هل أخطأ ستارمر؟.. ديبلوماسي بريطاني سابق يفتح معركة قضائية حول إقالته

تضع القضية حكومة كير ستارمر أمام اختبار جديد بشأن علاقتها بالخدمة المدنية، خصوصا أن الحكومة العمالية وصلت إلى السلطة وهي تؤكد أهمية المهنية والاستقلالية داخل مؤسسات الدولة.
تضع القضية حكومة كير ستارمر أمام اختبار جديد بشأن علاقتها بالخدمة المدنية، خصوصا أن الحكومة العمالية وصلت إلى السلطة وهي تؤكد أهمية المهنية والاستقلالية داخل مؤسسات الدولة.
شارك الخبر
فتح كبير موظفي وزارة الخارجية البريطانية السابق أولي روبنز جبهة قانونية جديدة ضد حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر، بعدما تقدم بطعن أمام المحكمة العليا على قرار إقالته من منصبه على خلفية أزمة التدقيق الأمني المرتبطة بتعيين بيتر ماندلسون سفيرا لدى الولايات المتحدة.

ويأتي التحرك القضائي في وقت تتواصل فيه تداعيات القضية التي أثارت جدلا داخل أروقة الحكومة البريطانية، بعدما كشفت تقارير أن روبنز تجاوز توصية أمنية برفض منح ماندلسون التصريح المطلوب، قبل أن تنتهي الأزمة بإقالته وسط اتهامات بأن القرار اتخذ على عجل ودون إجراءات عادلة. ويرى ممثلو روبنز ونقابة كبار موظفي الخدمة المدنية أن القضية تتجاوز شخص المسؤول السابق لتطال استقلالية الخدمة المدنية البريطانية وطبيعة العلاقة بين السياسيين وكبار الموظفين الحكوميين.

طعن أمام المحكمة العليا ضد قرار ستارمر

وأعلنت نقابة موظفي الخدمة المدنية البريطانية (FDA)، التي تمثل روبنز، أن المسؤول السابق تقدم بطلب لإجراء مراجعة قضائية أمام المحكمة العليا بشأن قرار رئيس الوزراء كير ستارمر إقالته من منصبه كرئيس للسلك الدبلوماسي البريطاني وكبير موظفي وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية.

ويطالب روبنز المحكمة بالنظر في قانونية قرار الإقالة، معتبرا أن رئيس الوزراء لم يكن يملك الصلاحيات القانونية الكافية لاتخاذ القرار بهذه الطريقة، وأن عملية عزله افتقرت إلى الإجراءات العادلة المطلوبة.

وقال فريقه القانوني إن الأسباب التي قدمت لإقالته كانت "غير منطقية"، وإن القرار اتخذ دون مسار رسمي واضح أو تحقيق كاف في ملابسات القضية التي شكلت أساس الإقالة.

وجاء التحرك القضائي بعد نحو ثلاثة أشهر من قرار ستارمر إنهاء مهمة روبنز، عقب كشف صحيفة "الغارديان" البريطانية تفاصيل تتعلق بطريقة التعامل مع ملف التدقيق الأمني الخاص بتعيين ماندلسون.

أزمة ماندلسون التي أطاحت بروبنز

وتعود جذور الأزمة إلى تعيين وزير حزب العمال السابق بيتر ماندلسون سفيرا بريطانيا لدى الولايات المتحدة، وهو القرار الذي أثار لاحقا جدلا واسعا بسبب علاقاته السابقة برجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية.

وكشفت تقارير صحفية أن هيئة التدقيق الأمني البريطانية (UK Security Vetting) أوصت بعدم منح ماندلسون التصريح الأمني اللازم، قبل أن يتم تجاوز هذه التوصية والمضي في إجراءات تعيينه.

وبحسب ما أوردته التقارير، فإن روبنز لعب دورا محوريا في تمرير الملف، وهو ما دفع الحكومة إلى تحميله مسؤولية طريقة إدارة إجراءات التدقيق، قبل أن يقرر ستارمر إقالته.

إلا أن روبنز ومؤيديه يرون أن موقفه كان منسجما مع ما كانت الحكومة ترغب في حدوثه، وأنه نفذ الإجراءات المطلوبة منه ضمن النظام القائم، معتبرين أن تحميله المسؤولية يمثل محاولة لتحميل موظف مدني تبعات قرار سياسي.

دفاع روبنز: أُقيل بسبب سوء فهم

وفي بيان له، قال روبنز إنه تقدم بالطعن "على مضض"، مؤكدا أن اللجوء إلى القضاء كان يمكن تجنبه لو قدم رئيس الوزراء اعتذارا عن الخطأ الذي ارتكبه، وأصلح الأضرار التي لحقت به وبعائلته.

وأضاف أن القضية باتت تتطلب تدخلا قضائيا لتحديد ما إذا كانت قرارات رئيس الوزراء "غير قانونية أو غير معقولة"، ولإلغاء آثارها.

وأكد أن إقالته جاءت نتيجة فهم خاطئ لطبيعة نظام التدقيق الأمني، وأنه لم يكن مخولا بالتدخل في الإجراءات المستقلة الخاصة بالتقييم الأمني.

نقابة الموظفين: القرار يهدد حياد الخدمة المدنية

ودافعت نقابة موظفي الخدمة المدنية في بريطانيا بشدة عن روبنز، معتبرة أن إقالته تمثل سابقة خطيرة بالنسبة لاستقلالية الخدمة المدنية البريطانية.

وقالت النقابة إن القضية توحي بإمكانية إقالة كبار الموظفين الحكوميين بقرار سياسي سريع دون إجراءات عادلة أو فهم كامل للوقائع.

وأضافت أن روبنز لم يكن ملزما بإبلاغ الوزراء بتفاصيل عملية التدقيق الأمني أثناء تنفيذها، بل كان دوره الالتزام بالنظام القائم الذي يفصل بين التقييم الأمني والقرارات السياسية.

وأشارت إلى أن موقفها يستند إلى مراسلات سابقة أكدت استقلالية عملية التدقيق الأمني، وأن الوزراء لا يتم إطلاعهم إلا على النتيجة النهائية للإجراءات وليس على تفاصيلها الداخلية.

لجنة الشؤون الخارجية: الإقالة ربما تمت دون تدقيق كاف

وتزامن التحرك القضائي مع انتقادات من لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، التي خلصت في تقرير لها إلى أن إقالة روبنز ربما تمت دون استكمال الإجراءات اللازمة ودون تأسيس كاف للوقائع.

وقالت اللجنة إن روبنز كان يعتقد أنه "ينفذ النتيجة التي كانت مطلوبة"، مشيرة إلى أن القرار اتُخذ على ما يبدو دون إجراء كامل لتحديد المسؤوليات.

غير أن اللجنة أثارت في الوقت نفسه تساؤلات حول دفاع روبنز عن دوره في القضية، وكذلك حول نظام التدقيق الأمني نفسه، وما إذا كانت الإجراءات المتخذة كافية لمعالجة المخاوف الأمنية التي ظهرت أثناء تقييم ملف ماندلسون.

تداعيات سياسية على حكومة العمال

وتضع القضية حكومة كير ستارمر أمام اختبار جديد بشأن علاقتها بالخدمة المدنية، خصوصا أن الحكومة العمالية وصلت إلى السلطة وهي تؤكد أهمية المهنية والاستقلالية داخل مؤسسات الدولة.

وقد تثير إقالة روبنز مخاوف بشأن تدخل السياسيين في عمل كبار الموظفين، بينما تقول الحكومة إن المسؤولية النهائية تقع على عاتق القيادات التي تتولى إدارة الملفات الحساسة، وإن فقدان الثقة كان سببا كافيا لإنهاء مهمته.

ومن المتوقع أن تعيد المراجعة القضائية فتح تفاصيل حساسة حول كيفية اتخاذ القرارات المتعلقة بالتعيينات الدبلوماسية والتدقيق الأمني، ومدى الفصل بين المسؤولية السياسية والدور التنفيذي للموظفين الحكوميين.

ماندلسون والجدل حول التصريح الأمني

وكانت قضية ماندلسون قد تحولت إلى أزمة سياسية بعدما تبين أن ملفه الأمني أثار مخاوف لدى الجهات المختصة، ليس فقط بسبب علاقته السابقة بإبستين، وإنما أيضا بسبب اتصالات وعلاقات مع شخصيات بارزة في دول مثل الصين وروسيا وإسرائيل، وفقا لما أوردته تقارير صحفية.

وفي وقت لاحق، أُقيل ماندلسون من منصبه بعد تصاعد الجدل بشأن علاقاته السابقة، فيما بقيت الأسئلة مفتوحة حول المسؤوليات داخل الحكومة والجهات الرسمية التي تعاملت مع ملف تعيينه.

ومع انتقال القضية إلى المحكمة العليا، بات مستقبل روبنز المهني والقانوني مرتبطا بقرار القضاء بشأن ما إذا كانت إقالته تمت وفقا للقانون، أم أنها كانت نتيجة قرار سياسي متسرع حمّله مسؤولية أزمة أكبر من صلاحياته ودوره الوظيفي.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)