لا تزال عواقب الهجوم السعودي الأمريكي على
العراق تلقي بظلالها على المنطقة، ولكن ليس على الرياض وطهران، وإنما على مشروع بغداد المتواصل لانتشال نفسها من الحروب بالوكالة وحصر
السلاح بيد الدولة.
وكالة "
فرانس 24" تنقل عن الباحث في العلاقات الدولية بجامعة لانكستر، خافيير بوردون، قوله إن الضربات الأمريكية والسعودية تمثل "وسيلة للإشارة إلى دعمهما لرؤية" السياسة الداخلية في العراق بشأن تحجيم دور "الميليشيات".
ووفقاً للمتخصص في العلاقات السعودية الإيرانية، كنزي ديسوكي، فإن قادة الرياض توصلوا إلى استنتاج مفاده أن طهران بحاجة إلى تحذير أكثر وضوحاً، وإن العراق، وفقاً لخبراء، يمثل أهمية عسكرية وسياسية في آن واحد، بخلاف اليمن.
اظهار أخبار متعلقة
ففي وقت أبدت بعض الفصائل تجاوباً مع إجراءات حكومة علي
الزيدي، أعلنت أخرى رفضها نزع سلاحها، وربطت أي نقاش حول هذا الأمر بالتطورات الإقليمية، ولا سيما الحرب التي تشنها أمريكا وإسرائيل ضد إيران، فيما ازداد تمسكها به بعد القصف ضد مقار الحشد.
المهمة المستحيلة
في حديث لموقع "
ذي ناشنال" الإخباري، يؤكد خبراء زيادة الشكوك في إمكانية الحكومة بقيادة علي الزيدي تنفيذ الوعد بنزع أسلحة الفصائل بحلول 30 أيلول/سبتمبر القادم، مشيرين إلى أن هذه المهمة تكاد تكون شبه مستحيلة بسبب تغلغل هذه الجماعات في مؤسسات الدولة.
بدوره، قال ريناد منصور، مدير مبادرة العراق في مركز "تشاثام هاوس" للدراسات في لندن، إن "الفصائل المدعومة من إيران تحظى بدعم من أطراف داخل الدولة العراقية، وكذلك من إيران ومن الحرس الثوري الإيراني، الذي بات متغلغلاً بقوة في العراق".
وأشار إلى أن التصدي لهذه الجماعات أصبح "صعباً اليوم كما كان دائماً"، وجاءت الضربات الأمريكية بعد أن أنهى رئيس وزراء العراق علي الزيدي زيارة إلى واشنطن، تم خلالها توقيع عشرات الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية.
وكانت هيئة الحشد الشعبي قد أعلنت في 29 تموز/يوليو الماضي، أن نحو 20 من مقاتليها لقوا حتفهم، وأُصيب 32 آخرون، جراء هجمات استهدفت مقراتها في عدد من المحافظات العراقية، فيما أكدت "نيويورك تايمز" مقتل عدد من مستشاري الحرس الإيراني في الهجمات نفسها.
كتائب حزب الله العراقي ترفض تفكيك سلاحها
مساء الاثنين، أعلن الأمين العام لـ"
كتائب حزب الله العراقي"، أبو حسين الحميداوي، رفض "فصائل المقاومة" تسليم سلاحها، معلناً عن التوجه نحو "تعظيم" ترسانة الأسلحة.
وشدد الحميداوي في بيان له، على "مواصلة الجهاد في سبيل الله، وردع كل معتدٍ، ليدفع أثمان اعتدائه مضاعفة، لا سيما ما ارتكبه العدو الأميركي السعودي من جريمة بحق أبنائنا، في سابقة خطيرة تنذر بتداعيات قد تؤسس لمرحلة جديدة في المنطقة".
واعتبر أن ذلك "مدعاة إلى تمسكنا بسلاح المقاومة، وعدم التفريط به، بل تطويره وتعظيم ترسانته، والسعي لتنقية فضائنا الأمني، مع التشديد على ضرورة الالتزام التام بالإجراءات الأمنية وحفظ الأسرار، بما يتناسب وحجم التحديات".
مواقف ورؤى لفصائل أخرى
لم يقتصر إعلان التمسك بالسلاح على كتائب حزب الله فحسب، حيث أعلنت حركة النجباء رفضها أيضاً قائلة: "حصر السلاح مطلب أمريكي وخليجي يهدف إلى إضعاف العراق، وموقفنا من هذا الملف ثابت، فلن نسلم السلاح، ما دام الاحتلال الأمريكي مستمر، فضلاً عن الوجود التركي في شمال العراق".
أما المتحدث باسم كتائب سيد الشهداء كاظم الفرطوسي فقال: "فصائل المقاومة جزء من الشعب العراقي، وإن طرح ملف حصر السلاح يأتي في غير توقيته، في ظل التهديدات المتعددة التي يواجهها العراق، واستمرار الحرب في المنطقة، وآخرها كان الاعتداء السعودي".
خيارات الزيدي المحدودة
في ظل المستجدات الحالية وشحن الفصائل الشارع العراقي، تبدو خيارات علي الزيدي محدودة جداً، فإما دخوله في مواجهة عسكرية مع "الميليشيات" الرافضة نزع سلاحها، وهو أمر لا يبدو أن رئيس الحكومة مستعد له، أو البحث عن بدائل أخرى ستؤدي جميعها إلى إبقاء الوضع الحالي.
إلا أنه وبحسب مراقبين فإن بقاء سلاح الفصائل سيهدد في المحصلة الدولة، في ظل ربطه بالحرب ضد إيران، وهو ما سيضع العراق أمام سيناريوهات خطرة، أسوأها نشوب مواجهات داخلية، مروراً بالتعرض لعقوبات قاسية، وربما تكرر الهجمات الخارجية.
جرف بغداد يكشف عجز الحكومة
يسرد تقرير لموقع "
المونتير" حادثاً يكشف حجم الفجوة بين تعهدات حكومة علي الزيدي المتعلقة بشأن حصر السلاح بيد الدولة، وبين قدرتها الفعلية على فرض قراراتها داخل المناطق والمنشآت التي تسيطر عليها الفصائل المسلحة.
ففي 24 تموز/ يوليو، وصلت قوات عراقية إلى بوابات مقر فوج المهام الخاصة التابع لحركة النجباء في منطقة جرف النداف ببغداد، بحثاً عن طائرات مسيّرة وصواريخ، لكنها لم تتمكن من دخول المجمع، بعد اعتراض قادة في الحركة على العملية ورفضهم السماح للقوة الحكومية بتنفيذ مهمتها.
وينقل تقرير الموقع، عن مسؤولين أمنيين عراقيين، قولهم إن قادة للحركة حذروا الضباط من دخول المنشأة، قبل أن يطوق مقاتلون مسلحون تابعون للنجباء القوة الحكومية ويطلقوا عيارات تحذيرية في الهواء فوق مركباتها.
وانتهت العملية من دون تنفيذ التفتيش، ورغم محدودية تأثير الحادثة من الناحية الميدانية، إلا أن توقيتها عُدَّ أول اختبار عملي لتعهد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بوضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة.
إرث سليماني في العراق
بحسب تقرير لصحيفة "
تلغراف" البريطانية، فإن الفصائل العراقية تمثل إحدى أهم أوراق القوة التي تمتلكها طهران لإغراق الولايات المتحدة وحلفائها في صراع متعدد الجبهات، وتحويل العراق إلى ساحة حرب بالوكالة، فيما تبقى إيران بعيدة نسبياً عن الضربات المباشرة.
ووفق التقرير فإن استراتيجية قاسم سليماني، القائمة على بناء جماعات مسلحة خارج حدود إيران، تبدو وكأنها تحقق أحد أهدافها، بعدما انتقلت الضربات الأمريكية والسعودية إلى داخل العراق، بدلاً من أن تظل المواجهة محصورة بالأراضي الإيرانية.
وبحسب التقرير البريطاني، فإن تلك الضربات أعادت إحياء نموذج الصراع الذي عمل سليماني على ترسيخه رغم مضي 6 سنوات على اغتياله، ومفاده "جماعات مسلحة قادرة على استهداف خصوم إيران من خارج حدودها، ودفعهم إلى الرد في ساحات أخرى".
وطبقاً للتقرير، فإن نقل الضربات إلى العراق قد يمنح طهران مكسباً استراتيجياً، عبر توسيع رقعة الحرب وإشراك أطراف وجبهات جديدة، بما يرفع كلفة المواجهة ويصعّب على واشنطن التحكم بمسارها.
وأوضح التقرير أن الجماعات المسلحة التي برزت بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 تحولت تدريجياً إلى قوة عسكرية وسياسية واقتصادية واسعة النفوذ، مشيراً إلى أن بعض الفصائل تمتلك ترسانات تضم صواريخ بعيدة المدى وأسلحة مضادة للطائرات.
وبين أن نفوذها لم يعد محصوراً في الجانب العسكري، إذ تمتلك أحزاباً سياسية ومقاعد في مجلس النواب ومواقع داخل مؤسسات الدولة، فضلاً عن مصالح تجارية وشبكات اقتصادية واسعة، وهذا التداخل بين السلاح والسياسة والاقتصاد جعل الفصائل أكثر رسوخاً.
مخاوف من تحول العراق إلى ساحة فوضى شبيهة بسوريا
وطبقاً لتقرير "تلغراف"، فإن اندماج الفصائل في البنية السياسية والأمنية العراقية يجعل إضعافها أو تفكيكها مهمة شديدة التعقيد، رغم الضغوط الأمريكية المتواصلة على بغداد للحد من نفوذها وضبط سلاحها.
وذكر أن خبراء عسكريين يرون أن رئيس الوزراء العراقي لا يستطيع حل هيئة الحشد الشعبي بقرار منفرد، كما أن إنهاء وجودها لا يمكن أن يتحقق بفتوى دينية، في ظل الثقل السياسي الذي تمتلكه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها داخل مجلس النواب.
وبحسب التقرير، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يريدون أن يؤدي الضغط على الفصائل إلى انهيار الدولة العراقية أو تحويل البلاد إلى ساحة فوضى شبيهة بسوريا، لكن هذا الحذر، وفق الصحيفة، يمنح الفصائل مساحة أوسع للمناورة، ويجعل التعامل معها أكثر تعقيداً.
وخلص تقرير "تلغراف" إلى أن قوات الحشد الشعبي تقف اليوم في الموقع الذي تريده إيران؛ جزءاً لا ينفصل عن الدولة العراقية، ومن الصعب التخلص منها بصورة "نظيفة"، وفي الوقت نفسه قادرة على فتح جبهة جديدة وتحويل العراق إلى ساحة حرب في أي لحظة.
دعوات كندية لإدراج "كتائب حزب الله" على قائمة الـ"إرهاب"
وفي تطور جديد، طالب حزب المحافظين الكندي الحكومة الفيدرالية بإدراج "كتائب حزب الله" العراقية على قائمة المنظمات الإرهابية في كندا، مستنداً إلى اتهامات أمريكية تربط الجماعة بعدد من الهجمات التي استهدفت مواقع في كندا.
وفي "
رسالة" وجهها زعيم المحافظين بيير بواليفير الأحد، إلى وزير السلامة العامة غاري أنانداسانغاري، دعا الحكومة إلى اتخاذ هذه الخطوة بشكل فوري، محذراً من انتظار وقوع هجمات جديدة قبل التحرك.
وقال بواليفير إن كندا "يجب ألا تنتظر حتى يتم إطلاق النار على كنيس يهودي آخر أو استهداف قنصلية أجنبية أخرى قبل إغلاق المنظمة التي يُزعم أنها تقف وراء هذه الهجمات".
اظهار أخبار متعلقة
وجاءت هذه المطالبة بعد توجيه السلطات الأمريكية اتهامات بالإرهاب إلى المواطن العراقي محمد باقر سعد داود الساعدي، الذي يقول الادعاء الأمريكي إنه قيادي بارز في "كتائب حزب الله" ومرتبط بالحرس الثوري الإيراني.
ووفقاً للمدعين الأمريكيين، يُشتبه في أن الساعدي شارك في التخطيط والتنسيق والإعلان عن المسؤولية عن نحو 20 هجوماً ومحاولة هجوم في أوروبا وأمريكا الشمالية، من بينها إطلاق النار الذي وقع في 10 آذار/مارس أمام القنصلية الأمريكية في وسط تورونتو.
وأشار بواليفير إلى أن الولايات المتحدة صنّفت "كتائب حزب الله" منظمة إرهابية أجنبية منذ عام 2009، بينما لم تُدرجها كندا حتى الآن على قائمتها الرسمية للمنظمات الإرهابية. وأضاف أن إدراج الجماعة على القائمة سيجعل التعامل مع أموالها أو ممتلكاتها أو تقديم أي دعم لها أمراً غير قانوني.