبت وقوعه. كما نطالب بتحقيق جاد
وشفاف في ملابسات القصف، والكشف عن أسبابه ونتائجه، وإنصاف أسر الضحايا وتعويض
المتضررين، وتقديم ضمانات حقيقية تمنع تكرار هذه المأساة.
ولعل
اعتذاراً رسمياً صادقاً من الأشقاء في الأردن، إذا ثبت الخطأ، يواسي قلوب أهالي
الشهداء، ويخفف عنهم شيئاً من كربهم ومصابهم. فالاعتذار، وإن كان لا يعيد روحاً
أُزهقت ولا طفلاً إلى حضن والديه، فإنه يحمل اعترافاً بالألم، ومشاركةً في الحزن،
وإقراراً بحرمة الدماء التي أُريقت. والاعتراف بالخطأ لا ينتقص من مكانة الدول، بل
يعزز الثقة بينها، ويؤكد أن حياة الإنسان وكرامته فوق الحسابات السياسية والعسكرية.
ولا
ينبغي أن نغفل أن المستفيد الأكبر من أي توتر بين سوريا والأردن هو الاحتلال
الإسرائيلي، الذي يواصل اعتداءاته على الأرض السورية، ويسعى إلى استغلال مواطن
الضعف والانقسام في المنطقة. وتزداد مرارة المشهد مع تزامن هذه الأحداث مع
انتخابات الكنيست الإسرائيلي، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى وحدة الموقف
العربي، لا إلى توسيع دائرة الخلافات.
ألا
يكفي السوريين ما يتعرضون له من اعتداءات إسرائيلية متواصلة، استباحت أرضهم
وأجواءهم؟ ألا تكفيهم الجراح التي خلفتها سنوات الحرب والاستبداد، وما لا يزال
يهدد أمنهم من فلول نظام الأسد والتوترات والانقسامات في السويداء وغيرها، حتى
تأتيهم الضربات من أشقاء طالما نظروا إليهم بعين المحبة والثقة؟
أسئلة نطرحها بألم، لا رغبة في تأجيج الخصومة أو الإساءة إلى الأردن وشعبه، الذي نحمل له كل التقدير والمحبة، وإنما حرصاً على ألا تتحول الحدود بين الأشقاء إلى ساحات للموت، وألا يصبح المدنيون ضحايا لحسابات أمنية وعسكرية يمكن معالجتها بالتعاون والتنسيق واحترام السيادة
إننا
لا ننكر على الأردن حقه في حماية أمنه وملاحقة من يهدد استقراره، بل نعد أمنه من
أمننا، واستقراره من استقرارنا. لكن حماية الأمن لا ينبغي أن تكون على حساب دماء
الأبرياء، ولا أن تتحول إلى انتهاك لسيادة دولة شقيقة. قال تعالى: "وَلَا
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (الأنعام: 164). فلا يجوز أن يحمل طفل بريء
وزر مجرم، ولا أن تدفع أسرة آمنة ثمن جريمة لم ترتكبها.
إنها
أسئلة نطرحها بألم، لا رغبة في تأجيج الخصومة أو الإساءة إلى الأردن وشعبه، الذي
نحمل له كل التقدير والمحبة، وإنما حرصاً على ألا تتحول الحدود بين الأشقاء إلى
ساحات للموت، وألا يصبح المدنيون ضحايا لحسابات أمنية وعسكرية يمكن معالجتها
بالتعاون والتنسيق واحترام السيادة.
وما
زلنا نستحضر تلك اللحظات التي كنا نتنقل فيها بين كلمات بيان العلماء وأخبار
الغارات. كنا نبحث عن أدق العبارات لإدانة العدوان على أرضنا، فإذا بالأحداث
تذكرنا بأن المأساة أكبر من أن تختصرها البيانات، وأن مسؤولية الكلمة لا تنتهي عند
نشرها.
إننا
نريد أردناً آمناً مستقراً، كما نريد سوريا آمنة مستقرة، ونريد أن تبقى المحبة بين
الشعبين أكبر من كل حادثة، وأن تكون الجريمة الإرهابية في الكرك، والمأساة التي
أعقبتها في الجنوب السوري، دافعاً إلى مزيد من التعاون لا إلى تعميق الجراح.
صبّر
الله أهل ضحايا الكرك الأبرياء، ورحم شهداءنا في الجنوب السوري، وجبر قلوب ذويهم،
وحفظ سوريا والأردن وشعبيهما من كل سوء.
وليتنا
نصل إلى يوم لا نحتاج فيه إلى كتابة بيان جديد لإدانة غارة جديدة، ولا نستيقظ فيه
على خبر طفل آخر دفع حياته ثمناً لصراع لم يكن له فيه ذنب ولا اختيار.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.