في أي نظام سياسي، تُشكّل الأحزاب رافعة
أساسية لتنظيم التمثيل الشعبي، وصوغ البرامج، وتداول السلطة، ومساءلة الحكم. لكن
التجربة
اللبنانية تكشف وجهاً أكثر تعقيداً: فالأحزاب لم تكن دائماً أدوات تنافس
ديموقراطي بقدر ما تحوّلت، في محطات عديدة، إلى قنوات نفوذ ومصالح، وأحياناً إلى
منصّات لمشاريع خارجية تتقاطع مع الانقسام الداخلي وتغذّيه. يضاف إلى ذلك أنّ
البنية الحزبية في لبنان ارتبطت تاريخياً بالهوية الطائفية، إذ تمثّل معظم الأحزاب
شريحة مذهبية أو جماعة أهلية، فيما حافظت أحزاب أخرى على طابع علماني أو عابر
للطوائف، بدرجات متفاوتة من النجاح.
وفي السنوات الأخيرة، برزت محاولات لتأسيس
أحزاب جديدة تحمل خطاباً إصلاحياً أو مدنياً، لكنها لم تتمكّن بعد من فرض نفسها
شعبياً وسياسياً على نحو مستقر.
من هنا تأتي هذه السلسلة: قراءة موضوعية
للأحزاب اللبنانية في تاريخها وحاضرها، والتعرّف إلى قيمها ومبادئها وخياراتها،
لفهم دورها في صناعة
تاريخ لبنان والمساهمة في رسم مستقبله.
سنعود إلى ظروف نشأة كل حزب والسياق الذي
رافق تأسيسه، ونقرأ تحوّلاته التنظيمية والفكرية عبر المراحل المفصلية التي مرّ
بها لبنان، كما نتوقف عند خطابه السياسي، وعلاقته بالهوية الوطنية وبالانتماءات
الطائفية، وتموضعه في التحالفات والصراعات الداخلية، وانعكاس ذلك على قاعدته
الشعبية.
لا يقتصر هدف هذه القراءة على سرد التاريخ،
بل على فهم كيفية تشكّل خيارات الحزب ومواقفه، وما الذي بقي ثابتاً في مبادئه وما
الذي تبدّل تحت ضغط الوقائع. نخصص هذه الحلقة بجزئها الثاني للتعرف إلى حركة "أمل" ـ أفواج
المقاومة اللبنانية، لكونها واحدةً من أبرز التنظيمات السياسية والعسكرية في تاريخ
لبنان المعاصر.
بعد أن تناول الجزء الأول نشأة وظروف تأسيس
حركة أمل، والتحوّلات الكبرى التي فرضها تغييب مؤسِّسها السيد موسى الصدر، فضلاً
عن دورها في الحرب الأهلية، نخصّص هذا الجزء للتعرّف إلى دور حركة أمل خلال مرحلة
السلم الأهلي والنظام الذي أرساه اتفاق الطائف (1989)، إضافة إلى دورها في مواجهة
الاحتلال والاعتداءات المتجدّدة خلال مختلف المراحل من تاريخ الصراع بين لبنان
وإسرائيل.
الشراكة في سلطة ما بعد الطائف
أرسى اتفاق الطائف الذي وُقّع عام 1989
وأُعلن رسميًا عام 1990 معادلةً سياسية جديدة للحكم في لبنان، نقلت صلاحيات جوهرية
من رئيس الجمهورية الماروني إلى رئيس مجلس الوزراء السني ومجلس النواب الذي يرأسه
شيعي، بموجب العرف الطائفي. فدخلت حركة أمل مرحلة جديدة أعادت تعريف دورها من حركة
عسكرية ـ سياسية إلى أحد أركان النظام السياسي الناشئ. فتسلم نبيه بري، المحامي
اللامع ورئيس حركة أمل، رئاسةَ مجلس النواب اللبناني منذ عام 1992 وحتى اليوم،
مثبتًا بذلك حضور حركة أمل في قلب المؤسسة الدستورية للمشاركة في صياغة التوازنات
التي أفرزها الطائف، مستفيدة من موقعها كأحد أبرز ممثلي الطائفة الشيعية داخل
مؤسسات الدولة.
ساهمت حركة أمل في تعزيز مكانة الطائفة الشيعية داخل الدولة، فإلى جانب كون رئيسها نبيه بري هو رئيس البرلمان، حافظت الحركة على كتلة نيابية وازنة خلال مختلف المراحل ونسجت تحالفات تعزز حضورها ومشاركتها في صناعة القرار، فيما وظّف برّي منصب رئاسة المجلس بوصفه حصنًا يحمي مكتسبات الطائفة الشيعية في إطار الميثاق الوطني. وعُرف بري بأسلوبه التوافقي في إدارة جلسات المجلس النيابي وبناء التحالفات عبر الحدود الطائفية.
في تلك المرحلة، برز دور رئيس الحركة نبيه بري بوصفه أحد أبرز مهندسي التفاهمات
السياسية لما بعد الحرب، ما جعله ركناً أساسياً في السلطة التشريعية وصاحب موقع
محوري في إدارة الحياة السياسية اللبنانية. وقد ساهم بري في تثبيت حضور أمل داخل
الدولة عبر المشاركة في الحكومات المتعاقبة، وإعادة دمج كوادر الحركة ضمن مؤسسات
الإدارة والأمن.
ارتبطت تلك المرحلة أيضاً بالوصاية السورية
إذ لعب نظام الأسد الذي كان يحكم سوريا دوراً مركزياً في ضبط الحياة السياسية بعد
الطائف. وقد نسجت حركة أمل علاقة سياسية وثيقة مع دمشق، اتسمت بالتنسيق والتكيّف
واستثمار المظلة السورية لصالح أهدافها السياسية والاجتماعية، واستثمرت حضورها في
السلطة للإمساك بملفات الخدمات التي يتوق إليها المواطنون المنهكون من الحرب
الأهلية، وبالتعيينات في الإدارة العامة ومؤسسات الدولة التي همّشت أبناء الطائفة
الشيعية لسنوات طويلة. كل ذلك منح حركة أمل هامشاً واسعاً داخل السلطة، لكنه وضعها
أيضاً ضمن منظومة نفوذ إقليمي أثّرت على استقلالية القرار اللبناني وعززت تبعيته
للنظام السوري.
ساهمت حركة أمل في تعزيز مكانة الطائفة
الشيعية داخل الدولة، فإلى جانب كون رئيسها نبيه بري هو رئيس البرلمان، حافظت
الحركة على كتلة نيابية وازنة خلال مختلف المراحل ونسجت تحالفات تعزز حضورها
ومشاركتها في صناعة القرار، فيما وظّف برّي منصب رئاسة المجلس بوصفه حصنًا يحمي
مكتسبات الطائفة الشيعية في إطار الميثاق الوطني. وعُرف بري بأسلوبه التوافقي في
إدارة جلسات المجلس النيابي وبناء التحالفات عبر الحدود الطائفية.
وبذلك، يمكن القول إن مرحلة الطائف وما
بعدها كرّست حركة أمل كقوة سياسية داخل النظام اللبناني، شريكة في الحكم، ومرتبطة
عضوياً بالتحولات الإقليمية، مقابل تثبيت أمل لدورها كأحد أعمدة التمثيل السياسي
الشيعي في الدولة اللبنانية.
في موازاة ذلك، كانت إسرائيل تحتل جنوب
لبنان وتقتل أبناءه وتدمر البنية التحتية والبيوت. وكان الاحتلال قد بدأ منذ العام
1978 في ما يُعرف بعملية الليطاني مروراً بالاجتياح الكبير عام 1982 وصولاً إلى
الإبقاء على ما يُعرف بالشريط الحدودي المحتل منذ العام 1985 وحتى العام 2000.
مواجهة الاحتلال الإسرائيلي
تبدّلت الأدوار التي لعبتها حركة أمل خلال
مراحل الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، قبل تحريره عام 2000، وهي اليوم أيضاً
تؤدي دوراً سياسياً داعماً للمقاومة مع تجدّد الاعتداءات الإسرائيلية واحتلال
مناطق واسعة من جنوب لبنان إبان الحرب الأخيرة.
ويمكن فهم دورها عبر أربع مراحل أساسية:
1 ـ مرحلة ما بعد اجتياح 1978: اتسمت بنظيم
البيئة الشيعية الجنوبية إذ تحولت حركة أمل تدريجياً إلى القوة الشيعية الأكثر
حضوراً في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. في تلك المرحلة، لم تكن الحركة تمتلك
بعد بنية مقاومة عسكرية منظمة بحجم ما سيظهر لاحقاً، لكنها أدّت دوراً أساسياً
في: تنظيم المجتمع الشيعي المحلي، حماية
القرى الجنوبية نسبياً، بناء شبكات اجتماعية وخدماتية، التعبئة السياسية ضد
الاحتلال وضد التهميش الداخلي، مواجهة آثار الاحتلال الإسرائيلي.
2 ـ اجتياح 1982 وبداية المقاومة الشيعية
المسلحة: بعد وصول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت، بدأت حالة تعبئة واسعة ضد الاحتلال
داخل البيئة الشيعية. في هذه المرحلة شاركت أمل في عمليات مقاومة محلية ضد الجيش
الإسرائيلي، خصوصاً في الجنوب والضاحية. لكن في الوقت نفسه، بدأت تتكوّن نواة
التيار الإسلامي المرتبط بإيران، والذي سيتحول لاحقاً إلى حزب الله. وعندها، ظهر
الاختلاف بين الطرفين فحركة أمل بقيت أقرب إلى حركة لبنانية ذات خطاب شيعي، بينما
تبنى حزب الله خطاباً إسلامياً عقائدياً مرتبطاً بمبدأ ولاية الفقيه وقيم الثورة
الإيرانية.
3 ـ تقاسم الأدوار بين أمل وحزب الله (1990 ـ
2000) بعدما التوتر ذروته في أواخر الثمانينيات خلال ما عُرف بـ"حرب
الأخوة" وكنا قد تحدثنا عنها في المقال السابق، دعمت سوريا حركة أمل بدرجة
كبيرة، بينما حظي حزب الله بدعم إيراني مباشر. وانتهت المواجهات تدريجياً بتفاهم
سوري–إيراني فرض نوعاً من إعادة توزيع الأدوار والوظائف: حركة أمل تشارك في السلطة
اللبنانية وتسيطر على جزء مهم من التمثيل الشيعي داخل إدارة المؤسسات والوزارات
والبرلمان، حزب الله يتولى المقاومة العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي ويطوّر قوته
العسكرية والأمنية تحت سقف "المقاومة". وقد سمحت هذه المعادلة بوجود نوع
من التكامل بين الحزبين الشيعيين بحيث تؤمّن أمل الغطاء السياسي والمؤسساتي
للمقاومة داخل الدولة فيما يقود حزب الله العمل العسكري ضد إسرائيل.
4 ـ بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000: أصبح
حضور حركة أمل مرتبطاً بالسلطة السياسية والإدارة المحلية وبالتمثيل البرلماني
والحكومي، فيما احتفظ حزب الله بدوره العسكري وشكّلا معاً ما عُرف بـ"الثنائي
الشيعي" وهو مصطلح لا يعني اندماج الحزبين في تنظيم واحد، بل يشير إلى ثبات
تحالفهما السياسي وتنسيقهما الانتخابي ووحدة موقفهما في القضايا الكبرى، كما يشير
إلى أن تمثيل الطائفة الشيعية بات محصوراً بهذين الطرفين.
أما اليوم، وفي ظل تجدد الحروب الإسرائيلية
على لبنان وإعادة احتلال أجزاء واسعة من جنوبه، فتشارك حركة أمل بمعادلة مختلفة
عمّا كانت عليه خلال التسعينات وأوائل الألفين. فالحركة لم تعد تمتلك دوراً
عسكرياً لكنها جزء أساسي من البيئة السياسية والاجتماعية الداعمة لخيار
"المقاومة".
سياسياً، يعمل رئيس الحركة ورئيس البرلمان
نبيه بري على إدارة الاتصالات الداخلية والخارجية المرتبطة بالتصعيد الأمني
والعسكري، مستفيداً من شبكة علاقاته الإقليمية والدولية. وقد تحوّل بري إلى أحد
أبرز الوسطاء السياسيين في ملفات التهدئة والمفاوضات غير المباشرة المتعلقة بتطبيق
القرار 1701، والضغوط الدولية الرامية إلى منع توسّع الحرب.
تكشف مسيرة حركة أمل عن ظاهرة سياسية متعددة الطبقات. فهي من جهة تُجسّد نجاحًا تاريخيًا في تحويل طائفة مهمشة إلى لاعب محوري في معادلة الحكم اللبناني، ومن جهة أخرى، تحمل تناقضاتٍ لا يمكن إغفالها في أي قراءة موضوعية: الجمع بين المقاومة المسلّحة والدولة، المشاركة محاصصة الحكم وزعم بناء مؤسسات الدولة، والاندراج ضمن منظومة حكم طائفي أفضت إلى أزمات لبنان البنيوية.
أما ميدانياً، فوجود حركة أمل في الجنوب
يظهر أساساً عبر شبكاتها التنظيمية والاجتماعية والمحلية داخل القرى والبلدات
الشيعية الحدودية. إذ يشارك مناصروها في إدارة شؤون النازحين والإغاثة والتنظيم
المحلي، وفي الحفاظ على التماسك الاجتماعي في المناطق المتضررة من القصف
الإسرائيلي.
في المحصلة، يُمثّل الثنائي الشيعي تحالفًا
براغماتيًا بين طرفين يتقاسمان جمهورًا وجغرافيا ومصالح آنية، لكنهما يحملان
مشروعين سياسيين مختلفين في جوهرهما: أمل التي تبقى حركةً لبنانية تسعى إلى تمثيل
الشيعة ضمن الدولة، وحزب الله الذي ينتمي إلى مشروع إقليمي أوسع. وهذا التوتر
الكامن هو الذي يفسّر لماذا يتحالف الطرفان من دون أن يندمجا، ويتسّقان من دون أن
يتطابقا.
الواقع والتحديات
تكشف مسيرة حركة أمل عن ظاهرة سياسية متعددة
الطبقات. فهي من جهة تُجسّد نجاحًا تاريخيًا في تحويل طائفة مهمشة إلى لاعب محوري
في معادلة الحكم اللبناني، ومن جهة أخرى، تحمل تناقضاتٍ لا يمكن إغفالها في أي
قراءة موضوعية: الجمع بين المقاومة المسلّحة والدولة، المشاركة محاصصة الحكم وزعم
بناء مؤسسات الدولة، والاندراج ضمن منظومة حكم طائفي أفضت إلى أزمات لبنان
البنيوية.
إن حركة أمل، شأنها شأن كثير من الحركات
التي نشأت في سياق التحرر الاجتماعي ثم انخرطت لاحقاً في الدولة، تجد نفسها عند
مفترق طرق حقيقي: بين الإرث الوطني لموسى الصدر والواقع المعقّد لحسابات السلطة،
وبين الانخراط في مقاومة إسرائيل ومواجهة مطلب البعض بإبرام اتفاق سلام أو هدنة
معها. وقد يحدد تعاطي حركة أمل مع هذه الإشكاليات مستقبل الحركة ودورها في المرحلة
المقبلة من تاريخ لبنان، التي ما تزال ضبابية وغير واضحة المعالم.
مع الإشارة إلى أن العلاقة مع حزب الله بعد
اغتياله أمينه العام السيد حسن نصرالله (2024) صارت المسألة الأكثر تأثيرًا في
الديناميكية الداخلية لأمل؛ فرغم التنسيق السياسي الوثيق بين الطرفين تحت مظلة
"الثنائي الشيعي"، إلا أن التنافس على الحضور الجماهيري والخدمي في
البيئة الشيعية قائم ولا سيما مع ارتفاع الأصوات المحذرة من تأخير انطلاق إعادة
الإعمار في الضاحية الجنوبية لبيروت وفي الجنوب والبقاع. فالحركة التي نشأت على
خطاب موسى الصدر الجامع بين الاجتماعي والسياسي والوطني، باتت تُرى طرفًا في
منظومة تكرّس الطائفية.
إقرأ أيضا: من حركةٍ اجتماعيةٍ للمحرومين إلى ممثّلٍ سياسيّ للشّيعة.. مسار حركة أمل 1من2