نشرت صحيفة
نيويورك تايمز مقالا لمديرة مكتبها للعراق وإيران، إريكا سولومون، قالت فيه إن ظهور الرئيس
ترامب بأنه يتراجع مرة أخرى عن تهديد بالتصعيد العسكري ضد
طهران، قدم مادة جديدة تدعم السردية التي يحرص المسؤولون
الإيرانيون على ترويجها: فهم ليسوا الطرف الذي يخشى
الحرب، بل ترامب هو من يخشاها.
تعتقد القيادة الإيرانية أنها عثرت على "نقطة ضعف" العالم القاتلة. فبمساعدة حلفائها من الميليشيات الإقليمية، أمضت طهران الأسبوع الماضي في التأكيد على قدرتها على تهديد العديد من أهم منشآت الطاقة والممرات المائية في العالم.
وقد واصلت رفع سقف التحدي في مواجهتها مع واشنطن بشأن توقيت وكيفية وقف الأعمال العدائية المتجددة، والعودة إلى اتفاق -كان قصير الأمد- لبدء مفاوضات السلام، وهو الاتفاق الذي انهار الشهر الماضي.
وعندما ألمح ترامب في الأيام الأخيرة إلى أن تصعيدا كبيرا بات وشيكا ما لم تُقدم طهران تنازلات، قال مسؤولان إيرانيان سابقان إن القيادة الإيرانية أبلغته بالمضي قدما في ذلك.
وقال أمير الموسوي، وهو دبلوماسي إيراني سابق - ذكر أنه التقى خلال عطلة نهاية الأسبوع بالفريق المحيط بكبير المفاوضين الإيرانيين ورئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف- إنهم "مستعدون للحرب ولن يتراجعوا". ووصف الموسوي تبادلا للرسائل جرى خلال عطلة نهاية الأسبوع بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين عبر وسطاء باكستانيين وقطريين، حيث هدد ترامب بشن هجوم عنيف على البنية التحتية المدنية -مثل محطات الطاقة- إذا لم يستأنف الإيرانيون المفاوضات.
وأضاف أن الإيرانيين رفضوا ذلك ما لم تعد واشنطن إلى "مذكرة التفاهم" المتفق عليها سابقا، والتي يرى العديد من الخبراء أنها كانت تصب في مصلحة إيران.
ونقل الموسوي عن الإيرانيين قولهم للأمريكيين: "ليس لدينا أي مشكلة مع الحرب إطلاقا، ونحن مستعدون للمواجهة الكبرى".
قال ساسان كريمي، وهو مسؤول حكومي إيراني سابق وأستاذ للدراسات الإيرانية في جامعة طهران، إن المسؤولين الإيرانيين لاحظوا نمطا متكررا في محاولات ترامب لتشكيل مسار المفاوضات.
وأوضح قائلا: "كلما جرى تبادل للرسائل، يبدأ ترامب في الضغط على الموقف عبر تهديد إيران، وذلك في محاولة لانتزاع المزيد من التنازلات. لكن إيران ليست طرفا يسهل التلاعب به".
اظهار أخبار متعلقة
وفي يوم الأحد، صرح ترامب بأنه تراجع عن خطة التصعيد التي كان يعتزم تنفيذها، وذلك بعد أن طلبت إيران ودول أخرى في الشرق الأوسط تأجيل الخطوة نظرا للتوصل إلى اتفاق بشأن "الخطوط العريضة للصفقة".
ومع ذلك، لا توجد مؤشرات علنية تشير إلى أي عودة للمفاوضات الأمريكية الإيرانية. وبحسب دبلوماسيين إقليميين، فإن ما حدث فعليا هو أن السعودية وقطر أعربتا عن مخاوفهما بشأن قدرتهما على حماية منشآت النفط والغاز التابعة لهما بشكل كاف.
وذكرت القناة الإخبارية السعودية الرسمية يوم الأحد أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -الحاكم الفعلي للمملكة- قد أجرى محادثة مؤخرا مع ترامب، شدد خلالها على "ضرورة إعطاء الأولوية للحوار لخفض حدة التوتر" و"الحيلولة دون نشوب صراع أوسع نطاقا".
وتعكس الهجمات الأخيرة التي شهدتها المنطقة مدى خطورة تلك المخاوف.
فقبل أسبوعين، قامت جماعة الحوثي - وهي ميليشيا متحالفة مع إيران في اليمن- بعرقلة استخدام الرياض لممر باب المندب المائي في البحر الأحمر؛ علما بأن السعودية كانت تضخ النفط عبر أنابيب إلى مينائها الواقع على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وذلك لتجاوز القبضة الإيرانية الخانقة على حركة الشحن العالمية عبر مضيق هرمز، الذي يُعد المسار الرئيسي لشحنات النفط الخارجة من الخليج العربي.
ثم في الأسبوع الماضي، تعرضت منشأتان نفطيتان رئيسيتان في السعودية لهجمات بمسيرات، في واقعة نسبتها الرياض إلى ميليشيات مدعومة من إيران في العراق. وبعد ذلك بيوم واحد، اندلعت النيران في سفينتين بميناء دمياط في مصر، فيما وصفته السلطات المصرية بأنه هجوم يبدو أنه نُفذ بمسيّرة، وهو ما اعتبره محللون إقليميون على نطاق واسع ضربة أخرى من جانب إيران أو وكلائها.
يقول إتش. إيه. هيليير، وهو زميل باحث أول في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، إن جوهر الصراع الحالي "يتمحور حول إعادة تصميم هيكل الأمن الإقليمي".
وأشار إلى أن محور هذا الصراع يكمن في مسألة السيطرة على مضيق هرمز، مضيفا: "الإيرانيون جادون للغاية بشأن عدم التنازل عن السيطرة، وهم مستعدون للجوء إلى القصف لضمان بقاء الوضع على ما هو عليه".
وإلى جانب هذه الديناميكية، وقع الهجوم المباغت في 17 تموز/ يوليو على مواقع عسكرية أمريكية في الأردن، مما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين.
وقال علي واعظ، مدير مشروع إيران في "مجموعة الأزمات الدولية"، إن "الضربة التي وقعت في الأردن كانت نقطة تحول جوهرية". وأوضح أن الهجوم لم يقتصر على إظهار أن ترسانة إيران الصاروخية لا تزال زاخرة بالمخزونات، بل كشف أيضا أن القدرات الاستخباراتية لطهران تفوق ما كان يُعتقد سابقا.
اظهار أخبار متعلقة
كما أثار الهجوم حالة نادرة من المعارضة الداخلية في الأردن -وهو حليف أمني محوري للولايات المتحدة في المنطقة- حيث تحدى مئات الأردنيين البارزين، بمن فيهم سياسيون ومحامون، القيود المفروضة على حرية التعبير في بلادهم للمطالبة بانسحاب القوات الأمريكية.
وقال واعظ: "لقد هدفت الاستراتيجية الإيرانية بأكملها في هذه الفترة إلى إفهام الولايات المتحدة أنه في حال حدوث جولة أخرى من التصعيد، فإن نطاق وحجم الرد الإيراني سيكونان أكثر تدميرا بكثير للمنطقة وللاقتصاد العالمي".
وأضاف أن ترامب لم يستوعب تماما دوافع الإيرانيين، ولا رفضهم القاطع للرضوخ للترهيب أو التخويف. وأشار واعظ إلى أن ترامب، سواء في ولايته الحالية أو السابقة، "أبدى عزوفا عن استيعاب الدرس" القائل بأن التكتيكات العدوانية تجاه إيران لم تؤدِّ إلا إلى تصلب موقفها.
وقال: "لقد مرت ثماني سنوات على سياسة 'الضغط الأقصى' التي انتهجها" عبر العقوبات الاقتصادية، والتي اقترنت الآن بضغط عسكري "لم يحقق قط ما كان يسعى إليه".
وفي الوقت نفسه، تواجه واشنطن أزمة استنزاف في مخزونات الذخيرة. ويقول بعض المسؤولين العسكريين إن قدرتهم على خوض صراعات مستقبلية — مثل ما يدعى الحرب المحتملة بين القوة العظمى والصين — قد تتعرض للعرقلة بسبب نقص الإمدادات الذي قد يستغرق علاجه سنوات، ولا سيما فيما يتعلق بالأسلحة الدفاعية مثل صواريخ "باتريوت".
قال فرزان ثابت، وهو محلل متخصص في الشؤون الإيرانية في معهد الدراسات العليا في جنيف بسويسرا: "إن الخيارات العسكرية الأمريكية ليست مثالية، ولا يقتصر الأمر ببساطة على ما يُنقل عن نقص في الذخائر".
وأضاف: "أولا، ليس من الواضح ما إذا كان التصعيد العسكري المحدود والمؤقت -الذي يبدي ترامب استعدادا للقيام به في هذه المرحلة- سيكون كافيا لتغيير حسابات إيران. وثانيا، من الصعب تصور أن تؤدي هذه الخيارات إلى إضعاف قدرات إيران من حيث الصواريخ والمسيرات لدرجة تمنعها من إغلاق مضيق هرمز بفعالية أو إلحاق مزيد من الأضرار بالبنية التحتية الحيوية وقطاع الطاقة في الخليج".
وفي ظل شعورهم بجرأة متزايدة، سخر بعض المتشددين الإيرانيين البارزين من المأزق الذي يبدو أن إدارة ترامب تجد نفسها فيه.
وقد رد إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، مكررا صدى تهديد سابق أطلقه ترامب في نيسان/ أبريل بشن ضربة تعيد إيران "إلى العصر الحجري".
وكتب رضائي في تعليق على منصة "إكس" ردا على تهديدات ترامب المتجددة في الأيام الأخيرة: "إذا شُنّت ضربة على إيران، فسنعيد المنطقة بأسرها ومرافقها إلى العصر الحجري".
اظهار أخبار متعلقة
وعندما أعلن ترامب تأجيل التصعيد، نشر المعلق المتشدد البارز، سيد محمد مرندي، صورة لشطائر "تاكو" بالدجاج على حسابه في "إكس"؛ في إشارة إلى اختصار ساخر يستخدمه منتقدو ترامب وهو (TACO)، والذي يعني بالإنجليزية "ترامب يتراجع دائما خوفا" (Trump Always Chickens Out).
وكتب معلقا على الصورة: "إيران لم تتزحزح عن موقفها".
وبدلا من الاقتراب من مرحلة المفاوضات، يرى بعض الخبراء الإقليميين أن الجانبين أصبحا أبعد عن بعضهما البعض من أي وقت مضى.
وقال كريمي، المسؤول الإيراني السابق، إن على إيران الاستعداد لمرحلة أخرى من الحرب في الأسابيع المقبلة.
وأشار إلى أنه طالما ظل كل من طهران وواشنطن مقتنعا بأنه الطرف الذي يجب تلبية مطالبه، فلن تكون هناك جدوى من المحادثات.
وقال: "للتوصل إلى اتفاق، يجب على الجانبين التحلي بالتواضع السياسي والاتفاق على أن طموحاتهما القصوى لن تنجح"، مضيفا أنه في الوقت الراهن، "هذه الديناميكيات غائبة عن الطاولة".