دعم الاحتلال وحرب الإبادة على غزة.. إرث ثقيل يطارد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق

نفذت بريطانيا خلال عهد ستارمر ما لا يقل عن 518 طلعة استطلاعية فوق غزة طوال فترة الحرب- جيتي
نفذت بريطانيا خلال عهد ستارمر ما لا يقل عن 518 طلعة استطلاعية فوق غزة طوال فترة الحرب- جيتي
شارك الخبر
نشر موقع "ميدل إيست آي" مقالا للكاتب عمران ملا، استعرض فيه سجل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق كير ستارمر في دعم دولة الاحتلال خلال حرب الإبادة في غزة، واصفا إياه بأنه "دعم مستمر" ساهم في تشكيل إرثه السياسي الذي أدى إلى استقالته المبكرة.

وقال إن ستارمر استقال بعد أقل من عامين على فوزه بغالبية المقاعد بالبرلمان عام 2024، ومنذ ذلك الحين، فقد حزب العمال تحت زعامته دعما هائلا، مع صعود حزب الإصلاح في استطلاعات الرأي، وشعور ناخبي اليسار بأن الوضع قد بلغ حدا لا يطاق.

وأظهرت استطلاعات الرأي أن حزب العمال خسر أصواتا لصالح حزب الخضر اليساري أكثر مما خسره لصالح حزب الإصلاح في الانتخابات المحلية التي جرت الشهر الماضي، ثم كشفت دراسة جديدة أن أكثر من نصف ناخبي حزب العمال السابقين الذين يعتزمون التصويت لحزب وسطي أو يساري في الانتخابات العامة المقبلة، أشاروا إلى الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة كعامل مؤثر في قرارهم.

وتشير النتائج إلى الأهمية البالغة التي تركتها الإبادة الجماعية وتعاون بريطانيا مع دولة الاحتلال طوال فترة الإبادة على إرث ستارمر.

ونقل الموقع عن  جيريمي كوربن، سلف ستارمر في زعامة حزب العمال،  قوله إن "رئيس الوزراء المستقيل "استبدل المبادئ السياسية بأموال الشركات المانحة، تاركا وراءه إرثا من الوعود الكاذبة والتفاوت الصارخ، والتواطؤ في الإبادة الجماعية"، مضيفا "إن لم يكن هذا إفلاسا أخلاقيا، فماذا يكون إذا؟".

وقال زاك بولانسكي، زعيم حزب الخضر: "أنهارنا ملوثة، متقاعدون يسجنون لمجرد احتجاجهم، مهاجرون يضحى بهم، ودعم الإبادة الجماعية، هذا هو إرث ستارمر".

وأشار الموقع  إلى أن ستارمر، تبنى وهو في صفوف المعارضة، موقف الحكومة المحافظة حينذاك المؤيد لقصف غزة، مع أن الحرب الإبادية أدت إلى استشهاد نحو 73,000 فلسطينيا منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، ولا يزال آلاف آخرون في غزة في عداد المفقودين، ويفترض أنهم لقوا حتفهم تحت الأنقاض.

وفي 11 تشرين الأول/ أكتوبر سأله مذيع قناة "أل بي سي" عن رأيه في حصار غزة وإن كان مناسبا، وما يعني من قطع المياه والكهرباء؟ فأجاب: "أعتقد أن لإسرائيل هذا الحق، فالوضع مستمر، ومن البديهي أن كل شيء يجب أن يتم في إطار القانون الدولي، لكنني لا أريد التخلي عن المبادئ الأساسية التي تنص على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها".

ورفض ستارمر مجددا في الأيام التالية، إدانة قطع دولة الاحتلال الكهرباء والماء عن غزة، قبل أن يتراجع عن تصريحاته في 20  تشرين الأول/ أكتوبر.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، أمر ستارمر نواب حزب العمال بعدم تأييد اقتراح الحزب الوطني الاسكتلندي الذي يطالب بـ"إنهاء العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني".

وفي الشهر نفسه، وبعد أن استهدفت قوات الاحتلال أكثر من 50 مدنيا في غارة على مخيم للاجئين أسفرت أيضا عن استشهاد قائد في حماس، صرح وزير الخارجية في حكومة الظل، ديفيد لامي، قائلا: "من الواضح لي أن قصف مخيم للاجئين أمر خاطئ، ولكن من الواضح أيضا أنه إذا كان هناك هدف عسكري، فيمكن تبريره قانونيا".

وفي بداية عام 2024، أفادت التقارير أن ستارمر ضغط على رئيس مجلس العموم، ليندسي هويل، للخروج عن المألوف والسماح بمناقشة اقتراح مخفف من حزب العمال قبل اقتراح أقوى من الحزب الوطني الاسكتلندي يدعو إلى وقف إطلاق النار، مما أدى فعليا إلى إسقاط الاقتراح الأول.

ومرر تعديل حزب العمال، ولكن بعد أن ساد الفوضى في مجلس العموم، حيث انسحب نواب الحزب الوطني الاسكتلندي وحزب المحافظين احتجاجا.

وفي وقت لاحق من ذلك العام، بدأ حزب العمال في تمييز نفسه عن حكومة المحافظين بشأن غزة.

ودعا لامي الحكومة إلى نشر الاستشارة القانونية التي تلقتها بشأن بيع الأسلحة للاحتلال، متهما وزير الخارجية بـ"التهرب من المساءلة" ثم انفصل حزب العمال عن حزب المحافظين في أيار/ مايو بدعمه للمحكمة الجنائية الدولية بعد أن طلب المدعي العام كريم خان إصدار أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يواف غالانت.

واصل ستارمر، خلال فترة حكمه، التعاون العسكري البريطاني الكبير مع دولة الاحتلال، وفي  عهده، قامت بريطانيا بما لا يقل عن 518 طلعة جوية استطلاعية فوق غزة ، طوال فترة الإبادة الجماعية الإسرائيلية، وأصرت الحكومة على أن هذه الطلعات كانت "حصرا لتحديد مواقع الأسرى"، لكنها ظلت طي الكتمان.

وتبادلت بريطانيا المعلومات الاستخباراتية مع دولة الاحتلال، والتقطت صورا لغزة في أيام شهدت هجمات إسرائيلية أسفرت عن مقتل مواطنين بريطانيين.

وكان جيمس هندرسون، وهو جندي سابق في مشاة البحرية الملكية، يستقل قافلة تابعة لمنظمة "وورلد سنترال كيتشن" في غزة عندما استهدفت بغارة إسرائيلية في 1 نيسان/أبريل 2024.

وتحتفظ وزارة الدفاع البريطانية بمقاطع فيديو لغزة من يوم مقتل هندرسون، إلى جانب ستة من عمال الإغاثة الدوليين الآخرين، التقطتها طائرة تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني. لكنها رفضت نشر الشريط، مستندة إلى استثناءات تتعلق بالأمن القومي.

وفي آب/ أغسطس  2025، سأل موقع "ميدل إيست آي" وزارة الدفاع بموجب قانون حرية المعلومات عما إذا كانت تحتفظ بمقاطع فيديو التقطتها طائرات تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني لهجومين إسرائيليين في غزة استهدفا مواطنين بريطانيين أو متطوعين يعملون لدى منظمات خيرية بريطانية.

ورفضت وزارة الدفاع الكشف عن المعلومات، مستندة مجددا إلى استثناءات تتعلق بالأمن القومي والدفاع.
كما خدم نحو ألفي مواطن بريطاني-إسرائيلي مزدوج الجنسية في جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال الإبادة الجماعية التي ارتكبتها دولة الاحتلال في غزة، واعترفت حكومة ستارمر بـ"حق المواطنين البريطانيين مزدوجي الجنسية" في الخدمة في جيش الاحتلال الإسرائيلي وفي غزة.

اظهار أخبار متعلقة



وأثارت حكومة ستارمر غضب حكومة الاحتلال الإسرائيلي بتخليها عن اعتراض بريطانيا على اختصاص المحكمة الجنائية الدولية على دولة الاحتلال، وفرضها عقوبات على الوزيرين الإسرائيليين اليمينيين المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. وفي إطار تشديد موقفها تجاه الضفة الغربية المحتلة، أعلن حزب العمال لأول مرة في حزيران/يونيو 2026 أنه "لا ينبغي أن يكون هناك أي تورط اقتصادي في المستوطنات غير القانونية".

وقالت بريطانيا إنها ستفرض عقوبات جديدة على "الشبكات التي تمول وتمكن هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين" بالتنسيق مع فرنسا والنرويج وكندا ونيوزيلندا وأستراليا، لكن حكومة ستارمر قاومت دعوات العديد من نواب حزب العمال لحظر استيراد سلع المستوطنات بشكل كامل.

ومن الجوانب المثيرة للجدل الأخرى في سياسة ستارمر الخارجية نهجه تجاه مبيعات الأسلحة لدولة الاحتلال، ففي أيلول/سبتمبر 2024، علقت حكومة حزب العمال المنتخبة حديثا نحو 30 رخصة تصدير للأسلحة المصنعة في بريطانيا، بعد تقييمها وجود "خطر واضح" لاستخدام هذه الأسلحة في غزة في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

كما تم تعليق تراخيص مكونات طائرات إف-35 المصنعة في بريطانيا والمصدرة مباشرة إلى دولة الاحتلال، لكن اللافت للنظر هو استثناء الأجزاء المرسلة إلى مخزون قطع غيار برنامج إف-35 العالمي، والتي قد ينتهي بها المطاف في دولة الاحتلال.

وتشكل مكونات طائرات إف-35 المصنعة في بريطانيا 15% من كل طائرة إف-35، وهي إحدى أكثر الطائرات المقاتلة تطورا في العالم، والتي استخدمتها دولة الاحتلال على نطاق واسع في حملتها على غزة، وكذلك في لبنان وإيران.

وبررت الحكومة موقفها بأنه لا سبيل أمام بريطانيا لوقف تصدير قطع الغيار من جانب واحد دون التأثير على أسطول طائرات إف-35 العالمي وتهديد السلام والأمن العالميين.

وافقت حكومة ستارمر أيضا على شحن سلع عسكرية إلى دولة الاحتلال بقيمة 169 مليون دولار، وهو مبلغ يفوق إجمالي ما تمت الموافقة عليه في عهد حكومة المحافظين بين عامي 2020 و2023، وذلك خلال ثلاثة أشهر فقط.

وصرح ديفيد لامي، وزير الخارجية آنذاك، أمام البرلمان بأن "معظم ما نرسله ذو طبيعة دفاعية"، مثل الخوذات والنظارات الواقية، و"ليس ما نصفه عادة بالأسلحة". ومع ذلك، تضمنت الشحنات 8630 شحنة ذخائر منفصلة مصنفة ضمن فئة "القنابل والقنابل اليدوية والطوربيدات والألغام والصواريخ وغيرها من الذخائر المماثلة".

وتعرض ستارمر لانتقادات حادة بعد أن اتهمه وزير سابق في حكومته وحليف مقرب بتجاهل أدلة على جرائم حرب إسرائيلية.

ففي أذار/ مارس 2025، تراجع ستارمر عن تصريحات أدلى بها وزير خارجيته بأن دولة الاحتلال ترتكب "انتهاكا للقانون الدولي"، وقد رفض باستمرار توجيه اتهامات لدولة الاحتلال بارتكاب جرائم حرب، لكن في مقابلة حديثة مع بودكاست "نيوز إيجنتس"، قال وزير الصحة السابق ويس ستريتينغ إن ستارمر اتهمه بمشاركة ملف أدلة على جرائم حرب إسرائيلية، قدمه أطباء بريطانيون زاروا غزة "لأغراض سياسية"، بهدف تسريبه.

وقال ستريتينغ: "عندما أرسلت ذلك الملف، اتهمني رئيس الوزراء بإرسال وثيقة مصممة للتسريب" و "لقد التقيت بأطباء بريطانيين، وشعرت بالضيق مما قالوه لي، واطلعت على ادعاءات خطيرة وجوهرية بارتكاب جرائم حرب، وشعرت أن على هذا البلد مسؤولية أخلاقية وقانونية للرد".

وقد انتهج ستارمر، طوال فترة رئاسته للوزراء، سياسات متناقضة على نحو متزايد، ففي تموز/ يوليو 2025، أعلن حزب العمال أن بريطانيا ستعترف بدولة فلسطينية، لكنه أثار غضب نواب اليسار في البرلمان بربطه الاعتراف بعدم تنفيذ دولة الاحتلال لسياسات معينة، ثم اعترفت حكومة ستارمر بالدولة الفلسطينية في أيلول/سبتمبر، ما أثار رد فعل غاضب من الحكومة الإسرائيلية.

اظهار أخبار متعلقة



كما انتقل ستارمر من دعم السياسة الخارجية الأمريكية، وهو نهج تبناه في المعارضة، إلى إثارة غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بينما استمر في التعاون مع الولايات المتحدة خلال الحرب على إيران هذا العام.

وقال ستارمر في شباط/ فبراير بأن بريطانيا لن تشارك في الضربات على إيران، وأبلغ الولايات المتحدة أنها لا تستطيع استخدام القواعد البريطانية. لكنه سرعان ما تراجع عن موقفه، سامحا للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية لشن ضربات على مواقع الصواريخ الإيرانية، ما سهل ما وصفه خبراء قانونيون بحرب غير شرعية.

وأصر ستارمر على أن الضربات كانت "دفاعية" بحتة، ثم خاض حملته الانتخابية في الانتخابات المحلية على أساس عدم دخول بريطانيا الحرب على إيران.

في غضون ذلك، وجهت اتهامات لحكومته في الداخل بالاستبداد لقمعها الانتقادات الموجهة لدولة الاحتلال، وفي تموز/يوليو 2025، حظرت وزيرة الداخلية في حكومة ستارمر، إيفيت كوبر، جماعة "بالستاين أكشن" باعتبارها منظمة إرهابية. ويعد الآن أي شكل من الدعم للجماعة  جريمة يعاقب عليها بالسجن لمدة تصل إلى 14 عاما بموجب القانون البريطاني.

وفي شباط/فبراير، قضت المحكمة العليا بأن قرار الحكومة بحظر الجماعة "غير قانوني" و"تمييزي"، وذلك عقب طعن قدمته هدى عموري، المؤسسة المشاركة للجماعة.

وبعد استئناف الحكومة، نقضت محكمة الاستئناف قرار المحكمة العليا الأسبوع الماضي. ومنذ فرض الحظر، اعتقل آلاف الأشخاص بتهم تتعلق بالإرهاب لحملهم لافتات داعمة للجماعة في وقفات صامتة في أنحاء بريطانيا.

وفي الشهر الماضي، منع المعلقان السياسيان الأمريكيان جنك أويغور وحسن بيكر من دخول بريطانيا، في خطوة يقال إنها جاءت بسبب انتقادهما لدولة الاحتلال، وفي الوقت نفسه، لا يزال المسؤولون والشخصيات العسكرية الإسرائيلية موضع ترحيب في ظل حكومة ستارمر.

ففي  25 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، سافر رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، حرزي هاليفي، إلى بريطانيا في زيارة سرية، والتقى خلالها اللورد ريتشارد هيرمر، المدعي العام. وقد منحت الحكومة هاليفي حصانة خاصة خلال هذه الزيارة. وقد زار كل من وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، والرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، بريطانيا.

والتقى ساعر وزير الخارجية في نيسان/ أبريل 2025، بينما التقى هرتسوغ رئيس الوزراء في أيلول/سبتمبر من العام نفسه.

وقال روهان تالبوت، مدير المناصرة والحملات في منظمة "العون الطبي للفلسطينيين"، يوم الاثنين، إن "سجل ستارمر الدولي سيظل مشوها إلى الأبد بسبب أنصاف الحلول والتقاعس في مواجهة فظائع إسرائيل"، مضيفا: "في ظل قيادة ستارمر، واصلت المملكة المتحدة تزويد إسرائيل بالأسلحة، بينما قصفت قواتها مستشفيات غزة حتى حوّلتها إلى ركام، وحرمت عمدا سكان غزة من الغذاء والدواء اللازمين لبقائهم على قيد الحياة".

اظهار أخبار متعلقة



وفيما يتعلق بالإبادة الجماعية في غزة، فقد جعل ستارمر نفسه في نهاية المطاف مكروها بشدة من جميع الأطراف، مع ذلك، فقد استخدم سلاحه، لكن ليس بشكل كامل. سمح لسلاح الجو الملكي البريطاني بمشاركة المعلومات الاستخباراتية التي جمعت من طلعات الاستطلاع فوق غزة مع قوات الاحتلال، بينما كان في الوقت نفسه ينتقد حكومة نتنياهو ويدعو إلى إنهاء الحرب.

في نهاية ولايته كرئيس للوزراء، اتهمه أحد أعضاء حكومته السابقين بتجاهل أدلة على جرائم حرب . وقد يغير الزعيم البريطاني القادم مساره، أو قد لا يفعل.
التعليقات (0)