انكسار وتآكل في مختلف الجبهات.. هل انتهى مشروع حميدتي في السودان؟

من التمدد إلى الانكماش.. كيف تآكل نفوذ الدعم السريع بعد أكثر من 3 سنوات على حرب السودان؟ - الدعم السريع
من التمدد إلى الانكماش.. كيف تآكل نفوذ الدعم السريع بعد أكثر من 3 سنوات على حرب السودان؟ - الدعم السريع
شارك الخبر
خلف ستار الخطابات الحماسية والمسيرات التي تطلقها قوات الدعم السريع هنا وهناك، يختبئ واقع تنظيمي وعسكري يعاني من تآكل متسارع، فالقوات التي يصفها كثير من السودانيين بـ"المليشيا" والتي باغتت الدولة السودانية بانتشارها الكثيف، باتت اليوم تتراجع في مختلف الجبهات وتعاني انشقاقات شبه يومية طالت حتى مستوياتها القيادية.

ومع استمرار توثيق المجتمع الدولي لجرائم التطهير العرقي المروعة، تتهاوى السردية السياسية التي بناها "حميدتي"، لتتحول القوة الضاربة التي أرعبت الخرطوم إلى عبء ثقيل يمزق نفسه من الداخل قبل أن تلتهمه نيران الجبهات.

بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب لم تعد الخرطوم ومدن الوسط والشمال مسرحا لعمليات نزهة سريعة بالنسبة لقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى جبهات استنزاف دفعت قوات حميدتي للانكفاء التدريجي نحو معاقلها التقليدية في الإقليم الغربي.

مسيرات تكتيكية

لا يزال قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بـ "حميدتي" يحاول تصدير صورة "الرجل القوي"، حيث يطل من حين لآخر عبر منصات التواصل ويصدر قرارات إدارية، في حين تكثف آلته الإعلامية بث مسيرات تكتيكية لضرب أهداف هنا وهناك.

لكن متابعين يعتبرون ذلك مجرد محاولات حثيثة لتقديم صورة للسودانيين ودول الجوار بأن "قوات الدعم السريع" لا تزال رقما صعبا لا يمكن تجاوزه.

اظهار أخبار متعلقة



غير أن القراءة المتأنية للوقائع الميدانية والسياسية تكشف عن حقيقة مغايرة، فقائد "الدعم السريع" حميدتي، يعيش اليوم أشد لحظات ضعفه منذ مغامرته العسكرية في نيسان/أبريل 2023، إذ أن القوة التي كانت تحكم قبضتها على مفاصل العاصمة، وتعطل الملاحة الجوية، وتبسط نفوذها حتى تخوم الشمال والشرق، تجد نفسها اليوم في حالة انكماش نحو قواعدها الخلفية في الغرب.

تصاعد العزلة الدولية

في الأشهر الأولى من الحرب التي خلفت آلاف الضحايا، حظي حميدتي بغطاء إقليمي ودعم سياسي من عواصم راهنت على قدرته في حسم المعركة سريعا ليكون الحاكم الفعلي للسودان، شمل ذلك تمويلا سخيا، وإسنادا دبلوماسيا سعى لنزع الشرعية عن مؤسسات الدولة والجيش.

لكن رياح الميدان جرت بما لا تشتهي سفن الداعمين، فمع استعادة الجيش لزمام المبادرة وتوسيعه لنطاق سيطرته، تآكلت القيمة الاستراتيجية لمشروع حميدتي، غير أن الضربة القوية جاءت من بوابة حقوق الإنسان، حيث لم يعد بوسع أي عاصمة أو جهة دولية غض الطرف عن التقارير الموثقة من منظمات أممية وحقوقية، والتي كشفت عن تورط "قوات الدعم السريع" في فظائع ترقى لجرائم ضد الإنسانية، شملت التطهير العرقي (خاصة في الجنينة ودارفور) والمجازر المروعة والعنف الممنهج.

هذه التقارير جعلت الدعم السريع عبئا سياسيا ثقيلا على كاهل داعميه، فتحولت الاستراتيجية الخارجية من الدعم العلني إلى محاولة النأي بالنفس، والتركيز على مساواة الطرفين في المسؤولية لدرء الحرج الدولي.

تصدع الحاضنة

استثمر حميدتي طويلا في المظلومية التاريخية لأقاليم الهامش، وبنى سردية تعبوية تدغدغ مشاعر القبائل في دارفور وامتداداتها في غرب أفريقيا، وأوهمهم بأن حربه هي معركة لانتزاع السلطة والثروة.

لكن هذا الحلم اصطدم بمتطلبات السياسة؛ ففي محاولته لتقديم نفسه كرجل دولة مقبول محليا ودوليا، سعى حميدتي للانفتاح على القوى السياسية المدنية، واضطر لتهميش بعض القيادات العشائرية المقربة منه، مانحا مناصب رفيعة في هيكل إدارته التي أعلنها في نيالا لشخصيات مدنية لم تحمل السلاح.

وقد أحدث هذا التوجه شرخا في حاضنته وشعر المقاتلون بأن دماءهم تستثمر كرافعة سياسية لخدمة نخب جديدة لم تشاركهم خنادق القتال.

اظهار أخبار متعلقة



وتعمق الشك مع اتخاذ قيادة المليشيا إجراءات تأديبية ضد بعض القيادات الميدانية من القبائل الحليفة، ما أثار غضب كثيرين منهم.

وشهدت الفترة الأخيرة انضمام مجموعات كبيرة من قيادات وعناصر مليشيا "الدعم السريع" إلى صفوف الجيش السوداني، أبرزهم المستشار السياسي فارس النور إبراهيم، واللواء النور أحمد آدم (النور القبة)، ومسؤول عمليات محور بارا بشارة الهويرة، بالإضافة إلى القيادي في ولاية الجزيرة أبو عاقلة كيكل، ما يؤشر على تصدع متزايد في بنية القوات تحت وطأة الضغوط العسكرية.

كما أعلن أحمد محمد حامد خليفة، الحاكم المُعيّن لإقليم كردفان من طرف قوات الدعم السريع، قبل أيام انشقاقه الرسمي.

فشل آليات التنسيق

ويرى الباحث المختص في العلوم السياسية والمتابع للشأن السوداني، الحافظ الغابد، أن الانحسار الأخير لـ"قوات الدعم السريع" يعود بالأساس إلى فشل آلياتها التنسيقية واعتمادها المفرط على المرتزقة كوقود للمعارك.

ولفت الغابد في تصريح خاص لـ"عربي21" إلى أن ذلك يأتي بالتزامن مع تراجع بريق "المليشيا" العسكري إثر تمكن الجيش السوداني والقوات المشتركة المساندة له من توحيد جهودهم وتنسيق عملياتهم الميدانية بنجاح لتقويض وجود المليشيا في المدن.

ويضيف الغابد أن الغطاء السياسي والعشائري الذي حظيت به "المليشيا" في بدايات التمرد قد تآكل بشكل متسارع، مرجعا ذلك إلى ضعف القدرات السياسية لقوات الدعم السريع وحاضنتها من التيارات اليسارية والليبرالية، التي عجزت عن بناء جبهة سياسية متماسكة قادرة على تسويق مشروع المليشيا أو توفير غطاء وطني لانتهاكاتها.

تصادم الرؤى الإقليمية

وبخصوص البعد الإقليمي، وهو المحرك الأخطر في مسار الأزمة، يشدد الباحث المختص في العلوم السياسية والمتابع للشأن السوداني الحافظ الغابد في حديثه لـ"عربي21"على أن تراجع ميليشيا الدعم السريع يرتبط ارتباطا وثيقا بانحسار الدور الإقليمي لدولة الإمارات، والذي جاء كنتيجة مباشرة لتصادم نفوذها مع المملكة العربية السعودية.

وأوضح الغابد أن الدور الذي وصفه بـ "التخريبي" للإمارات دفع السعودية للانتباه مبكرا لخطورته على الأمن القومي العربي والإسلامي، ما جعل الرياض تتحرك بحزم لوضع حد له عبر إخراج أبوظبي من المشهد اليمني، وتوجيه بوصلة الدعم بقوة نحو الجيش السوداني وخياراته الوطنية لإجهاض هذا المشروع في السودان".

وأشار الغابد إلى أن الانشغال الإماراتي بتداعيات التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران في المنطقة، أسهم في رفع الغطاء نسبيا عن المليشيا، وهو الظرف الذي استثمره الجيش السوداني لتكثيف نشاطه وحسم العديد من المعارك المفصلية.

اظهار أخبار متعلقة



إجهاض "سيناريو حفتر"

وتنعكس هذه المتغيرات المتسارعة - وفقا للغابد- في مسارعة الجيش لاستعادة السيطرة على المدن الكبرى، وعودة الإدارة الحكومية تدريجيا إلى الخرطوم، مع مساعٍ جادة لتشغيل المرافق الحيوية كمطار العاصمة تمهيدا لعودة المواطنين.

ولفت إلى أن هذه العودة ينغصها لجوء "الدعم السريع" إلى تكتيكات تخريبية محضة "حيث تحولت المليشيا من قوة تهدد الوجود الكامل للدولة، إلى مجموعات تنفذ هجمات بالمسيرات على الأعيان المدنية نكاية في الجيش ومحاولة لعرقلة تطبيع الحياة العامة".

ورأى الغابد، أن التقديرات السابقة كانت ترجح سعي الإمارات لاستنساخ "النموذج الليبي" في السودان، عبر دفع "حميدتي" للعب دور مشابه لـ"خليفة حفتر"، من خلال الانسحاب من باقي المناطق والارتكاز في إقليم دارفور تمهيدا لتقسيم البلاد.

لكن الانكشاف السريع للمشروع الإماراتي وأدواره الإقليمية– يضيف الغابد- قوبل برفض حاسم وتنسيق عالٍ بين مصر والسعودية، ما أدى إلى وأد هذا السيناريو التقسيمي، ووضع المليشيا أمام حتمية الانكسار والتلاشي.

تجدر الإشارة إلى أنه منذ نيسان/أبريل 2023، يخوض الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" حرباً أسفرت، بحسب تقديرات أممية، عن مقتل الآلاف، ونزوح نحو 13 مليون شخص، فيما تسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
التعليقات (0)