صدر حديثا للصحفي
التونسي محمد كريشان
كتاب
جديد بعنوان "تونس.. سبع عجاف: قراءة نقدية لحكم قيس سعيّد"، يرصد فيه
التحولات السياسية التي عرفتها تونس خلال السنوات التي تلت صعود قيس سعيّد إلى
الرئاسة، ويقدم قراءة نقدية لمسار البلاد من خلال مقالات ومواقف ومتابعات صحفية
واكبت هذه المرحلة.
ويأتي الكتاب، الصادر سنة 2026 عن المؤسسة
العربية للدراسات والنشر، في وقت ما تزال فيه التجربة التونسية تثير أسئلة واسعة
حول مآلات الانتقال الديمقراطي الذي أعقب ثورة 2011، وحدود التحول السياسي الذي
بدأ مع الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها سعيّد في 25 تموز/يوليو 2021.
ولا يتعامل كريشان، وفق تقديم للكتاب، مع
السنوات السبع بوصفها مجرد فترة زمنية في تاريخ
الحكم التونسي، وإنما باعتبارها
مرحلة سياسية متكاملة تستحق المراجعة والتوثيق والنقد، خصوصا أن الكاتب كان يتابع
تطوراتها منذ بداياتها الأولى.
ويجمع الكتاب مقالات أسبوعية رصدت الرجل
وسياساته منذ الأيام الأولى ومؤشراتها الخطرة، إلى غاية أشهره الأولى في قصر
قرطاج، وصولا إلى انقلاب قاد البلاد من منحدر إلى آخر، فضلا عن المقالات التي
نُشرت طوال سبع سنوات من حكم قيس سعيّد، مع إعادة النظر في بعضها وإعادة صياغة جوانب
منها بما ينسجم مع السياق الذي أنتجت فيه.
ولا يكتفي الكتاب، وفق مقدمته، بتوثيق
الأحداث، بل يحاول أيضا العودة إلى خلفياتها السياسية والاجتماعية، واستعادة بعض
الوقائع التي رافقت مسار تونس منذ الاستقلال، بما يجعل الكتاب أقرب إلى شهادة
صحفية وسياسية ممتدة على مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ البلاد.
من قصر قرطاج إلى "المسار الجديد"
ويحيل عنوان الكتاب، "سبع عجاف"،
إلى تقييم نقدي واضح للمرحلة التي تولى فيها سعيّد إدارة البلاد، وهو تقييم لا
ينفصل عن الجدل المستمر حول ما إذا كانت الإجراءات التي بدأها الرئيس في 25
يوليو/تموز 2021 قد مثلت "تصحيحا لمسار الثورة" كما يقول أنصاره، أم
قطعا مع المسار الديمقراطي الذي تأسس بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي.
وقد أعاد سعيّد تشكيل النظام السياسي
التونسي بصورة عميقة خلال السنوات التالية، بدءا من تجميد عمل البرلمان ثم حلّه،
وإقرار دستور جديد، وصولا إلى إعادة ترتيب المؤسسات السياسية والقضائية
والانتخابية ضمن منظومة رئاسية أكثر تركيزا للسلطة.
وفي هذا السياق، تبدو مقالات كريشان، بحسب
تقديم الكتاب، محاولة لمتابعة تحول الرجل من ظاهرة سياسية صاعدة إلى رئيس يمتلك
أدوات واسعة لإعادة تشكيل الدولة والمجال السياسي، مع التوقف عند المراحل التي
سبقت ذلك والتحولات التي رافقته.
ولا يخفي عنوان الكتاب موقف صاحبه النقدي،
لكنه في الوقت نفسه يضع العمل ضمن تقليد الصحافة السياسية التي تحاول الاحتفاظ
بالوقائع والمقالات واللحظات المفصلية بوصفها مادة أولية لقراءة مرحلة تاريخية
لاحقة.
صحفي يوثق مرحلة من داخلها
وتكتسب الكتابة أهمية إضافية من اسم صاحبها؛
إذ ينتمي محمد كريشان إلى جيل من الصحفيين التونسيين والعرب الذين عاصروا التحولات
الكبرى في المنطقة، وارتبط اسمه لسنوات طويلة بالتغطية السياسية والحوار
التلفزيوني والشأن العربي.
ومن ثم فإن الكتاب لا يقدم نفسه بوصفه دراسة
أكاديمية باردة لحكم سعيّد، وإنما بوصفه قراءة صحفية نقدية متراكمة تشكلت في أثناء
وقوع الأحداث، بما تحمله هذه المقاربة من ميزة القرب من اللحظة السياسية، ومن
احتمال التأثر كذلك بتقلباتها.
وتلك إحدى نقاط قوة الكتاب؛ إذ إن المقال
الصحفي، حين يُجمع بعد سنوات من نشره، يتحول من مادة يومية مرتبطة بخبر أو حدث إلى
وثيقة تكشف كيف كان الحدث يُقرأ في لحظته، وما المؤشرات التي كانت تبدو مهمة
آنذاك، وكيف تغيرت دلالاتها مع مرور الوقت.
أبعد من قيس سعيّد
ولا يبدو أن سؤال الكتاب يقتصر على شخص
الرئيس التونسي، بل يتجاوزه إلى سؤال أكبر يتعلق بتونس نفسها: ماذا بقي من وعود
الثورة التي أطاحت بنظام بن علي؟
فالثورة التونسية التي شكلت شرارة ما عرف
لاحقا بالربيع العربي لم تكن مجرد تغيير لرأس السلطة، وإنما حملت مطالب تتعلق
بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية. وبعد أكثر من عقد ونصف على
تلك اللحظة، أصبحت البلاد أمام مفارقة تاريخية: نظام سياسي كان ينظر إليه باعتباره
أحد أبرز نجاحات الربيع العربي وجد نفسه أمام مسار جديد يعيد ترتيب قواعد اللعبة
السياسية والمؤسساتية.
ومن هنا يمكن قراءة "سبع عجاف"
باعتباره محاولة للإجابة عن سؤالين متلازمين: كيف وصلت تونس إلى 25 يوليو 2021؟
وماذا حدث للبلاد بعد ذلك؟
وهي أسئلة لا تنفصل عن الأزمات الاقتصادية
والاجتماعية التي ظلت تضغط على المجتمع التونسي، وعن ضعف الأحزاب وتراجع الثقة في
المؤسسات المنتخبة، والصراع بين الرئاسة والبرلمان والحكومة، ثم انتقال مركز
القرار السياسي بصورة متزايدة إلى مؤسسة الرئاسة.
وقد سبق أن ارتبط تعبير "سبع سنوات
عجاف" في النقاش العربي بقراءات لمآلات الثورات العربية وتعقيداتها، بما
يحمله التعبير من إحالة إلى سنوات القحط والاختبار الطويل؛ وهو ما يمنح العنوان
بعدا رمزيا يتجاوز الحساب الزمني المباشر.
الكتاب بوصفه شهادة صحفية
ومن أبرز ما يلفت في الكتاب أنه يعيد نشر
مقالات كُتبت في أزمنة سياسية مختلفة، مع مراجعة بعضها وإعادة صياغة جوانب منها.
وهذا يجعل العمل في الوقت نفسه أرشيفا صحفيا وقراءة سياسية.
فالصحفي الذي يكتب أثناء الحدث يرى تفاصيل
قد تختفي في الكتب اللاحقة: لغة الخطاب، مواقف الفاعلين، ردود فعل الشارع،
التحولات الصغيرة في سلوك السلطة والمعارضة، والإشارات المبكرة التي قد لا تبدو
ذات قيمة في لحظتها، قبل أن يكشف الزمن أهميتها.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى كتاب
كريشان باعتباره محاولة لحفظ ذاكرة مرحلة تونسية لا تزال مفتوحة على التأويل، وليس
مجرد إصدار سياسي ظرفي.
فـ "سبع عجاف" لا يطرح فقط سؤال
الحكم على سنوات قيس سعيّد، بل يعيد فتح النقاش حول التجربة التونسية برمتها:
الثورة، والديمقراطية، والأحزاب، والدولة، والانتخابات، والسلطة، والحرية،
والعدالة الاجتماعية، وما إذا كان التونسيون قد خرجوا فعلا من مرحلة الاستبداد أم
أنهم انتقلوا إلى صيغة أخرى من إدارة المجال السياسي.
وبذلك يأتي الكتاب في لحظة تبدو فيها الحاجة
إلى مراجعة التجربة التونسية أكبر من مجرد تسجيل المواقف المتعارضة حول قيس سعيّد؛
إذ إن فهم السنوات الأخيرة يظل، في نهاية المطاف، جزءا من محاولة فهم السؤال
الأوسع الذي طرحته ثورة 2011: كيف يمكن لبلد أشعل شرارة الحرية في العالم العربي
أن يحافظ على الحرية وهو يعبر أزماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟
ويبدو أن محمد كريشان اختار أن يترك إجابته
في صورة سبع سنوات من المقالات والشهادات والقراءة النقدية، واضعا القارئ أمام
مرحلة لا تزال فصولها السياسية لم تُغلق بعد.