المولد النبوي: "مراحل مفصلية في حياة خير البرية ﷺ" (1-3)

محمد الصغير
"حبب إلى رسول الله ﷺ الخلوة للتعبد والتحنث في غار حراء"- واس
"حبب إلى رسول الله ﷺ الخلوة للتعبد والتحنث في غار حراء"- واس
شارك الخبر
مع هلال شهر ربيع الأول من كل عام هجري، تتجدد ذكرى ميلاد رسول اللهﷺ، والتي كانت في عام الفيل سنة 571 ميلادية، والمتفق عليه أنه كان يوم الاثنين في الفترة من الثامن حتى الثاني عشر من ربيع الأول، والأشهر بين الناس يوم الثاني عشر. وقد ذكر الأستاذ محمد الخضري صاحب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين، عن محمود باشا الفلكي (عالم فلكي مصري، له باع في الفلك والجغرافيا والرياضيات وله كتب وأبحاث، توفي عام 1885م)، أن ذلك كان صبيحة يوم الاثنين، تاسع ربيع الأول الموافق لليوم العشرين من نيسان/ أبريل ، سنة 571 من الميلاد (ص 9)، واعتمد ذلك أيضا العلامة صفي الرحمن المباركفوري في كتابه "الرحيق المختوم" (ص 41).

وبعيدا عن جدل أصحاب الآراء المختلفة حول حكم الاحتفاء بمولد رسول الله ﷺ والطريقة اللائقة لذلك، أردت في هذه المناسبة العطرة، أن أذكّر بمراحل مفصلية في حياة خير البرية ﷺ، نستلهم منها الدروس والعبر في واقعنا المعاصر، مستدعيا بعض ما وقفت عليه من ذلك، في كتابي الذي صدر حديثا تحت عنوان "في ظلال السيرة المحمدية"، وقسمتها فيه إلى ثلاث مراحل كبرى:

المرحلة الأولى: من نبعته إلى بعثته

المرحلة الثانية: من بعثته إلى هجرته

المرحلة الثالثة: من هجرته إلى وفاته.

من أهم ما استوقفني في مرحلة ما بعد ميلاده ﷺ، أن أسرته طلبت له المراضع في البادية على عادة عرب الحضر وقتئذ.

أولا: رضاعته في البادية

كان أهل مكة وغيرها من القرى لا يرون التنشئة في الحضر بيئة صحية لأولادهم، ولا تعطيهم اللغة في كامل فصاحتها، لما فيها من وفود التجار والحجاج، وتداخل اللهجات واللغات المختلفة، فكانت البوادي أسلم من الأمراض المتوطنة، وأفصح لسلامة اللسان من اللحن، فكانوا أكثر حرصا على ذرياتهم من نخبة المسلمين الذين يسلمون أولادهم إلى مدارس أجنبية اللسان والمعتقد، والتي نيط بهت تحقيق ما فشل فيه الاحتلال العسكري.

أسعدت الأقدار بني ساعدة، حيث أخذت حليمة بنت أبي ذؤيب وزوجها الحارث بن عبد العزى، طفل قريش اليتيم، الذي كان في كفالة جده عبد المطلب؛ شيخ قريش ومُقَدمها. وأدركت حليمة السعدية مع زوجها أبي كبشة أنهما أخذا نسمة مباركة، بل وشاهد من معهما في القافلة تبدل حالهما وصلاح أمرهما من ساعتها، لذا كانت السيدة حليمة جد حريصة على استبقاء الطفل المبارك وعدم تسليمه في الوقت المعتاد، واستطاعت أن تظفر بذلك.

وبدأ مع إخوته من الرضاعة أولى خطواته في رعاية الغنم وسياستها، واستمر على ذلك عند عودته إلى مكة، كما في رواية أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: "ما بعَثَ الله نبيّاً إلا رعى الغنمَ"، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: "نعم، كنت أرعاها على قراريطَ لأهلِ مكةَ" (رواه البخاري).

وذكر العلماء في شرح الحديث فوائد جمة في رعاية الغنم كتعليم الصبر، والتدريب على القيادة وتحمل المسؤولية، والرفق بالرعية.

ثانيا: السفر للتجارة

بعد وفاة عبد المطلب انتقلت كفالة حفيده محمد بن عبد الله إلى عمه أبي طالب، الذي كان نموذجا فريدا في تاريخ العرب، حيث أولى ابن أخيه عناية فائقة، شاركته فيها زوجه فاطمة بنت أسد الهاشمية، أم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعاشت حتى نبئ رسول الله ﷺ فآمنت به وهاجرت إليه، وباشر رسول الله ﷺ دفنها بنفسه.

وكان أبو طالب حريصا على تدريب ابن أخيه وتعليمه وفتح مداركه وتنمية مهاراته، فلما بلغ عمر الثانية عشرة اصطحبه في رحلة التجارة إلى الشام، بعيدا عن البيت والحفاوة، وخروجا عن محيط إقامته ليبدأ رحلة الاعتماد على نفسه، ولم تكن رحلة ترفيهية نظرا لوجود عمه على رأس القافلة، وإنما كانت تسند إليه الأعمال التي تتناسب معه. ويظهر هذا من سؤال بحيرا الراهب لما استضافهم عمن خلفوا في رحالهم؟ فقال أبو طالب ذاك ابني يحرس الرحل، فلما تفرسه الراهب وظهر له من أمارات النبوة، قال ما ينبغي أن يكون لهذا الولد أب حي، فقال أجل هو ابن أخي، فبشره بأنه نبي آخر الزمان وإننا نجد علامته في كتبنا، مبعثه مكة ومهاجره يثرب وملكه بالشام -وقد كان- وخوفه عليه من اليهود ودعاه للعودة به إلى مكة ففعل.

ثالثا: حرب الفجار

كانت بين قريش وكنانة ضد قيس عيلان، وسميت بذلك لما وقع فيها من بغي وفجور، وشهدها رسول الله ﷺ مع أعمامه وكان في عمر الخامسة عشرة كما ذكر ابن هشام في سيرته، وروى عن رسول الله ﷺ أنه كان ينبل عن أعمامه، أي يناولهم النبل أو يجمعه لهم، وبذلك يكون أبو طالب قد نقل ابن أخيه من التدريب على التجارة والسفر إلى ميدان القتال والمشاركة في أجواء الحرب، لأن الفتى الذي يُخشى عليه من كل شيء، سيكبر معه الخوف ويصبح خائفا من كل شيء.

رابعا: حلف الفضول

من ساحة القتال إلى ميدان السياسة ومجالس الكبار، حيث كان رسول الله ﷺ في العشرين من عمره، وأخبر عن هذا الحدث بنفسه فقال: "لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان، ما أحبّ أن لي به حمر النعم" (رواه أحمد)، يعني حلف الفضول الذي قام لنصرة المظلوم وإعادة الحقوق إلى أهلها، يستوي في ذلك أهل مكة وزائروها وعُمّارها، وردع الظالم حتى يعود عن ظلمه، يستوي في ذلك الشريف والوضيع. وأبرز من دعا إليه الزبير بن عبد المطلب الهاشمي وهو القائل:

إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا   ألا يقيم ببطن مكـة ظالـم
أمـر عليـه تعاهـدوا وتواثقـوا   فالجار والمعترّ فيهم سالم

خامسا: الزواج من خديجة

عمل رسول الله ﷺ في تجارة خديجة، ونقل لها غلامها ميسرة من أحوال محمد بن عبد الله وصدقه وأمانته، مما جعلها ترى الاقتران به بركة على نفسها ومالها، وخطبها أبو طالب لابن أخيه وأنجب منها رسول الله ﷺ أولاده وبناته، ولم تلد له من أمهات المؤمنين سواها، إلا إبراهيم فكان من مارية المصرية، ومع أول كسب لرسول الله ﷺ من التجارة بدأ برد الجميل، فدعا عمه العباس لمساعدة أبي طالب في عياله فأخذ العباس جعفرا، وأخذ هو عليا في كفالته، ثم بادر إلى الزواج وتخصيل السكن.

سادسا: بناء الكعبة

في عمر الخامسة والثلاثين وبعد العمل في التجارة ومعاملة أهل مكة أطلقوا على رسول الله ﷺ لقب الصادق الأمين، وهذا الذي أهّله لحسم الخلاف بينهم، عمن يأخذ شرف وضع الحجر في مكانه، وهم يعيدون رفع قواعد الكعبة بعدما هدمتها السيول، وعندما احتدم الخلاف اتفقوا على تحكيم أول داخل عليهم فكان رسول الله ﷺ، فقالوا رضينا بالصادق حكما، فأشركهم جميعا في رفع أطراف الثوب الذي وضع فيه الحجر، ثم وضعه بيده الشريفة في مكانه، وروت كتب السير أن قريشا لم تضع في بناء الكعبة درهما من ربا أو ميسر، تنزيها لبيت الله الحرام، والآن يتفاخر من جمع أمواله من الحرام بتكرار الحج والعمرة !

سابعا: التحنث في حراء

في هذه المرحلة حبب إلى رسول الله ﷺ الخلوة للتعبد والتحنث في غار حراء، وكان يمكث الليالي ذوات العدد، ثم يعود ليتفقد بيته ويتزود لمثلها، حتى نزل عليه جبريل وهو في تمام الأربعين، وبعدها تفجرت ينابيع العلم والهداية، واتصلت الأرض بالسماء برباط الوحي المبين، وأشرقت أنوار الرسالة المحمدية على العالمين، وختمت النبوة بسيد ولد آدام وإمام الأنبياء والمرسلين.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)