حاول حزب العمل والإنجاز
التونسي تهدئة
الجدل الذي أثارته تصريحات الرئيس
الجزائري عبد المجيد تبون بشأن تونس، مؤكدا أن
كلامه لا يتعلق بتحركات المعارضة التونسية أو بما تشهده البلاد من صراع سياسي حول
مستقبل المسار الديمقراطي، ومرجحا أن يكون سوء فهم قد نتج عن التعامل مع مقطع
مجتزأ من حديث الرئيس الجزائري خارج سياقه، في وقت شدد فيه الحزب على ضرورة الحفاظ
على
العلاقات الأخوية والاستراتيجية بين تونس والجزائر وتطويرها بعيدا عن
"اللبس والجدل العابر".
وجاء موقف الحزب في بيان إعلامي أصدره
الأحد، بالتزامن مع حالة من الحزن في تونس إثر الحادث الأليم الذي شهدته ولاية
بومرداس الجزائرية، حيث استهل بيانه بتقديم التعازي إلى الشعب الجزائري وقيادته،
معربا عن مواساته لأسر الضحايا وتمنياته للمصابين بالشفاء العاجل.
وقال الحزب إن هذا "المصاب
الأليم" يتزامن مع ما شهدته الساحتان التونسية والجزائرية من جدل وتفاعلات
على خلفية تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن تونس، معتبرا أن الظرف
الراهن يستدعي استحضار عمق العلاقات التي تجمع البلدين، والابتعاد عن كل ما من
شأنه أن يفاقم سوء الفهم أو يضر بالروابط بين الشعبين.
وأضاف أن لحظات الحزن والمحن المشتركة تمثل
"أبلغ تذكير بمتانة الروابط الأخوية" بين الشعبين التونسي والجزائري،
مؤكدا ضرورة "الارتقاء فوق اللبس والجدل العابر" حفاظا على المصير
المشترك للبلدين.
تبون: أمن تونس من أمن الجزائر
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد
أثار جدلا واسعا في تونس بعد تصريحات تحدث فيها عن وجود مخاطر مشتركة تستهدف بلاده
وتونس، محذرا من جهة وصفها بأنها "دويلة" قال إنها "أينما حلت سالت
الدماء"، من دون أن يسميها صراحة.
وقال تبون، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام
جزائرية، إن الجزائر حريصة على عدم إلحاق الضرر بأي بلد عربي، متحدثا في الوقت
ذاته عن ما وصفه بمحاولات لضرب استقرار تونس بسبب الجزائر والعمل على عزلها عنها،
محذرا من أن مثل هذه التحركات قد تمهد الطريق لـ"ابتلاعها".
وأكد الرئيس الجزائري أن أمن تونس
واستقرارها يمثلان جزءا من أمن الجزائر واستقرارها، مشددا على أن بلاده تنظر إلى
ما يجري في تونس من زاوية أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية، كما حذر من أي جهة
تحاول تهديد تونس أو زعزعة استقرارها، ولا سيما عبر الإرهاب.
وأثارت الإشارة إلى تونس، إلى جانب حديث
تبون عن الجهة التي وصفها بـ"الدويلة"، قراءات متباينة في الأوساط
السياسية والإعلامية التونسية، خصوصا أن تصريحاته جاءت في ظل استمرار التوتر
السياسي الداخلي في البلاد، والجدل بشأن مستقبل المسار الديمقراطي والحريات العامة،
وهو ما دفع بعض المعارضين إلى اعتبار حديث الرئيس الجزائري تدخلا في الشأن الداخلي
التونسي أو موقفا منحازا إلى السلطة القائمة.
انتقادات من المعارضة التونسية
وفي المقابل، قوبلت تصريحات تبون بانتقادات
من جانب شخصيات وقوى في المعارضة التونسية، التي شددت على ضرورة احترام سيادة تونس
وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ورفضت أي قراءة يمكن أن توحي بأن الجزائر تنحاز
إلى طرف سياسي تونسي على حساب آخر.
وكان رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة،
أحمد نجيب الشابي المعتقل حاليا، قد دعا في وقت سابق الرئيس الجزائري إلى عدم
التدخل في الشأن الداخلي التونسي، وذلك على خلفية تصريحات تبون التي تحدث فيها عن
وجود مؤامرة خارجية تستهدف تونس، وعن مساعي الجزائر لتقريب وجهات النظر بين
التونسيين.
وأثارت هذه التصريحات مخاوف لدى معارضين
تونسيين من أن تُفهم المواقف الجزائرية باعتبارها دعما سياسيا للسلطة التونسية،
ولا سيما في ظل الخلافات الحادة بشأن مسار الرئيس قيس سعيّد والسياسات التي
انتهجها منذ الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها في عام 2021.
وترى المعارضة التونسية أن استعادة المسار
الديمقراطي والحريات السياسية والمدنية تمثل أولوية، في حين تؤكد السلطة أن
إجراءاتها تهدف إلى حماية الدولة ومؤسساتها ومواجهة ما تعتبره تهديدات داخلية
وخارجية.
وفي هذا السياق، فتح حديث تبون نقاشا أوسع
في تونس حول حدود الموقف الجزائري من التطورات السياسية الداخلية، ومدى تأثير
العلاقات الاستراتيجية بين البلدين في المواقف الإقليمية من المشهد التونسي، خصوصا
في ظل الدور الذي تلعبه الجزائر باعتبارها الجار الأكبر لتونس وشريكا رئيسيا لها
على المستويات الأمنية والاقتصادية والسياسية.
حزب العمل والإنجاز: تصريحات تبون لا تتعلق
بالمعارضة
وفي خضم هذا الجدل، قال حزب العمل والإنجاز
إنه قام بمراجعة خطاب الرئيس الجزائري "بكاملـه"، إلى جانب التثبت من
تاريخ تسجيله والسياق الذي ورد فيه ذكر تونس، ليخلص إلى أن مضمون الخطاب لا علاقة
له، بحسب تقديره، بالتحركات التي تقوم بها المعارضة التونسية ولا بالنضال السياسي
المطالب باستعادة المسار الديمقراطي في البلاد.
وأوضح الحزب أن تصريحات تبون، وفق قراءته،
كانت مرتبطة بالحديث عن خطر مشترك يمكن أن يهدد تونس والجزائر، في إشارة إلى جهة
وصفها الرئيس الجزائري، بحسب البيان، بأنها "الدويلة التي أينما حلت سالت
الدماء والتي تستهدف الجزائر وتونس".
وقال الحزب إنه "يرجح" أن يكون
هذا هو المقصود من تصريحات الرئيس الجزائري، معتبرا أن ما عزز هذا التفسير هو
التوضيحات التي صدرت عن مسؤولين جزائريين بشأن احترام بلادهم للسيادة التونسية
باعتبارها مبدأ أساسيا يحكم العلاقات الثنائية بين البلدين.
واعتبر حزب العمل والإنجاز أن ذلك يؤكد، من
وجهة نظره، أن "سوء فهم والتباسا" قد حصلا نتيجة التعامل مع مقطع مجتزأ
من الحوار، وهو ما أدى إلى قراءات ربطت تصريحات تبون بالوضع السياسي الداخلي في
تونس.
ويأتي هذا التوضيح في ظل حساسية سياسية
متزايدة في تونس بشأن العلاقة مع الجزائر، التي تعد من أبرز شركاء البلاد على
المستويين السياسي والاقتصادي والأمني، وفي ظل استمرار الجدل الداخلي حول مستقبل
المسار الديمقراطي والحريات العامة في البلاد.
دعوة إلى حماية العلاقات بين البلدين
وعبر الحزب عن أسفه لما وصفه بما حصل، داعيا
إلى العمل على صيانة العلاقات التونسية الجزائرية والارتقاء بها إلى "أعلى
درجات التعاون"، بما يخدم مصالح البلدين والشعبين.
وشدد على أن هذه العلاقات ينبغي أن تقوم على
أساس الأخوة والمصالح العليا المشتركة والاحترام المتبادل، محذرا في الوقت نفسه من
محاولات قد تستهدف الإضرار بهذه الروابط "تحت أي غطاء".
وقال الحزب إن الحفاظ على العلاقات بين تونس
والجزائر لا ينبغي أن يكون رهينا بالظروف السياسية الطارئة أو الخلافات العابرة،
مؤكدا أن الروابط بين البلدين تمتد إلى عمق تاريخي وشعبي واستراتيجي يتجاوز أي
سجال سياسي آني.
"استعادة
الديمقراطية عامل قوة لتونس"
وفي سياق متصل، ربط حزب العمل والإنجاز بين
قوة الدولة التونسية واستقرار مؤسساتها وشرعيتها وبين طبيعة علاقاتها الخارجية،
مؤكدا أن استعادة تونس لمسارها الديمقراطي وبناء دولة قوية بمؤسساتها وشرعيتها
وسيادتها سيكونان، بحسب تقديره، "عامل قوة" للبلاد ولعلاقاتها الخارجية،
وفي مقدمتها العلاقة مع الجزائر.
وأشار الحزب إلى أن العلاقات التونسية
الجزائرية شهدت، خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي في تونس، تطورا ملحوظا في مجالات
عدة، من بينها التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب في المناطق الحدودية، إلى جانب جهود
التنمية المشتركة في تلك المناطق.
واعتبر أن التعاون الأمني والتنمية في
المناطق الحدودية يمثلان نموذجا للمصالح المشتركة التي تجمع البلدين، خصوصا في ظل
التحديات التي تواجه المناطق الحدودية المشتركة، والتي تتطلب تنسيقا مستمرا بين
السلطات في تونس والجزائر.
كما استحضر الحزب ذكرى أحداث ساقية سيدي
يوسف، التي شكلت إحدى أبرز محطات التاريخ المشترك بين البلدين، مشيرا إلى أن إحياء
هذه الذكرى تحول إلى محطة مهمة في مسار التعاون التونسي الجزائري.
وترمز أحداث ساقية سيدي يوسف إلى القصف الذي
تعرضت له البلدة التونسية الحدودية في 8 شباط/فبراير 1958 من قبل القوات الفرنسية،
خلال فترة الثورة الجزائرية، ما أدى إلى سقوط ضحايا تونسيين وجزائريين، وأصبح
الحدث لاحقا رمزا للتضامن الشعبي بين البلدين في مواجهة الاستعمار الفرنسي.
علاقات تتجاوز الخلافات السياسية
وأكد حزب العمل والإنجاز في ختام بيانه أن
العلاقة بين تونس والجزائر "أكبر من أي ظرف سياسي أو جدل عابر"، داعيا
إلى التعامل معها باعتبارها رصيدا تاريخيا واستراتيجيا يتعين الحفاظ عليه وتطويره
بما يخدم سيادة البلدين ومصالح شعبيهما.
ويعكس موقف الحزب محاولة لاحتواء الجدل الذي
أثارته تصريحات الرئيس الجزائري، عبر التأكيد على أن العلاقات بين البلدين يجب ألا
تتأثر بالتجاذبات السياسية الداخلية أو بالتفسيرات التي قد تنتج عن اقتطاع تصريحات
من سياقها.
كما يسلط البيان الضوء على حساسية العلاقة
بين تونس والجزائر، التي ترتبطان بحدود مشتركة وعلاقات تاريخية وشعبية وثيقة، فضلا
عن تعاون في ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد والتنمية الحدودية.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه تونس تحديات
اقتصادية وسياسية متراكمة، بينما تظل الجزائر أحد أبرز الأطراف الإقليمية التي
تحظى علاقاتها بتونس بأهمية خاصة، ما يجعل أي سجال سياسي أو إعلامي بين البلدين
موضع اهتمام واسع، خصوصا في ظل تشابك الملفات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية
بينهما.
وختم حزب العمل والإنجاز بيانه بالتأكيد على
تمسكه بالأخوة التونسية الجزائرية، قائلا: "عاشت تونس، وعاشت الجزائر، وعاشت
الأخوة التونسية الجزائرية".
من هو عبد اللطيف المكي وحزب العمل
والإنجاز؟
يُعد عبد اللطيف المكي، الأمين العام لحزب
العمل والإنجاز، أحد أبرز الوجوه السياسية في تونس، وسبق له أن تولى منصب وزير
الصحة في حكومة حمادي الجبالي بين عامي 2011 و2013، كما كان من القيادات البارزة
في حركة النهضة قبل أن يغادرها ويؤسس حزب العمل والإنجاز.
وينتمي الحزب إلى التيار السياسي الذي يدافع
عن الانتقال الديمقراطي والعودة إلى المسار الدستوري، كما تبنى مواقف معارضة
لإجراءات الرئيس قيس سعيّد منذ 25 تموز/يوليو 2021، ودعا إلى احترام الحريات
والمؤسسات المنتخبة.
وقد واجه المكي، شأنه شأن عدد من السياسيين
المعارضين، ملاحقات وقضايا قضائية في السنوات الأخيرة، في سياق انتقادات واسعة من
المعارضة ومنظمات حقوقية للمسار السياسي الذي اتبعته السلطات التونسية منذ 2021.
ويأتي موقف حزب العمل والإنجاز من تصريحات
الرئيس الجزائري في هذا السياق، إذ يحاول الحزب الفصل بين موقفه المعارض للسلطة في
تونس وبين علاقات البلاد مع الجزائر، مؤكدا أن الخلافات السياسية الداخلية لا
ينبغي أن تتحول إلى مصدر توتر بين البلدين، وأن استعادة المسار الديمقراطي، من
وجهة نظره، يمكن أن تعزز الدولة التونسية وعلاقاتها الخارجية بدلا من إضعافها.
اظهار أخبار متعلقة