حرب تيغراي تشتعل مجددا.. لجوء وتوتر على حدود السودان وترقب بالقرن الأفريقي

تيغراي شهدت مواجهات عنيفة خلال السنوات الماضية- الأناضول
تيغراي شهدت مواجهات عنيفة خلال السنوات الماضية- الأناضول
شارك الخبر
في تطور جديد ينذر بتفاقم الوضع الأمني والإنساني في منطقة القرن الأفريقي، اتسعت رقعة المواجهات العسكرية العنيفة بين القوات الفدرالية الإثيوبية ومقاتلي جبهة تحرير تيغراي، لتدخل يومها الثالث وسط تصعيد متزايد ومخاوف من تحول الصراع إلى حرب إقليمية.

فقد انطلقت مواجهات عنيفة بين مقاتلي جبهة تيغراي والجيش الإثيوبي يوم الأحد، استخدمت فيها المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة، وتسببت حتى الآن في مقتل وإصابة العشرات.

وانطلقت هذه المواجهات من الحدود الإثيوبية الإريترية، وهي مناطق تسيطر عليها قوات تيغراي منذ عام 2025، لكن سرعان ما تمددت على طول جبهة تتجاوز ألف كيلومتر، لتصل إلى المثلث الحدودي مع السودان وإريتريا، وسط مخاوف من أن يتحول الصراع إلى حرب إقليمية ويفاقم الوضع الإنساني في هذه المنطقة المثقلة بالحروب والأزمات الإنسانية.

أعنف الاشتباكات

وتركزت أعنف الاشتباكات في محيط منطقة "شيرينا" الواقعة على المثلث الحدودي بين إثيوبيا والسودان وإريتريا.

واتهمت جبهة تحرير تيغراي الجيش الإثيوبي بشن هجوم بري واسع النطاق، مدعوماً بغطاء جوي مكثف وقصف بالمدفعية الثقيلة استمر لساعات طويلة واستهدف مواقع تمركز قوات الجبهة.

وقالت الجبهة إنها تمكنت من صد الهجوم وإفشال أهدافه، متحدثة عن اكتظاظ المستشفيات الممتدة من غرب تيغراي إلى مدينة غوندار بمئات الجرحى.

من جهتها، أعلنت الحكومة الإثيوبية أن مقاتلي الجبهة هاجموا الجيش الفدرالي بعد انطلاقهم من داخل الأراضي السودانية، مؤكدة أن قواتها تمكنت من صد الهجوم، وأضافت أن المهاجمين تلقوا دعماً من قوات إريترية.

وأبلغت أديس أبابا البعثات الدبلوماسية المعتمدة لديها بأن مقاتلي تيغراي هم من بادروا بالهجوم، مؤكدة أن انطلاقهم جاء من داخل الأراضي السودانية، في إشارة ضمنية إلى استغلال الجبهة لمخيمات اللاجئين الإثيوبيين الذين فروا إلى السودان منذ اندلاع الحرب الأولى عام 2020.

تعقيدات المشهد الإقليمي

ولم تقتصر الاتهامات المتبادلة على طرفي النزاع الداخلي، بل تعدتها لتشمل أطرافاً إقليمية، حيث اتهمت حكومة تيغراي قوات "الدعم السريع" السودانية، التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بمساندة الجيش الإثيوبي في هجومه على الإقليم، إلى جانب مجموعات مسلحة أخرى.

بدورها، اتهمت الحكومة الإثيوبية الفدرالية مقاتلي تيغراي بتلقي دعم وإسناد من قوات إريترية خلال هجومهم، وهو ما يضيف مزيداً من التعقيد إلى المشهد الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي ذات الموقع الجغرافي الحساس.

مقذوفات على حدود السودان

ومع اتساع نطاق المواجهة، وصلت مقذوفات إلى مخيمات اللاجئين الإثيوبيين داخل الأراضي السودانية، مخلفة قتلى ومصابين.

وأعلنت هيئة شؤون اللاجئين التابعة لوزارة الداخلية السودانية وقوع وفيات وإصابات وسط اللاجئين في عدد من المعسكرات الواقعة بالقرب من الشريط الحدودي بين السودان وإثيوبيا.

وقالت إن المواجهات التي شهدها الشريط الحدودي أدت إلى تساقط قذائف داخل معسكرات
اللاجئين، ما أسفر عن سقوط عدد من الضحايا، دون أن تحدد حصيلة دقيقة للوفيات أو الإصابات.

وحذرت الهيئة من انزلاق الوضع الإنساني نحو كارثة محققة، ودعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى التدخل الفوري لاحتواء التصعيد وحماية المدنيين، مشيرة إلى أن المنطقة الحدودية تمثل نقطة العبور والاستقبال الرئيسية، وأن استمرار المعارك يعني حرمان الفارين من أي ملاذ آمن.

اظهار أخبار متعلقة



شبح المجاعة

ومع اشتداد ضراوة المعارك، عبر مئات اللاجئين الإثيوبيين الجدد من إقليم تيغراي إلى الأراضي السودانية عبر بلدة "حمدايت" الحدودية.

ووفق تقارير محلية، استقبلت المراكز الصحية الحدودية عشرات الجرحى، بعضهم من المقاتلين، حيث قُدمت لهم الإسعافات الأولية قبل إجلائهم إلى منطقة "الهشابة" داخل السودان.

وانتشل مواطنون سودانيون، أمس، 15 جثة يعتقد أنها تعود لمقاتلين من جبهة تحرير شعب تيغراي الإثيوبية من نهر سيتيت على الحدود بين البلدين.

ويرى الصحفي المتابع للشأن الأفريقي محمد حامد أن تدفق مئات اللاجئين الإثيوبيين الجدد إلى السودان من شأنه أن يفاقم الوضع المعيشي المتدهور أصلاً في البلاد.

وأضاف في تصريح لـ"عربي21": "على مدى اليومين الماضيين استمر تدفق اللاجئين الإثيوبيين إلى داخل الأراضي السودانية، وهذا يضع السودان أمام تحد جديد يتعلق بتوفير الغذاء والدواء لهؤلاء".

ولفت إلى أن السودان يواجه أصلاً نقصاً في الغذاء والدواء، ويعاني جراء الحرب الأهلية المشتعلة بين الجيش وقوات الدعم السريع.

وتابع: "مع توافد مئات اللاجئين الجدد، الذين ينضمون إلى آلاف النازحين السابقين من حرب 2020-2022، تتضاعف الضغوط على الموارد الشحيحة أصلاً من ماء وغذاء ودواء في السودان، وهو ما ستكون له تداعيات بالغة الخطورة على الوضع المعيشي، وحتى الأمني، خصوصاً في المناطق الحدودية".

ولفت إلى أنه كلما ازدادت وتيرة العمليات العسكرية على هذه الجبهة الحدودية، تدفق مزيد من اللاجئين إلى داخل الأراضي السودانية.

مركز الإيواء الرئيسي

وتشكل ولاية القضارف في شرق السودان المركز الأساسي لإيواء الفارين من حرب تيغراي، ولا سيما في معسكري "أم راكوبة" و"الطنيدبة"، اللذين أُنشئا أواخر عام 2020 لمواجهة التدفقات الحدودية.

ووفق معطيات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يستضيف السودان حوالي 63.5 ألف لاجئ إثيوبي، يتوزعون بين ولايتي القضارف وكسلا.

ومع أهمية هذه المخيمات بوصفها منفذاً إغاثياً حيوياً، فإن موقعها على الشريط الحدودي يجعلها عرضة لخطر التأثر المباشر بالاشتباكات القريبة.

تراكمات من انعدام الثقة

ويرى الصحفي المتابع للشأن الأفريقي محمد حامد أن تجدد المواجهات بين تيغراي والجيش الإثيوبي يعود في الأساس إلى تراكمات من انعدام الثقة وتفاقم الخلافات حول البنود الجوهرية لاتفاق بريتوريا، ولا سيما تلك المتعلقة بتقاسم السلطة، وإعادة دمج القوات، وترتيبات نزع السلاح.

وأشار في حديثه لـ"عربي21" إلى أن رغبة الأطراف في تحسين موقعها التفاوضي قد تكون من بين الدوافع لخوض هذه الجولة من القتال.

وتعود جذور الصراع في تيغراي إلى تراكم المطالب القومية لمجموعة التيغراي العرقية ضد السلطات المركزية، خاصة بعد المجاعة الكبرى عام 1974 التي أطاحت بالإمبراطور هيلا سيلاسي.
وفي عام 1975، تأسست "جبهة تحرير شعب تيغراي" في مدينة ميكيلي.

وانطلقت هذه الجبهة بمجموعة صغيرة من الرجال والعتاد المحدود، وتميزت بتنظيم عسكري صارم،
مما مكنها من قيادة الكفاح المسلح ضد نظام منغستو هايلي ماريام، لتصبح القوة الأكثر تدريباً وتنظيماً ضمن التحالفات المعارضة.

وشهد عام 1991 تحولاً جذرياً بسيطرة مقاتلي تيغراي على العاصمة أديس أبابا، وتنصيب ميليس زيناوي رئيساً للبلاد.

وعلى مدى ثلاثة عقود، سيطرت جبهة تحرير شعب تيغراي فعلياً على مفاصل القرار والسياسة والأمن في إثيوبيا تحت غطاء "الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية".

ورغم تحقيق نمو اقتصادي، فإن هذه الفترة اتسمت بتفرد زيناوي بالسلطة وقمع المعارضة، مما ترك تركة من الفساد المستشري وتصلب النظام السياسي حتى وفاته عام 2012.

وبعد رحيل زيناوي، تولى هايلي مريام ديسالين السلطة، لكنه افتقر إلى الشرعية العسكرية والسيطرة على الأجهزة الأمنية التي ظلت بيد التيغراي، ما أدى إلى انفجار موجات من الاحتجاجات الشعبية بقيادة قوميتي الأورومو والأمهرة، اللتين عانتا من التهميش لعقود.

وتحت ضغط الشارع، استقال ديسالين عام 2018 ليخلفه آبي أحمد (من قومية الأورومو)، وهو ما مثل إعلاناً رسمياً لنهاية هيمنة التيغراي وبداية مرحلة من الصراع المحتدم بين المركز والإقليم.

ووصل الخلاف إلى ذروته عام 2020 عندما أجلت الحكومة المركزية الانتخابات العامة بسبب جائحة كورونا، وهو ما اعتبره التيغراي إجراءً غير دستوري.

وتحدى الإقليم السلطة المركزية بتنظيم انتخابات منفردة، فردت الحكومة بقطع التمويل المالي، وهو ما اعتبره الإقليم إعلاناً للحرب.

بعدها اندلع صراع مسلح وُصفت خلاله جبهة التيغراي بأنها "متمردة"، وتحول إلى واحد من أكثر الحروب دموية في المنطقة، وانتهى باتفاق بريتوريا للسلام أواخر عام 2022، الذي نص على تشكيل إدارة مؤقتة وتفكيك الهيئات المنتخبة في الإقليم، لكن الصراع بدأ يعود من جديد.



التعليقات (0)