الجماعات الجهادية تدخل عصر الذكاء الاصطناعي.. تجنيد وحرب خوارزميات

الجماعات الجهادية تنشط بقوة عبر "تيك توك"- ذكاء اصطناعي
الجماعات الجهادية تنشط بقوة عبر "تيك توك"- ذكاء اصطناعي
شارك الخبر
لم يعد استخدام الجماعات الجهادية لشبكة "الانترنت" مقتصراً على نشر البيانات الدعائية أو بث تسجيلات العمليات العسكرية، بل دخل إلى معترك الذكاء الاصطناعي، وهو ما منحها وسائل جديدة لإنتاج المحتوى، وتوسيع الانتشار، والتحايل على أنظمة الرقابة الرقمية.

وتشير تقارير حديثة صدرت عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، وصحيفة "نيويورك تايمز" اليومين الماضيين، إلى أن هذه التنظيمات لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلاً عن العمل التنظيمي أو الميداني، وإنما كأداة لتعزيز قدراتها القائمة وخفض كلفة أنشطتها الرقمية.

"آلة إعلامية" ذكية

لسنوات مضت، اعتمدت الجماعات الجهادية على وسائل التواصل الاجتماعي لنشر رسائلها، وكان تنظيم الدولة مثالاً بارزاً في استغلال المنصات الرقمية لإنتاج مواد دعائية عالية الجودة مقارنة بقدراته التقليدية.

لكن الذكاء الاصطناعي غيّر المعادلة، بعدما أصبحت أدوات إنتاج النصوص والصور والأصوات والفيديو متاحة بتكلفة منخفضة، ما يسمح لخلايا صغيرة أو مجموعات محدودة الموارد بإنتاج محتوى كان يتطلب سابقاً فرقاً متخصصة من المصممين والمترجمين ومنتجي المواد الإعلامية.

ويشير تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي تتيح إنتاج نصوص وصور ومقاطع صوتية ومرئية مخصصة وفق طبيعة الجمهور المستهدف، سواء عبر اللغة أو الخلفية الاجتماعية أو القضايا التي تستخدمها التنظيمات لاستقطاب المتابعين.

كما تمنح هذه الأدوات التنظيمات العابرة للحدود قدرة أكبر على تجاوز عائق اللغة، بعدما أصبحت الترجمة وتوليد المحتوى بلغات متعددة أكثر سهولة، وهو ما يمثل عاملاً مهماً بالنسبة لجماعات تسعى إلى الوصول إلى جمهور خارج نطاقها الجغرافي.

ويبرز التزييف العميق (Deepfake) كأحد مصادر القلق الرئيسية، إذ بات بالإمكان إنتاج تسجيلات صوتية أو مرئية تبدو وكأنها صادرة عن شخصيات سياسية أو دينية أو قيادات جماعات مسلحة، بهدف نشر روايات مضللة أو استغلال الفوضى المعلوماتية التي ترافق الأزمات والهجمات.

من يستخدم هذه الأدوات؟

لا تشير التقارير إلى تنظيم واحد بعينه، بل ترصد اتجاهاً أوسع داخل شبكات جهادية مختلفة.
وتشمل الحالات التي تناولتها الدراسات جماعة بوكو حرام وفصائل مرتبطة بها في نيجيريا ومنطقة بحيرة تشاد، وتنظيم الدولة وفروعه، بما فيها تنظيم الدولة في خراسان، وحركة الشباب في الصومال، إلى جانب جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة.

وتنقل صحيفة "نيويورك تايمز" عن بحث ميداني أجرته الباحثة أنتونيا جوليخ من جامعة كامبريدج، أن مقابلات مع عشرات المنشقين عن بوكو حرام وتنظيم الدولة في غرب إفريقيا كشفت عن استخدام عناصر من هذه الجماعات لروبوتات الدردشة في مجالات تتجاوز الدعاية، بما في ذلك الحصول على مساعدة تقنية في بعض الأنشطة.

لكن الباحثين يحذرون من تصوير هذه الجماعات باعتبارها قوى تقنية متقدمة؛ إذ يؤكد تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن التنظيمات الجهادية غالباً ما تتبنى التكنولوجيا المتاحة تجارياً، وتستخدمها بطريقة عملية لتطوير أساليب موجودة أصلاً، بدلاً من ابتكار تقنيات جديدة.

اظهار أخبار متعلقة


لماذا أصبحت إفريقيا ساحة بارزة؟

تبرز القارة الإفريقية باعتبارها إحدى المناطق التي تواجه هذا التحول بشكل واضح، خصوصاً مع نشاط جماعات مسلحة في مناطق تعاني تحديات أمنية ورقابية.

ويشير تقرير منصة "بريميوم تايمز" النيجيرية إلى أن انتشار الهواتف الذكية، وتوسع استخدام منصات التواصل الاجتماعي، وضعف أنظمة الرقابة الرقمية المحلية، خلق بيئة تسمح للتنظيمات الجهادية بالوصول إلى جمهور أوسع.

وتكمن المشكلة في أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت متاحة بسهولة ولا تحتاج إلى بنية تقنية ضخمة، في وقت تواجه فيه كثير من الدول فجوة بين توسع بنيتها الرقمية وقدرتها على حماية هذا الفضاء.

كما تمثل اللغات واللهجات المحلية تحدياً إضافياً؛ إذ تواجه أنظمة الإشراف الآلي التابعة للمنصات العالمية صعوبات في فهم بعض اللغات الإفريقية، ما قد يسمح ببقاء المحتوى المتطرف فترة أطول قبل اكتشافه.

ويظهر ذلك بوضوح في حالة منصة "تيك توك"، التي تحولت إلى إحدى ساحات المواجهة الرقمية، بعدما استفادت جماعات مثل بوكو حرام من طبيعة الخوارزميات القائمة على اقتراح المحتوى للوصول إلى مستخدمين خارج دائرة المتابعين المباشرين.

وتشير التقارير إلى أن عناصر مرتبطة بهذه الجماعات استخدمت المنصة في نشر مقاطع وبثوث مباشرة للتفاعل مع المتابعين والإجابة عن التساؤلات، بما يخلق نوعاً من الحضور الافتراضي الذي يتجاوز حدود الحسابات التقليدية.

كما أن حذف المحتوى لا يعني بالضرورة اختفاءه، إذ يمكن إعادة نشر المقاطع عبر حسابات أخرى خلال وقت قصير، ما يجعل المواجهة بين المنصات والتنظيمات سباقاً مستمراً.

هل أصبح الذكاء الاصطناعي أداة للتخطيط؟

تكشف صحيفة "نيويورك تايمز"، نقلاً عن دراسة أعدتها باحثة من جامعة كامبريدج، واقعة ميدانية واجهت فيها جماعة بوكو حرام خندقاً دفاعياً يحيط بقاعدة عسكرية في نيجيريا أعاق تقدم عناصرها الذين يستخدمون الدراجات النارية.

ووفق روايات منشقين نقلتها الدراسة، لجأ عناصر من الجماعة إلى استشارة أدوات الذكاء الاصطناعي عبر تزويدها بمعلومات حول نوع الدراجات والمسافات المطلوبة، للحصول على أفكار تقنية ساعدتهم في تعديل المعدات والتدريب على تجاوز العائق.

لكن تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية يشير إلى أن الأدلة على تحول الذكاء الاصطناعي إلى عامل حاسم في التخطيط العملياتي المعقد ما تزال محدودة.

ويرى الخبراء أن الاستخدامات الأكثر احتمالاً تتمثل في تحليل المعلومات المتاحة علناً، والبحث عن الأهداف واستطلاع المواقع، إضافة إلى تنظيم المعلومات المعقدة، وتحسين الاتصالات الرقمية.

دعم الأمن السيبراني

يرى خبراء نقلت عنهم التقارير الثلاثة التي رصدتها "عربي21"، أن الخطر الأساسي لا يكمن في أن الذكاء الاصطناعي سيغير طبيعة العمل المسلح بالكامل، بل في أنه يجعل بعض الأدوات القديمة أسرع وأرخص وأكثر قدرة على الوصول.

فإنتاج مادة دعائية احترافية كان يتطلب سابقاً معدات وفرقاً متخصصة، أما اليوم فأصبح جزء كبير من هذه العملية متاحاً عبر أدوات يمكن لأي مستخدم الوصول إليها. وينطبق الأمر ذاته على التجنيد؛ إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل كوسيط افتراضي يحاكي دور المجند البشري، عبر محادثات طويلة مع أشخاص معزولين اجتماعياً أو لديهم قابلية للتأثر بالخطاب المتطرف.

ويشير تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن روبوتات الدردشة قد تستخدم مستقبلاً كـ"موجه افتراضي" أو "رفيق عاطفي" يساعد في تعزيز القناعات المتطرفة وتثبيتها، خصوصاً لدى الأفراد الذين يتحركون خارج الهياكل التنظيمية التقليدية.

اظهار أخبار متعلقة


تمويل رقمي عبر الاحتيال

لا يتوقف استخدام الذكاء الاصطناعي عند الدعاية والتجنيد، إذ تشير التقارير إلى إمكانية استغلاله في تعزيز قدرات الجماعات الجهادية على جمع الأموال عبر الاحتيال والخداع الرقمي.

وتشمل المخاطر إنشاء حملات تصيد إلكتروني أكثر إقناعاً، وتزوير وثائق وهويات، وإنشاء جمعيات خيرية وهمية، واستغلال العملات الرقمية وأنظمة الدفع الحديثة لإخفاء حركة الأموال.

لكن الباحثين يشددون على أن الجماعات الجهادية ليست بالضرورة الأكثر قدرة على استغلال هذه الأدوات؛ إذ تظل شبكات الجريمة الإلكترونية المتخصصة أكثر تقدماً في كثير من هذه المجالات.

سباق بين المنصات والجماعات

أمام هذا التطور، تحاول شركات التكنولوجيا تعزيز أنظمة الحماية عبر حذف الحسابات المرتبطة بالإرهاب، وتطوير أدوات لرصد المحتوى المتطرف، وتشديد سياسات الاستخدام.

لكن المواجهة تحولت إلى سباق مستمر؛ فكلما طورت المنصات أنظمة كشف جديدة، تبحث الجماعات عن طرق للالتفاف عليها، سواء عبر منصات بديلة أو نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر لا تحتوي على مستويات الحماية نفسها.

ويشير تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى وجود مئات الآلاف من نماذج الذكاء الاصطناعي المتاحة على منصات مفتوحة، بعضها لا يخضع للضوابط التي تفرضها الشركات الكبرى، ما يزيد من صعوبة التحكم في إساءة الاستخدام.

كما أن إزالة الحسابات وحدها لا تبدو كافية، إذ تظهر التجارب في نيجيريا أن الحسابات المرتبطة بالجماعات المتطرفة يمكن أن تعود بأسماء جديدة أو تنتقل إلى منصات أخرى.
التعليقات (0)