قبل ثلاثة عقود، بدا أن العالم يسير نحو
زمن تتراجع فيه الحدود أمام حركة رأس المال والمعلومات والتكنولوجيا، وأن الدولة
القومية نفسها ستتكيف مع فضاء عالمي أكثر انفتاحاً وتشابكاً. غير أن المشهد الذي
يتشكل اليوم يقول شيئاً مختلفاً؛ فالحدود لم تختفِ بقدر ما غيّرت أدواتها ومواقعها.
لم تعد تُرسم عند المعابر وحدها، بل داخل شبكات البيانات، وسلاسل إنتاج الرقائق،
ومراكز
المعرفة، وفي القدرة على امتلاك
التكنولوجيا والتحكم في شروط إنتاجها.
لذلك، ربما لم يعد السؤال الأكثر دقة: هل
انتهت
العولمة؟ بل: أي عولمة تتشكل الآن؟ فالعالم لا يعود ببساطة إلى ما قبلها،
ولا يمضي في الطريق الذي بشّرت به تسعينيات القرن الماضي. إنه يدخل طوراً يجمع بين
شدة الترابط العالمي وعودة السيادة بأشكال جديدة؛ وكلما أصبح العالم أكثر اتصالاً،
ازدادت المنافسة على امتلاك البنية التي تجعل هذا الاتصال ممكناً.
لقد حملت العولمة وعداً ضمنياً بأن اتساع
الترابط وانتشار التكنولوجيا سيقلصان المسافة بين المركز والأطراف، لكن العقود
اللاحقة كشفت أن الاتصال لا يعني التكافؤ، وأن المشاركة في النظام العالمي لا تعني
بالضرورة المشاركة في تشكيله.
المشكلة لم تكن في الوصول إليها بقدر ما كانت في الاندماج فيها من موقع غير متكافئ: حضور واسع في فضاءات الاستهلاك والتبادل، يقابله حضور أضعف في إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والقواعد التي تنظمهما
ومن هنا تبرز إشكالية موقع العالم
العربي،
فهو لم يكن خارج العولمة؛ دخل أسواقها وشبكاتها ومنصاتها، وانخرط بدرجات متفاوتة
في اقتصادها ومؤسساتها. لكن المشكلة لم تكن في الوصول إليها بقدر ما كانت في
الاندماج فيها من موقع غير متكافئ: حضور واسع في فضاءات الاستهلاك والتبادل،
يقابله حضور أضعف في إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والقواعد التي تنظمهما.
وقد التقط الاقتصادي التركي الأمريكي داني
رودريك (1957-)، أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في جامعة هارفارد وأحد أبرز
الباحثين في العولمة والتنمية، جانباً مبكراً من تناقضات هذا النظام في "معضلة
العولمة الثلاثية"؛ إذ يصعب تعظيم الديمقراطية والسيادة الوطنية والتكامل
الاقتصادي العالمي العميق جميعاً في الوقت نفسه. واليوم تبدو المعضلة أبعد من
التجارة والأسواق؛ لأن معنى السيادة نفسه يتغير، فالقدرة الحاسوبية والبيانات
والرقائق والمهارات والبحث العلمي أصبحت عناصر تحدد قدرة الدول على الفعل داخل
الاقتصاد الجديد.
وهنا يظهر نوع آخر من الحدود؛ حدود لا
تمنع المعرفة من العبور، لكنها تفصل بين من يستطيع تحويلها إلى قدرة، ومن تصل إليه
في صورتها النهائية.
في الاقتصاد الصناعي كان التفاوت أكثر
وضوحاً: طرف يصنع التكنولوجيا والسلعة، وطرف يستوردها. أما في الاقتصاد المعرفي،
فما ينتقل ليس المنتج وحده، بل قد تنتقل معه التصنيفات والمعايير والطرق التي
يُقرأ الواقع من خلالها. وهنا يصبح السؤال أبعد من: من صنع الأداة؟ إلى: أي معرفة
بالعالم جرى تضمينها فيها قبل أن تصل إلينا؟
وقد تناول عالم الاجتماع البريطاني نيك
كولدري (1958-)، المتخصص في الإعلام والسلطة والتحولات الاجتماعية المرتبطة
بالبيانات، والباحث المكسيكي الأمريكي أوليسيس ميخياس (1975-)، المتخصص في الإعلام
والتكنولوجيا والدراسات الرقمية، جانباً من هذه المسألة عبر مفهوم "استعمار
البيانات"، حيث تتحول جوانب متزايدة من الحياة الإنسانية إلى بيانات قابلة
للاستخراج والمعالجة وإنتاج القيمة. ولا تفيدنا الفكرة في إسقاط مفهوم الاستعمار
آلياً على كل علاقة رقمية غير متكافئة، بل في السؤال الذي تفتحه: من يحوّل التجربة
إلى بيانات؟ ومن يصنفها؟ ومن يعيد إنتاجها معرفةً وخدمات؟
وتصبح اللغة العربية مثالاً مهماً هنا؛
فثقلها البشري والثقافي لا يقابله حضور رقمي ومعرفي متناسب معه. والمسألة ليست
دفاعاً رمزياً عن اللغة؛ فاللغة وعاء لتراكم المفاهيم والتجارب والذاكرة، وضعف
تمثيلها في البيئات التي تُبنى عليها تقنيات المستقبل يعني ضعف حضور جزء من
التجربة العربية في المادة التي يتعلم منها العالم الرقمي.وهنا
ربما نواجه انتقالاً من مشكلة استيراد السلعة إلى مشكلة أكثر عمقاً: استيراد
النموذج الذي يصنّف العالم ويقرأه أيضاً.
لكن تصوير العالم العربي بوصفه مستهلكاً
خالصاً لم يعد دقيقاً أيضاً، فقد بدأت دول عربية، ولا سيما قطر والإمارات
والسعودية، الاستثمار بقوة في الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية والبحث وبناء
القدرات المحلية. وفي قطر، على سبيل المثال، وضعت الاستراتيجية الوطنية للذكاء
الاصطناعي معالجة اللغة العربية ضمن أولوياتها، وطوّر معهد قطر لبحوث الحوسبة
بجامعة حمد بن خليفة منصة "فنار" للذكاء الاصطناعي التوليدي المتمحور
حول العربية.
هذه التحولات مهمة لأنها تفتح باباً مختلفاً،
لكنها تطرح سؤالاً أصعب: هل شراء القدرة هو نفسه بناؤها؟
يمكن استيراد الشرائح المتقدمة، وبناء
مراكز البيانات، وعقد الشراكات العالمية في زمن قصير نسبياً، لكن بناء قدرة معرفية
يحتاج إلى منظومة أوسع: جامعة تنتج البحث، وتعليم يؤسس للتفكير العلمي، ومؤسسات
تستثمر في الابتكار، وبيئة تستطيع تحويل المعرفة إلى قيمة ثم إعادة استثمار هذه
القيمة في معرفة جديدة.
لذلك قد يكون من الخطأ أن نصوغ السؤال
العربي بصيغة: كيف نلحق بالذكاء الاصطناعي؟ لأن "اللحاق" يفترض دائماً
مساراً يرسمه الآخر، ثم نقيس نجاحنا بمقدار اقترابنا منه. السؤال الأهم هو: ما
الذي يستطيع العالم العربي أن ينتجه داخل هذا التحول ولا يستطيع الآخرون إنتاجه
بالنيابة عنه؟
هنا يمكن أن تصبح العربية نفسها مورداً
معرفياً، لا مجرد لغة تحتاج إلى تكييف التكنولوجيا معها. ويمكن أن تتحول تحديات المنطقة
في المياه والطاقة والتعليم والمدن والمناخ إلى مجالات لإنتاج حلول ومعارف قابلة
للإضافة إلى الخبرة العالمية، بدل أن تبقى المنطقة سوقاً تنتظر الحلول القادمة من
الخارج.
لم تنتهِ العولمة إذن؛ الذي يتراجع هو بعض التصورات القديمة عنها، فالعالم لم يصبح أقل اتصالاً، لكنه أصبح أكثر وعياً بالسؤال عمّن يمتلك البنية التي يقوم عليها هذا الاتصال
وهذا يتطلب إعادة النظر في معنى السيادة
المعرفية، فهي لا تعني الانفصال عن العالم أو محاولة إنتاج كل شيء محلياً؛ فذلك
مستحيل في اقتصاد شديد التشابك، إنها تعني امتلاك قدر كافٍ من المعرفة والمؤسسات
يسمح بالدخول في علاقات الاعتماد المتبادل من موقع يستطيع أن يختار ويتفاوض ويضيف.
ربما لم تنتهِ العولمة إذن؛ الذي يتراجع
هو بعض التصورات القديمة عنها، فالعالم لم يصبح أقل اتصالاً، لكنه أصبح أكثر وعياً
بالسؤال عمّن يمتلك البنية التي يقوم عليها هذا الاتصال.
ولهذا قد لا تكون أهم حدود النظام ما بعد
المعولم هي تلك التي تفصل دولة عن أخرى، بل الحدود التي تمر بين من يُنتج المعرفة
ومن يتلقى نتائجها، وبين من يضع المعيار ومن يتكيف معه، وبين من يحوّل لغته
وتجربته وأسئلته إلى جزء من معرفة العالم، ومن يرى عالمه ممثلاً في نماذج صنعها
الآخرون.
وبالنسبة إلى العالم العربي، لا تكمن
القضية في الانسحاب من العولمة، بل في إعادة تعريف موقعه داخلها. وربما يكون
السؤال الذي سيحدد هذا الموقع في العقود المقبلة بسيطاً في صياغته وثقيلاً في
نتائجه: حين يُعاد بناء العالم على
المعرفة، هل نريد فقط أن نتعلم كيف نستخدمه، أم أن نشارك في معرفة كيف يُبنى؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.