اتساع جبهات القتال في السودان يفاقم مأساة النازحين ويخنق المدن

يضع حصار مدينة الأبيض نحو نصف مليون نسمة يقطنون المدينة، بينهم 100 ألف نازح فروا أمام خطر مجاعة وكارثة إنسانية.
يضع حصار مدينة الأبيض نحو نصف مليون نسمة يقطنون المدينة، بينهم 100 ألف نازح فروا أمام خطر مجاعة وكارثة إنسانية.
شارك الخبر
اتسعت رقعة القتال في السودان خلال الأيام الثلاثة الماضية، حيث طالت المعارك مناطق جديدة ظلت حتى وقت قريب بمنأى عن دوي المدافع والاشتباكات المباشرة.

هذا الاتساع المفاجئ في رقعة القتال شمل بلدات استراتيجية كانت تخضع لسيطرة الجيش السوداني في العاصمة الخرطوم، وامتد بشكل غير مسبوق ليضرب عمق ولاية نهر النيل شمالي البلاد.

ولم يقتصر هذا التمدد الجغرافي على فتح جبهات جديدة، بل تزامن مع استمرار المعارك الطاحنة في ولايات شمال كردفان والنيل الأزرق وشمال دارفور.

اظهار أخبار متعلقة


اتساع ساحات المواجهة وضع المدن السودانية تحت حصار خانق وفاقم من مأساة ملايين النازحين الذين باتوا يطاردون من جبهة إلى أخرى بحثاً عن ملاذ آمن، وسط تحذيرات أممية من خروج الوضع الإنساني عن السيطرة.

وفي غضون ذلك، تواجه قوات "الدعم السريع" نزيفاً داخلياً متصاعداً تمثل في سلسلة انشقاقات سياسية وعسكرية، بينما عزز الجيش السوداني من تسلحه من خلال اقتناء أسلحة متنوعة ضمت مدرعات ومسيّرات باكستانية الصنع.

أسراب مسيرات تهاجم الخرطوم

وفي سياق تصاعد القتال بين الأطراف المتصارعة، بدأت "قوات الدعم السريع" منذ الأربعاء هجمات مكثفة بالطائرات المسيرة هي الأولى من نوعها منذ مايو الماضي، استهدفت مناطق كانت تخضع لسيطرة شبه كاملة للجيش السوداني.

وقد شملت هذه الهجمات مدينتي أم درمان والخرطوم بحري في العاصمة، وامتدت لتصل إلى مدينتي عطبرة والدامر في ولاية نهر النيل شمالي البلاد.

وأكدت وسائل إعلام سودانية أن الدفاعات الأرضية والمضادات الجوية التابعة للجيش تمكنت من إسقاط أكثر من 40 طائرة مسيرة تابعة للدعم السريع، كانت تستهدف أحياء سكنية ومواقع استراتيجية في العاصمة ونهر النيل، بالإضافة إلى مدينة الأبيض.

شمال كردفان أشد قتامة

ويبدو المشهد في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، أشد قتامة؛ فالمدينة ذات الموقع الاستراتيجي وجدت نفسها في قلب المواجهات إثر هجوم جديد شنته قوات الدعم السريع باستخدام 8 طائرات مسيرة، ما أسفر عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة 6 آخرين.

وتتعرض الأبيض لحملة ممنهجة وتطويق وحصار خانق من قبل الدعم السريع، مما أدى إلى استنزاف شبه كامل لإمدادات الكهرباء والوقود ونقص الغذاء والمياه.

ويضع هذا الحصار نحو نصف مليون نسمة يقطنون المدينة، بينهم 100 ألف نازح فروا من مناطق قتال أخرى، أمام خطر مجاعة وكارثة إنسانية.

جبهات جديدة

ولم تقف شرارة تمدد المواجهة العسكرية عند حدود الوسط والشمال، بل اشتعلت جبهات جديدة في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد وإقليم دارفور في الغرب.

ففي محلية قيسان الحدودية مع إثيوبيا، اندلعت معارك ضارية استمرت ليومين متتاليين عقب هجوم مباغت شنته قوات الدعم السريع بالتحالف مع فصيل "الحركة الشعبية/شمال".

ووصفت السلطات المحلية في قيسان الهجوم بأنه "جريمة حرب مكتملة الأركان"، مشيرة إلى أنه تزامن عمداً مع ذروة موسم الزراعة مستهدفاً المزارعين في حقولهم لضرب الأمن الغذائي.

ورغم إعلان السلطات السودانية تصدي الجيش للهجوم، إلا أن قوات الدعم السريع زعمت سيطرتها على المنطقة ومواقع الجيش فيها.

مأساة النازحين

هذا التصعيد الجديد أفرز واقعاً مأساوياً جديداً، حيث أعلنت المنظمة الدولية للهجرة نزوح نحو 2500 شخص من قيسان، فر بعضهم إلى مناطق داخلية، بينما اضطرت عائلات أخرى لعبور الحدود نحو إثيوبيا.

وفي محلية سربا بولاية غرب دارفور وحدها تحدثت المنظمة الدولية للهجرة عن نزوح 5975 شخصاً خلال يومين، كما تحدثت عن نزوح 5135 شخصاً من 10 قرى بسبب معارك "بئر سليبة"، إضافة إلى 6600 شخص فروا قبل أيام من 11 قرية، ليجد الآلاف أنفسهم في العراء بلا مأوى أو غذاء.

ومع تمدد القتال واختناق المدن، أطلق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) نداء استغاثة عاجلاً، محذراً من أن استمرار وتيرة العنف يلحق خسائر فادحة بالمدنيين العزل.

وأعلن المكتب الأممي أن خطة الاستجابة الإنسانية للسودان للعام الجاري لم تتلقَّ سوى 41 بالمئة فقط من التمويل المطلوب، وهو عجز مالي هائل يترك ملايين السودانيين فريسة للجوع والمرض، بحسب المكتب.

انشقاقات بالدعم السريع

وبموازاة هذا التصعيد الميداني، تستمر موجة الانشقاقات في صفوف قوات الدعم السريع، وكان آخرها إعلان أحمد محمد حامد خليفة، الحاكم المُعيّن لإقليم كردفان من طرف قوات الدعم السريع، انشقاقه الرسمي.

ووجه خليفة انتقادات لاذعة للدعم السريع، متهماً إياها بتأجيج النزاعات القبلية والأهلية ومواصلة نهج تدمير المدن وقتل المدنيين، كما دعا المقاتلين للعودة إلى حضن الوطن، وطالب بعودة مؤسسات الدولة الشرعية إلى كردفان ودارفور.

وشهدت الفترة الأخيرة انضمام مجموعات كبيرة من قيادات وعناصر مليشيا "الدعم السريع" إلى صفوف الجيش السوداني، أبرزهم المستشار السياسي فارس النور إبراهيم، واللواء النور أحمد آدم (النور القبة)، ومسؤول عمليات محور بارا بشارة الهويرة، بالإضافة إلى القيادي في ولاية الجزيرة أبو عاقلة كيكل، ما يؤشر على تصدع متزايد في بنية القوات تحت وطأة الضغوط العسكرية.

وكانت تقارير صحفية سودانية قد أفادت بأن الجيش السوداني تسلم قبل أسابيع مدرعات باكستانية الصنع، يطلق عليها اسم "محافظ"، تمتاز بالخفة وسرعة الحركة وتُنتجها مؤسسة الصناعات الحربية الباكستانية.

ووفق ذات المصادر تمنح هذه المدرعات الجيش السوداني سهولة فائقة في الحركة والانتشار والتراجع، وتوفر حماية باليستية بمستوى B6/B7، وهي مخصصة للتصدي للنيران الخفيفة والمتوسطة وشظايا القذائف، إضافة إلى حماية طاقم المشاة وقوافل الإمداد أثناء التنقل في المناطق القتالية.

كما عزز الجيش السوداني تسليحه عبر اقتناء طائرات مسيّرة للاستطلاع والهجوم من طرازات متعددة، أبرزها مسيّرات "شاهبار".

اظهار أخبار متعلقة


وتعد هذه الطائرات من أبرز المنظومات التكتيكية التي طورتها شركة الحلول الوطنية للدفاع الباكستانية بالتشارك مع هيئة الأبحاث العلمية والتكنولوجية.

وتمنح مسيّرات "شاهبار" القوات المسلحة السودانية قدرات استطلاعية دقيقة ورصداً لتحركات القوات المعادية، فضلاً عن توجيه ضربات مركزة ضد الآليات السريعة.

تجدر الإشارة إلى أنه منذ نيسان/أبريل 2023، يخوض الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" حرباً أسفرت، بحسب تقديرات أممية، عن مقتل الآلاف، ونزوح نحو 13 مليون شخص، فيما تسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
التعليقات (0)