حذر الباحث السياسي في مؤسسة "راند" ألكسندر ستارك من الاستهانة بقدرات جماعة الحوثي في
اليمن، معتبرا أن الجماعة باتت تملك من الأدوات والموقع الجغرافي ما يمكنها من التأثير بصورة كبيرة في أي مرحلة جديدة من المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.
وقال ستارك، في مقال نشرته صحيفة "
نيويورك تايمز"، إن
الحوثيين كانوا قبل سنوات يصنفون ضمن القوى الثانوية في ما يعرف بـ"محور المقاومة" المرتبط بإيران، وهو ما دفع صناع القرار إلى التعامل معهم أساسا باعتبارهم وكلاء لطهران.
لكن الباحث يرى أن هذا التوصيف بات قاصرا، مشيرا إلى أن الحوثيين، رغم استفادتهم من الأسلحة والتدريب والخبرات
الإيرانية، حافظوا على مصالحهم الخاصة واتخذوا قراراتهم في كثير من الأحيان وفقا لحساباتهم المحلية والإقليمية.
ويحذر ستارك من أن الجماعة قد تصبح عاملا حاسما في حال تجدد الحرب بين واشنطن وطهران، ولا سيما إذا قررت إعادة فرض حصار على مضيق
باب المندب، بما قد يهدد الملاحة الدولية ويعقد أي مساع للتوصل إلى تسوية مع إيران.
الحوثيون.. قوة صمدت رغم الضربات
يشير الباحث إلى أن أحد الافتراضات الرئيسية التي استندت إليها الحملة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران كان أن الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران أصبحت ضعيفة إلى حد كبير.
فقد تعرض "حزب الله" لضربات إسرائيلية قاسية، وكذلك حركة حماس، فيما فقدت إيران أحد أهم حلفائها في المنطقة بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا.
كما تعرض الحوثيون بدورهم لضربات أمريكية خلال عامي 2024 و2025، ما دفعهم، بحسب ستارك، إلى عدم الانخراط المباشر في الحرب عندما بدأت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران هذا العام، خشية التعرض لضربات جديدة.
لكن الكاتب يرى أن الحوثيين ربما كانوا يحتفظون بقدراتهم بانتظار اللحظة المناسبة للعودة إلى التصعيد.
باب المندب.. ورقة الحوثيين الأخطر وتستمد جماعة الحوثي جزءا كبيرا من قوتها الحالية من الموقع الجغرافي لليمن، المطل على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
اظهار أخبار متعلقة
ويشير ستارك إلى أن ما بين 12 و15 بالمئة من التجارة البحرية العالمية يمر عبر هذا الممر، فيما ترتبط حركة الملاحة فيه بقناة السويس، التي تمثل ممرا رئيسيا لشحنات النفط والغاز إلى أوروبا وأمريكا الشمالية.
ومع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، يكتسب طريق البحر الأحمر وقناة السويس أهمية إضافية، ما يجعل قدرة الحوثيين على تهديد باب المندب ورقة ضغط استراتيجية ذات تأثير يتجاوز حدود اليمن.
ويرى الباحث أن الجماعة أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على استخدام وسائل منخفضة التكلفة، من بينها الطائرات المسيرة الهجومية والصواريخ والقوارب، لتعطيل حركة السفن ورفع مخاطر الملاحة التجارية.
وخلال موجة الهجمات التي امتدت بين 2023 و2025، اضطرت شركات شحن إلى تغيير مساراتها والدوران حول رأس الرجاء الصالح، ما أضاف آلاف الأميال البحرية إلى الرحلات ورفع تكاليف النقل والتأمين.
هجمات جديدة تعيد التهديد إلى الواجهة
ويشير ستارك إلى أن الحوثيين استأنفوا خلال الشهر الماضي هجماتهم على الملاحة في البحر الأحمر، واستهدفوا ناقلات وسفنا تجارية مرتبطة بالسعودية، إلى جانب ضرب منشآت مرتبطة بقطاعي الطاقة والنقل.
وجاءت بعض هذه الهجمات، وفق رواية الجماعة، ردا على غارات سعودية استهدفت مدرج مطار صنعاء في 13 تموز/يوليو٬ في محاولة لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، بحسب ما ورد في المقال. ورغم استمرار عبور السفن التجارية في البحر الأحمر، شهدت حركة ناقلات النفط تراجعا ملحوظا خلال الفترة الأخيرة.
كما تواصلت الهجمات على سفن تصفها الجماعة بأنها مرتبطة بالسعودية، فيما أدى هجوم وقع في 12 آب/أغسطس على سفينة شحن إلى سقوط أول خسائر بشرية معلنة في الجولة الجديدة من التصعيد.
وفي الأيام الأخيرة، أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجمات استهدفت سفنا قرب ميناء المخا على البحر الأحمر، الخاضع لسيطرة قوات موالية للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، إلى جانب أهداف مرتبطة بالمطارات والبنية التحتية النفطية في السعودية.
ويحذر ستارك من أن تزامن إغلاق مضيق هرمز مع احتمال تعطيل الملاحة في باب المندب سيخلق أزمة أكبر بكثير من تلك التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال جولات التصعيد السابقة. ويشير إلى أن السعودية حاولت تجاوز الاعتماد على مضيق هرمز عبر نقل النفط الخام بواسطة خط أنابيب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، إلا أن هجمات الحوثيين الأخيرة قد تعرقل هذا البديل أيضا.
وبحسب الباحث، فإن إغلاق كل من مضيق هرمز وقناة السويس أو تعطيل حركة الملاحة في باب المندب بصورة واسعة قد يرفع أسعار النفط ويزيد الضغوط التضخمية ويضاعف اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
اظهار أخبار متعلقة
ليسوا مجرد وكلاء لإيران
ويرفض ستارك اختزال تحركات الحوثيين في كونها مجرد تنفيذ لأوامر إيرانية، مؤكدا أن العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيدا. ويشير إلى أن الجماعة أظهرت خلال السنوات الماضية قدرة واضحة على اتخاذ قراراتها انطلاقا من مصالحها الخاصة، مع اتباع نهج براغماتي في التعامل مع الصراعات الإقليمية والدولية.
فخلال الهجمات التي شنوها على الملاحة في البحر الأحمر بين عامي 2023 و2025، قدم الحوثيون تحركاتهم على أنها وسيلة للضغط على إسرائيل بسبب الحرب على غزة.
لكن ستارك يرى أن تلك الهجمات حققت لهم أيضا مكاسب داخلية، إذ عززت موقعهم السياسي والشعبي في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وحولت الاهتمام بعيدا عن إخفاقاتهم في إدارة تلك المناطق.
ويرى الباحث أن الحوثيين قد ينظرون إلى الظروف الحالية باعتبارها فرصة لتعزيز موقعهم في أي مفاوضات مع السعودية بشأن التسوية السياسية في اليمن، أو لاستئناف الضغط العسكري على الحكومة اليمنية المدعومة دوليا.
ويحذر من أن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لا يعني بالضرورة أن الحوثيين سيتوقفون عن التصعيد، أو أن طهران ستكون قادرة وحدها على ضبط خيارات الجماعة. ويقول إن الحوثيين يملكون هامشا واسعا للتحرك بصورة مستقلة، خصوصا عندما يرون أن التصعيد يخدم مصالحهم السياسية أو العسكرية.
كانت اضطرابات الملاحة التي نجمت عن هجمات الحوثيين خلال الفترة بين 2023 و2025 مؤثرة على حركة التجارة الدولية، رغم أن آثارها الاقتصادية على التضخم العالمي بقيت محدودة نسبيا.
لكن ستارك يرى أن الوضع مختلف حاليا، لأن اضطراب باب المندب بالتزامن مع إغلاق أو تعطل مضيق هرمز يمكن أن يخلق ضغطا اقتصاديا أكبر بكثير، خصوصا على أسواق الطاقة والشحن والتأمين.
كما أن تجدد القتال في اليمن قد يؤدي إلى توريط السعودية بصورة أكبر في الصراع، ويجعل الحرب الإقليمية أكثر تعقيدا في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة البحث عن مخرج من المواجهة مع إيران.
اظهار أخبار متعلقة
لا يكفي التفاوض مع إيران
ويخلص ستارك، مؤلف كتاب "النموذج اليمني"، إلى أن تهدئة التوتر الإقليمي لن تكون ممكنة، من وجهة نظره، من دون التعامل مباشرة مع التهديد الذي تمثله جماعة الحوثي.
ويحذر من افتراض أن الجماعة ستلتزم تلقائيا بأي اتفاق يتم التوصل إليه بين واشنطن وطهران، أو أن إيران ستكون قادرة أو راغبة في فرض قيود كاملة على تحركاتها. ويرى أن المجتمع الدولي بحاجة إلى التعامل مع الحوثيين باعتبارهم طرفا مستقلا، براغماتيا وخطيرا، يتخذ قراراته بناء على مصالحه الخاصة، وليس مجرد قوة تنفذ توجيهات طهران.
وفي حال قرر الحوثيون توسيع تدخلهم مجددا، فإن باب المندب قد يتحول إلى إحدى أكثر نقاط الصراع حساسية، بما يفتح جبهة جديدة تتجاوز حدود اليمن وتنعكس مباشرة على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة والجهود الرامية إلى إنهاء المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.