نشرت صحيفة "
الغارديان" مقالا للزميل غير المقيم في "مركز السياسة الدولية"، سينا طوسي، قال فيه إن الرئيس يتصرف وكأن ساحة المعركة لم تتغير، لكن الواقع مختلف؛ فإيران تمتلك أوراق ضغط وتدرك ذلك جيدا.
وجاء في المقال "وها هي الحرب تندلع من جديد. فبعد فترة من وقف إطلاق النار والهدوء النسبي، دخل دونالد
ترامب الآن اليوم الثاني من مرحلة جديدة لقصف
إيران، حيث أعلن الجيش الأمريكي عن ضرب 170 هدفا إيرانيا خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية".
وأوضح لم يكن هذا الأمر مفاجئا؛ ففي كلمته خلال قمة حلف الناتو في أنقرة هذا الأسبوع، صرح ترامب بأنه يعتقد أن مذكرة التفاهم بين
الولايات المتحدة وإيران قد "انتهت". ووصف القادة الإيرانيين بأنهم "أشخاص أشرار ومرضى"، مهددا بعمليات عسكرية جديدة وحتى بفرض حصار جديد على الموانئ الإيرانية، مع إبقاء الباب مفتوحا في الوقت ذاته لمزيد من المفاوضات.
جاءت تلك التصريحات عقب جولة جديدة من الضربات الأمريكية على جنوب إيران - ردا على هجوم
طهران على سفن تجارية كانت تعبر الجزء الجنوبي من مضيق هرمز خارج ممر الشحن المخصص لذلك - كما كانت تلك التصريحات بمثابة تمهيد لتلك الهجمات. وفي وقت متأخر من يوم الأربعاء، وردت أنباء عن وقوع انفجارات في ثلاثة مواقع أخرى داخل إيران؛ ومن المتوقع أن تتصاعد حدة الصراع من هذه النقطة. وقد كتب الرئيس الأمريكي على منصة "تروث سوشيال" (Truth Social): "هذا رد انتقامي على قصف إيران للسفن بالأمس. وإذا تكرر الأمر، فإن الوضع سيزداد سوءا".
ومع ذلك، فإن انهيار المذكرة لم يبدأ هذا الأسبوع؛ فقد بدأت تتداعى تقريبا منذ لحظة توقيعها بسبب المشكلة الجوهرية التي لازمت الدبلوماسية الأمريكية-الإيرانية لعقود: غياب أي أساس موثوق للثقة. لم يكن لدى طهران أسباب كافية للاعتقاد بأن واشنطن ستقدم تخفيفا دائما للعقوبات، أو تتخلى عن استراتيجيتها طويلة الأمد القائمة على الإكراه والسعي لتغيير النظام، أو تمتنع عن العودة لتلك السياسات نفسها بمجرد أن تتخلى إيران عن أهم أوراق الضغط التي تمتلكها. ولهذا السبب، تحول الصراع حول مضيق هرمز إلى القضية المحورية التي تحدد مصير المذكرة، بدلا من كونه مجرد نزاع هامشي.
اظهار أخبار متعلقة
من الناحية النظرية، توفر المذكرة مسارا لخفض التصعيد؛ إذ تقوم على منطق تسلسلي: استئناف حركة الشحن عبر مضيق هرمز بموجب "ترتيبات" إيرانية، ورفع الحصار الأمريكي المفروض على إيران، ومنح طهران استثناء بشأن النفط وإتاحة الوصول إلى أجزاء من أصولها المجمدة، ووقف التهديدات، وإنهاء الحرب في لبنان. كان الهدف من هذه الخطوات مجتمعة إرساء حد أدنى من الثقة في مرحلة ما بعد الحرب وفتح الباب أمام مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني.
غير أن هذا المنطق استند إلى افتراض هش: وهو أن واشنطن وطهران ستنظران إلى التنفيذ الجزئي باعتباره جسرا نحو تسوية شاملة، لا بوصفه فرصة للحفاظ على أوراق الضغط واختبار مدى عزم الطرف الآخر. وعمليا، لم يقتنع أي من الطرفين بأن الآخر يفي بالالتزامات الأكثر أهمية.
فمن وجهة نظر طهران، بدأت واشنطن في انتهاك بنود جوهرية على الفور؛ إذ لم يُنفَّذ البند الأول من المذكرة -الذي دعا إلى إنهاء الحرب في لبنان- حيث واصلت القوات الإسرائيلية عملياتها وحافظت على وجودها في أجزاء من البلاد. كما أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة قاومت الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة بالحجم الذي توقعته طهران. واستمر ترامب في إطلاق تهديدات عسكرية، بما في ذلك التهديد العلني باختطاف المفاوضين الإيرانيين خلال الجولة الأولى من المحادثات في سويسرا. ثم في 7 تموز/ يوليو، ألغت الولايات المتحدة الإعفاء الممنوح لإيران بشأن تصدير النفط، وذلك في وقت كانت طهران تسعى فيه لترسيخ سيطرتها على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز؛ ليس من خلال إغلاق المضيق نهائيا، بل عبر إجبار السفن على المرور عبر المسار الشمالي المحدد بدلا من المسار الجنوبي المدعوم أمريكيا.
لقد خلص كل طرف إلى أن الآخر يكتفي باقتناص التنازلات دون أن يقدم ما لديه منها. ومع ذلك، فإن انعدام الثقة المتبادل هذا ليس مجرد نتاج لأحداث وقعت مؤخرا، بل هو انعكاس لعقود من الدبلوماسية الفاشلة.
لقد شهد صناع القرار في إيران فرض العقوبات مرارا وتكرارا، ثم رفعها جزئيا، ثم إعادة فرضها في ظل الإدارات الأمريكية المتعاقبة. ومن منظور طهران، تكمن المسألة الجوهرية في ما إذا كان بإمكان أي رئيس أمريكي تقديم تخفيف للعقوبات وضمان استمرارية هذا التخفيف؛ إذ إن جانبا كبيرا من هيكلية العقوبات الأمريكية راسخ في تشريعات الكونغرس، مما يضطر الرؤساء إلى الاعتماد على إعفاءات قابلة للتجديد يمكن إلغاؤها بقرار إداري بسيط. وتدرك الشركات والمستثمرون هذه الحقيقة، ولهذا السبب لم يثمر تخفيف العقوبات -حتى بعد الاتفاق النووي لعام 2015- عن مستويات الاستثمار والاندماج المصرفي والعودة إلى الاستقرار الاقتصادي التي كانت تأملها إيران.
وتتمثل النتيجة الأهم في أن واشنطن قد قوضت تدريجيا مصداقية مبدأ تخفيف العقوبات بحد ذاته؛ فإذا كان يُنظر إلى التخفيف الاقتصادي على أنه إجراء مؤقت وقابل للإلغاء، فإنه يفقد الكثير من قيمته كحافز لإحداث تغيير دائم في السياسات. وقد خلصت طهران إلى استنتاج حاسم: وهو أن الوعود بتخفيف العقوبات مستقبلا تظل هشة للغاية بحيث لا يمكن بناء أمن البلاد وتنميتها الاقتصادية عليها.
ولعل ورقة الضغط هذه باتت اليوم أكثر أهمية وتأثيرا مما كانت عليه قبل الحرب؛ إذ لا تزال الاحتياطيات الاستراتيجية الأمريكية من النفط مستنزفة بشكل كبير، بينما تظل مخزونات النفط العالمية شحيحة، في ظل بقاء حركة الشحن عبر مضيق هرمز عند مستويات أدنى بكثير مما كانت عليه قبل الحرب. والنتيجة هي تضاؤل هامش الأمان اللازم لامتصاص أي تعطل طويل الأمد لحركة الملاحة في المضيق، مما يزيد من مخاطر حدوث صدمة عالمية كبرى في قطاع الطاقة.
وعلى النقيض من التخلي عن برنامجها النووي أو غيره من أوراق الضغط مقابل تخفيف للعقوبات قد يثبت أنه مؤقت، فإن مضيق هرمز يمنح طهران ميزة مختلفة جوهريا: ضمانة تقع بالكامل تحت سيطرتها المباشرة. فمن خلال توجيه الحركة التجارية عبر الممر المخصص لها، وربما إنشاء إدارة مشتركة مع جارتها البحرية عُمان لتحصيل رسوم العبور، ستتمكن إيران من ربط ازدهارها الاقتصادي -وكذلك تكلفة ممارسة الضغوط القسرية عليها- بسير الاقتصاد العالمي. صحيح أن الرؤساء الأمريكيين في المستقبل قد يتخلون عن الدبلوماسية، أو قد يعمد الكونغرس إلى تشديد العقوبات، لكن الإقدام على خطوات كهذه لن يكون بلا تكلفة اقتصادية.
اظهار أخبار متعلقة
ويعكس هذا الأمر تطورا أوسع في الفكر الاستراتيجي لطهران؛ إذ تمتلك إيران اليوم ثلاثة أشكال رئيسية من أوراق الضغط في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. يتمثل الشكل الأول في قدراتها العسكرية وشبكة تحالفاتها الإقليمية، بما في ذلك ترسانة الصواريخ والمسيرات، والقدرات البحرية غير التقليدية، وشركاء مثل حزب الله والحوثيين وجماعات مسلحة في العراق. ورغم أن هذه العناصر قادرة على فرض تكاليف عسكرية باهظة، إلا أنه من غير المرجح أن تؤدي النجاحات الميدانية -مهما بلغت- إلى تغيير جوهري في موازين القوى أمام القوة العسكرية المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل.
يتمثل العنصر الثاني في برنامج إيران النووي، الذي طالما كان ورقة المساومة الرئيسية لطهران مع واشنطن؛ ورغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بمنشآتها المعلنة، لا يزال البرنامج يمنح إيران خيارات مهمة حال قررت السعي الحثيث لامتلاك القنبلة النووية. ومع ذلك، فقد أصبح مصدر النفوذ الثالث -أي السيطرة على الممرات الاستراتيجية الحيوية للطاقة في المنطقة، وعلى رأسها مضيق هرمز- عنصرا لا غنى عنه بشكل متزايد.
وينطوي هذا التحول على درس مهم لواشنطن؛ إذ لا تكمن المسألة ببساطة في مدى استعداد إيران للتفاوض، بل فيما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تقديم ترتيبات تعتقد طهران أنها ستصمد حتى بعد تخليها عن أوراق قوتها. لم تقدم المذكرة إجابة عن هذا السؤال، بل ارتكزت على ضمانات اعتبرها القادة الإيرانيون قابلة للنقض، في حين طالبتهم بالتنازل عن أحد أشكال النفوذ القليلة التي اعتبروها ثابتة ومستدامة. وهذا لا يعني استحالة الدبلوماسية، لكنه يعني أن الاتفاقيات القائمة أساسا على وعود بتخفيف العقوبات مستقبلا من غير المرجح أن يكتب لها البقاء.
وإذا أخفقت واشنطن في إدراك مدى عمق التغيير الذي أحدثته الحرب في الحسابات الاستراتيجية لطهران، فإنها ستواصل التفاوض بناء على افتراضات لم تعد قائمة، وستستمر في إبرام اتفاقيات لا يؤمن أي من الطرفين حقا بأن الطرف الآخر سيلتزم بها.