تتجه الساحة الإسرائيلية نحو مزيد من التوتر السياسي والأمني مع اقتراب الانتخابات، في ظل ضغوط أمريكية متزايدة على حكومة بنيامين
نتنياهو بشأن الحرب في
غزة وإيران ولبنان، بالتزامن مع تصاعد حالات الاعتداء في
الضفة الغربية واستمرار محاولات الحكومة توجيه النقاش العام بعيدا عن مسؤوليتها عن إخفاقات السابع من أكتوبر.
وفي موازاة ذلك، تتزايد المؤشرات على أن الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب لا يبدو متحمسا للعودة إلى حرب شاملة مع
إيران، بينما تبحث الحكومة الإسرائيلية عن ساحات أخرى قد تؤثر في المشهد الانتخابي.
وفي هذا الإطار قالت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، إن احتمال انتهاء الحرب يلوح في الأفق، مشيرة إلى أن ترامب تحدث في تصريحاته الأخيرة مرارا عن تشديد الضغط الاقتصادي على إيران واستمرار الحصار المفروض جنوب مضيق هرمز.
بدت تهديداته المتكررة بإقصاء قادة النظام في طهران، وسحق الحضارة الفارسية وإعادتها آلاف السنين إلى الوراء، أقل حدة في الآونة الأخيرة.
وأوضحت الصحيفة أن التجربة المريرة أثبتت أن ترامب يميل إلى تغيير مواقفه كثيرا، إلا أن اتجاها واحدا ظل واضحا خلال الأشهر الماضية، وهو أن الرئيس الأمريكي لا يتحمس لاستئناف حرب شاملة مع إيران، وقد يبحث، إذا لزم الأمر، عن ذريعة تحول دون ذلك.
وأضافت أن عودته إلى التفكير في الخيار العسكري ترتبط أساسا باعتقاده أن الإيرانيين لا يتركون أمامه خيارا آخر، إذ يرى أن استفزازاتهم وانتهاكاتهم المتكررة لمذكرة التفاهم الموقعة في يونيو تدفعه إلى حافة الهاوية وتجبره على إعادة إثبات قوة الولايات المتحدة.
اظهار أخبار متعلقة
وفي الوقت الذي تعيش فيه منطقة الخليج وضعا مضطربا بين الاتفاق والحرب، يفرض ترامب أيضا قدرا من الضبط على استخدام القوة الإسرائيلية في ساحات أخرى، ففي لبنان، يستمر وقف إطلاق النار الذي أُعلن في منتصف تموز/ يوليو بصورة عامة، بالتوازي مع محادثات سياسية مباشرة بين دبلوماسيين ومسؤولين من البلدين برعاية أمريكية، وتتناول هذه المفاوضات مخططًا يقضي بانسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان مقابل خطوات تدريجية لنزع سلاح حزب الله.
أما في قطاع غزة، أصبحت المطالب الأمريكية أكثر تركيزا وصرامة، إذ تروّج الإدارة لخطة مجلس السلام الدولي المؤلفة من 15 نقطة، والتي تحظر على إسرائيل مواصلة هجماتها ضد الإرهابيين الذين شاركوا في أحداث 7 أكتوبر، وتضغط عليها للاستعداد لانسحاب مستقبلي وبدء إعادة بناء البنية التحتية المدنية في الأراضي التي ستخليها داخل القطاع.
ورغم تأخره أكثر من أسبوع، أعلن نتنياهو رسميا أن الخطة غير مقبولة بالنسبة إليه، وأبدى عدة تحفظات عليها.
ومع ذلك، تواصل الولايات المتحدة المضي قدما في ترتيباتها، فيما ينقل البيت الأبيض للصحفيين أنه يدرك الضيق السياسي الداخلي الذي يواجهه نتنياهو، لكنه مقتنع بأن رئيس وزراء الاحتلال سيقبل في نهاية المطاف.
وفي السياق ذاته، عمل أعضاء فريق رئيس مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، على تخفيف حدة الخطاب تجاه شخصيات بارزة في حركة "التحالف الأمني"، وهي منتدى يميني تتقاطع مواقفه في كثير من الأحيان مع مواقف نتنياهو.
ويشير الهدوء النسبي الذي يسود أوساطا واسعة من اليمين، رغم تخلي الحكومة فعليًا عن هدف تحقيق نصر كامل على حماس، إلى أن الصورة أكثر تعقيدًا مما يعرضها رئيس الوزراء.
رسائل انتخابية وتلاعب بالمعلومات
مع ذلك، لا يعني هذا أن حزب الليكود تخلى عن معركته أمام الرأي العام، فقد نشرت عدة وسائل إعلام أمس، بعد رفع التعتيم الإعلامي الطويل، تقريرا غامضا إلى حد ما يفيد بأن دولة عربية توصي دولة عربية أخرى بإبرام اتفاق سلام مع دولة الاحتلال، ثم تعزيز جيشها والاستعداد لمهاجمتها، والخلاصة التي تتشكل من هذه التصريحات الجزئية هي أن العرب لا يمكن الوثوق بهم.
وقبل أيام، انتشرت شائعة كاذبة بشأن تصريحات نُسبت إلى قائد الحرس الثوري الإيراني، زُعم فيها أنه يؤيد الاستثمار في المشروع النووي.
وقدم نتنياهو والقناة الرابعة عشرة التابعة للنظام وعدد من وسائل الإعلام المتعاطفة معه في الخارج هذه التصريحات باعتبارها حقائق، قبل أن يفندها الخبراء.
اظهار أخبار متعلقة
وترى الصحيفة في هذه الواقعة صدى لفضيحة صحيفة "بيلد" الألمانية والإحاطات الإعلامية القطرية التي تورط فيها عدد من مستشاري نتنياهو قبل نحو عامين، مرجحة استمرار هذا التلاعب المبتكر بالمعلومات والحقائق طوال الحملة الانتخابية.
الضفة الغربية تتحول إلى جبهة انتخابية خطرة
وفي الضفة الغربية، يعكس الهجوم العنيف الذي تعرض له فريق صحيفة هآرتس، المراسل ماتان غولان والمصور إيتاي رون، أمس الاثنين، على أيدي مستوطنين، صورة أوسع وأكثر إثارة للقلق، فقد شهدت الأشهر الأخيرة فقدانا كاملا للسيطرة من جانب قوات الأمن في الضفة، بالتزامن مع توسع المستوطنين، وبدعم قوي من وزراء الحكومة وأعضاء الكنيست في الائتلاف الحاكم، في السيطرة على المزيد من المناطق في المنطقة (ب)، وإقامة عشرات المزارع والبؤر الاستيطانية، وطرد المجتمعات الفلسطينية بصورة ممنهجة من أراضيها.
وفي كثير من الحالات، يكتفي الجيش الإسرائيلي والشرطة بالمراقبة من بعيد وببرود، مع توفير غطاء أمني للعمال الزراعيين، فيما تعاون جنود وضباط شرطة في أكثر من مناسبة مع هذه التحركات بنية واضحة.
ويقر مسؤولون كبار في المؤسسة الدفاعية بغياب الأمن والنظام في المناطق المتنازع عليها، ويقولون إن السياسيين، في ظل الحملة الانتخابية، يطلقون تصريحات أكثر تطرفا أملا في استقطاب دعم المستوطنين، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات التمهيدية لحزب الليكود.
أما في حادثة الأمس بقرية كسرى، والتي وثقها غولان ورون، فقد ظهرت تعبئة كاملة لقوة عسكرية صغيرة، شملت جنود احتياط من قيادة الجبهة الداخلية.
وقدم الجنود دعمًا لمستوطنين عنيفين أقاموا بؤرة استيطانية على أرض فلسطينية، وحاولوا طرد أصحابها من منازلهم، كما عرقلوا بالقوة طريق فريق هآرتس.
وفي الوقت نفسه، يتغير وجه الضفة الغربية بصورة جذرية، مع توسع عشرات المستوطنات والبؤر الاستيطانية التي أقيمت بمبادرة من الوزير بتسلئيل سموتريتش، وهو ما يوسع نطاق سيطرة المستوطنين ويؤجج مناطق احتكاك واسعة بينهم وبين الفلسطينيين، بما يستدعي تخصيص قوات عسكرية كبيرة لتأمينها.
ووفق الصحيفة، يبدو أن الجنود والشرطة في الميدان لا يتصرفون بوصفهم ممثلين لسيادة القانون الإسرائيلي، ولا يبذلون عادة جهدا لإنفاذه، إذ يرون أن مهمتهم الأساسية تتمثل في حماية المستوطنين، بل ومساعدتهم، أما الضباط القلائل الذين يتبنون موقفًا مختلفًا، فيردعهم النفوذ السياسي لقيادة المستوطنين، بينما يرون أن القيادة العليا تحرص قدر الإمكان على تجنب التورط في القضية.
ويتجسد هذا الواقع السياسي يوميا في عشرات الحوادث الصغيرة، لكن بما أن الفلسطينيين هم من يدفعون الثمن في معظمها، فإنها نادرا ما تحظى باهتمام غالبية وسائل الإعلام الإسرائيلية.
وعندما تتناول القنوات التلفزيونية الإسرائيلية هذه الوقائع، ينصب تركيزها غالبا على الأضرار التي تلحق بمكانة إسرائيل الدولية والتغطية الإعلامية السلبية في الخارج، إلا أن المسألة، وفق هذا الطرح، تتجاوز بكثير مشكلة الصورة العامة؛ فالضفة الغربية والقدس مرشحتان لأن تصبحا جبهتين عرضة للكوارث مع اقتراب الانتخابات.
يبدو أن نتنياهو لا يزال يعتقد أن تصعيد التوترات الأمنية عشية الانتخابات سيخدم مصالحه، من خلال تحويل النقاش العام بعيدًا عن مسؤوليته عن الإخفاقات التي أدت إلى أحداث7 أكتوبر.
كاتس يتجاوز الانتخابات التمهيدية
في تطور سياسي آخر، تلقى وزير الحرب يسرائيل كاتس الليلة الماضية النبأ الذي كان ينتظره بفارغ الصبر، بعدما قرر نتنياهو تخصيص مقعد بارز له في قائمة حزب الليكود للكنيست، وذلك عقب توقع استطلاعات الرأي تراجع شعبيته.
وبرر رئيس وزراء الاحتلال القرار بالقول إن ذلك سيسمح لكاتس بالتركيز على إدارة وزارة الدفاع في أوقات الحرب، وهو تبرير بدا محيرًا إلى حد ما.
وكان كاتس قد ظهر في مبنى الأمم المتحدة في القدس الشهر الماضي، فيما يرى الطرح الوارد في المقال أن انضمامه إلى قائمة حزب الليكود سيجنب الجمهور، على الأقل، مشاهدة المزيد من مقاطع الفيديو السخيفة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
ومن شأن القرار أيضًا أن يجنب الجمهور مشاهدة فيديو غريب آخر أنتجه كاتس بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي ونشره مؤخرًا، تحت عبارات مثل "كاتز المدفع" و"بوم بوم".
وكانت مشاهدة الفيديو محرجة للغاية، إلا أن حملة كاتس لحزب الليكود لم تكن مجرد مصدر للإزعاج، بل كانت أسوأ من ذلك.
اظهار أخبار متعلقة
فمن ناحية أولى، تجاهلت مقاطع الفيديو الطفولية، التي تعاملت مع ساحات القتل التي يغرق فيها جيش الاحتلال الإسرائيلي كما لو كانت لعبة فيديو، التكلفة الباهظة التي تُدفع من الأرواح البشرية، كما ألحقت الأذى بمشاعر العائلات الثكلى.
ومن ناحية ثانية، وربما الأخطر، استفز كاتس إيران بصورة ممنهجة، بطريقة كان من الممكن أن تؤثر في الوضع الأمني.
ورغم أن طهران ربما توقفت عن أخذه على محمل الجد، مثل إصرار كاتس على الإعلان عن إقلاع طائرات أمريكية من الأراضي المحتلة لتنفيذ غارات في الخليج، وهي معلومات منعت الرقابة نشرها، لعبة خطيرة كان من الممكن أن تؤدي إلى تعميق تورط دولة الاحتلال في الخليج.