يرى منتقدون للرئيس الأمريكي دونالد
ترامب أن سياسته الخارجية خلال ولايته الثانية تتجه نحو مزيد من الارتباك والتقلب، في ظل تراجع عن تهديدات سابقة، وتصعيد تجاه حلفاء تقليديين، ومحاولات لإعادة بناء علاقات مع قادة خصوم واشنطن، من دون تحقيق نتائج واضحة في الملفات التي يخوض فيها مواجهات دبلوماسية وعسكرية.
وفي تحليل نشرته شبكة "
سي إن إن"، قال ستيفن كولينسون إن انتهاء المهلة التي حددها ترامب في مذكرة التفاهم مع إيران، والتي انهارت عمليا منذ فترة، لم يسفر عن اتفاق نووي أو تسوية تعزز رواية الرئيس بشأن الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة ضد طهران، بل تزامن مع تصعيد في علاقاته مع بعض حلفاء واشنطن وإعادة فتح قنوات التواصل مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.
وفي هذا السياق، أعلن ترامب تقليص المناورات العسكرية الأمريكية مع
كوريا الجنوبية، الحليف التقليدي لواشنطن منذ خمسينيات القرن الماضي، مبررا ذلك بارتفاع التكلفة، وبموقف سيئول من الحرب على إيران، إلى جانب رغبته في تجنب استفزاز كيم، الذي وصفه الرئيس الأمريكي بأنه "طاغية".
عمان وكوريا الجنوبية.. رسائل متناقضة للحلفاء
ولم يقتصر الأمر على كوريا الجنوبية، إذ هدد ترامب، الاثنين الماضي، بقصف سلطنة عمان، على خلفية جهودها للتفاوض مع إيران من أجل إعادة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
والمفارقة، بحسب كولينسون، أن إعادة فتح المضيق كانت في السابق جزءا من الشروط المرتبطة بمذكرة التفاهم مع طهران، والتي سبق لترامب أن وصفها بأنها أعظم اتفاق سلام في الشرق الأوسط على الإطلاق.
ونقلت "سي إن إن" عن الأميرال المتقاعد في البحرية الأمريكية جيمس ستافريديس قوله إنه لا يفهم سبب التقارب مع كيم جونغ أون، كما لا يفهم التهديد بقصف سلطنة عمان، معتبرا أن هذه التصرفات تتعارض مع ما يفترض أن تفعله الولايات المتحدة في المرحلة الراهنة.
اظهار أخبار متعلقة
ويرى كولينسون أن التعامل مع عمان وكوريا الجنوبية لا يمثل مجرد مجموعة من الحوادث المنفصلة، وإنما يعكس نهجا أوسع في السياسة الخارجية الأمريكية، يقوم على تقليص دور الدبلوماسيين والخبراء، والاعتماد بدرجة كبيرة على حدس الرئيس وحساباته الشخصية في إدارة العلاقات الدولية.
ويقول الكاتب إن حالة الاضطراب تبدو متزايدة، مستشهدا بتحركات جاريد كوشنر، صهر ترامب، في الشرق الأوسط بهدف محاولة إنقاذ خطة بشأن غزة وصفها الرئيس الأمريكي سابقا بأنها "هائلة"، وتتضمن نزع سلاح حركة حماس وانسحاب إسرائيل من القطاع، رغم ما يحيط بالخطة من تعقيدات استراتيجية بين إسرائيل وحماس.
وفي الداخل الأمريكي أيضا، تتواصل الخلافات التجارية مع كندا، وسط عدم التوصل إلى اتفاق يحول دون فرض ترامب رسوما جمركية بنسبة 50 بالمئة على الواردات الكندية. ويأتي ذلك بعدما ألغى ترامب في ولايته الثانية اتفاق التجارة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، الذي كان قد وصفه خلال ولايته الأولى بأنه "أهم اتفاق تجاري على الإطلاق".
سياسة تقوم على عدم القدرة على التنبؤ
ويصف كولينسون نهج ترامب بأنه نموذج مختلف للسياسة الخارجية، يقوم على شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا"، وعلى استخدام عدم القدرة على التنبؤ باعتباره أداة تفاوضية، إلى جانب اللجوء المتكرر إلى التهديدات والضغط المباشر.
وبحسب التحليل، ينظر ترامب إلى قادة الدول من زاوية علاقته الشخصية بهم، أكثر من اعتماده على طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ودولهم. كما يراهن على أن إقامة علاقات مباشرة مع القادة الأقوياء يمكن أن تحقق نتائج لا تستطيع الدبلوماسية التقليدية الوصول إليها.
وفي الوقت نفسه، لا ينظر ترامب إلى التحالفات الأمريكية التقليدية باعتبارها أدوات لتعزيز النفوذ الجماعي لواشنطن، وإنما يتعامل معها بصورة أقرب إلى الصفقات، بحيث يتعين على الحلفاء تحمل كلفة أكبر مقابل استمرار الحماية الأمريكية.
وقال ترامب، خلال تجمع انتخابي في لونغ آيلاند، إن الولايات المتحدة "تحظى بالاحترام مجددا في كل أنحاء العالم"، مؤكدا أن مستوى الاحترام الذي تحظى به بلاده غير مسبوق.
لكن منتقديه يرون أن التذبذب المتزايد في مواقف الإدارة قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، تتمثل في تراجع الثقة الدولية بالولايات المتحدة.
ونقلت "سي إن إن" عن كريستوفر هيل، المسؤول السابق في وزارة الخارجية والسفير الأمريكي السابق، قوله إن ترامب كان قد بنى خلال ولايته الأولى سجلا من عدم القدرة على التنبؤ، لكنه يتجه في ولايته الثانية إلى ترسيخ سجل من "عدم الموثوقية"، وهو أمر يراقبه العالم بأسره.
اظهار أخبار متعلقة
إيران تكشف حدود القوة الأمريكية
ويظهر هذا التحدي، بحسب كولينسون، بصورة أوضح في الملف الإيراني. فعلى الرغم من تأكيدات الإدارة الأمريكية أنها وجهت ضربات ألحقت أضرارا كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية، فإن ترامب لا يزال يواجه صعوبة في إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب، خصوصا فيما يتعلق بضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.
ويشير التحليل إلى أن إيران تستعد لجولة جديدة من المواجهة، فيما نقلت "وول ستريت جورنال" أن طهران استغلت فترة الهدوء النسبي لتكثيف إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة.
ويرى كولينسون أن ذلك يضع علامات استفهام حول مدى نجاح الاستراتيجية الأمريكية، خصوصا أن واشنطن لم تتمكن حتى الآن من تحقيق الهدف الذي وضعته أمامها بشأن استقرار الوضع بعد الحرب.
ويمتد نهج ترامب إلى شبه الجزيرة الكورية أيضا، حيث يربط الرئيس الأمريكي موقفه من كوريا الجنوبية بالحرب على إيران.
وقال ترامب إنه، رغم وجود آلاف الجنود الأمريكيين في كوريا الجنوبية، فإن الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ اختار عدم الانخراط في الحرب ضد إيران، متسائلا عن سبب استمرار الولايات المتحدة في مساعدة سيئول.
ويثير هذا الموقف تساؤلات، خصوصا أن كوريا الجنوبية مطالبة بدفع أكثر من مليار دولار لدعم القوات الأمريكية المتمركزة على أراضيها، فيما أشاد وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث بها مؤخرا باعتبارها نموذجا في تقاسم الأعباء.
ويرى كولينسون أن ترامب قد يكون بصدد إساءة تقدير المشهد في كوريا الشمالية، تماما كما أخطأ، وفق منتقديه، في تقدير الظروف التي سبقت الحرب مع إيران.
ففكرة وجود علاقة استثنائية بين ترامب وكيم جونغ أون تتناقض مع حصيلة قمم الولاية الأولى، التي حققت صورا ولقاءات لافتة، لكنها لم تسفر عن نتائج ملموسة في ملف نزع السلاح النووي.
ومنذ ذلك الوقت، واصلت كوريا الشمالية تطوير برامجها النووية والصاروخية، كما عمقت علاقاتها مع
روسيا والصين، وهما من أبرز خصوم الولايات المتحدة.
ويشير التحليل إلى أن بيونغ يانغ قدمت كميات كبيرة من الذخائر إلى روسيا خلال حربها في أوكرانيا، كما أرسلت أكثر من عشرة آلاف جندي، إلا أن ذلك لم يمنع ترامب من الإشادة بعلاقته الشخصية مع كيم.
وقال ترامب إن كيم لطالما عامله باحترام، وإنهما "يفهمان بعضهما"، مضيفا أنه على علاقة جيدة جدا بالزعيم الكوري الشمالي.
اظهار أخبار متعلقة
بوتين وشي.. علاقات شخصية بلا مكاسب حاسمة
ولا يقتصر رهان ترامب على العلاقات الشخصية على كيم جونغ أون، إذ سبق أن حاول بناء علاقات مماثلة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الصيني شي جين بينغ.
لكن، وفقا للتحليل، لم يتمكن بوتين من الالتزام بخطة ترامب لإنهاء الحرب في أوكرانيا، بينما تمكن شي من التفوق على الرئيس الأمريكي في الحرب التجارية بين البلدين.
ويرى كولينسون أن تكرار التهديدات الأمريكية ثم التراجع عنها، خصوصا في الملف الإيراني، ألحق ضررا بمصداقية واشنطن.
كما وصلت العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا إلى واحدة من أكثر مراحلها توترا منذ الحرب العالمية الثانية، فيما أثارت الضغوط على كوريا الجنوبية تساؤلات أوسع بشأن مدى التزام واشنطن بتحالفاتها في شرق آسيا.