نشرت مجلة "نيوزويك" الأمريكية
تقريرا تستعرض فيه نجاح السياسة الأمريكية في
سوريا عقب سقوط نظام
الأسد، والتي تمثل نموذجا للدبلوماسية الفعّالة.
ويشير التقرير إلى أن دعم واشنطن للقيادة الجديدة برئاسة أحمد الشرع، إضافة إلى بناء تحالفات إقليمية، يساهم في تحقيق الاستقرار والعدالة الانتقالية.
وأوردت المجلة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي 21"، أنّ السياسة الأمريكية تجاه سوريا تقدم مكسبا حقيقيا نادرا، لأول مرة منذ عقود، سواء للمصالح الأمريكية أو للاستقرار الإقليمي، وكذلك لشعب نجا من أسوأ فظائع العصر الحديث.
وفي الوقت الذي تعيد فيه واشنطن تقييم موقفها في الشرق الأوسط وبحثها عن أطر جديدة للتفاعل مع الشركاء العرب، تستحق سوريا الاعتراف بها كنموذجٍ لما يمكن أن تحققه الدبلوماسية المبدئية القائمة على المصالح.
وأوضحت المجلة أنّ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 أتاح فرصة سارعت
الولايات المتحدة إلى استثمارها، إذ أنّ التخفيف السريع للعقوبات من قِبل إدارة ترامب بما في ذلك إلغاء العقوبات الشاملة في حزيران/ يونيو 2025 وشطب "هيئة تحرير الشام" من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، أرسل إشارة واضحة بأنّ واشنطن مستعدة للتعامل مع سوريا ما بعد الأسد بناءً على معطياتها الحالية لا ماضيها، وهي براغماتية بدأت تؤتي ثمارها بالفعل.
اظهار أخبار متعلقة
وأفادت المجلة أنّ القيادة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، تحركت لبناء المؤسسات واستعادة النظام بما يتوافق مباشرة مع أهداف واشنطن في مكافحة الإرهاب، وتحقيق الاستقرار الإقليمي، وحماية الفئات الضعيفة.
كما اتخذت الحكومة خطوات ملموسة ضد بقايا نظام الأسد، ففي نيسان/ أبريل 2026، اعتقلت السلطات أمجد يوسف، المعروف بـ "جزار التضامن"، وهو ضابط مخابرات سابق مسؤول عن مجزرة عام 2013 التي راح ضحيتها أكثر من 40 مدنياً في دمشق.
من جهته، وصف المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك هذه الخطوة بأنّها "قفزة قوية نحو المساءلة وإنهاء الإفلات من العقاب"، ما يعكس رغبة سوريا الجديدة في تحقيق العدالة رغم صعوبتها، لا سيّما مع تأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في أيار/ مايو 2025 كركيزة أساسية لعملية محاسبة ذات مصداقية يتعين على واشنطن دعمها بنشاط.
اظهار أخبار متعلقة
ويعكس هذا الزخم أيضا بحسب المجلة، أهمية التحالف الإقليمي الأوسع، إذ لعب الشركاء الخليجيون، وخاصة السعودية وقطر، دورا حيويا في إعادة دمج سوريا في المنظومة المالية الدولية، وتعهدوا بدعم استئناف عمليات البنك الدولي بعد تعليق دام 14 عاماً.
في الوقت نفسه، تظل تركيا والأردن والعراق أطرافاً رئيسية في إدارة الحدود واستقرار أوضاع اللاجئين. وعليه فإنّ السياسة الأمريكية التي تنسق مع هؤلاء الشركاء بدلا من تجاهلهم لا تعدّ تنازلا بل قوة مضاعفة، وتجسيداً للقيادة الأمريكية القائمة على بناء التحالفات لا العزلة.
وتابعت المجلة أنّ التقدم المحقّق بشأن ملف الأقليات حقيقي ولكنه غير مكتمل، وهذا التمييز بالغ الأهمية. فقد التقى الشرع بقادة الطوائف المسيحية منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024، وضمت تشكيلته الوزارية في آذار/ مارس 2025 ممثلين عن خلفيات متنوعة، كما اتجهت السلطة لإدماج طائفة الدروز في السويداء بالمؤسسات بدلا من تهميشهم.
ورغم ترحيب القادة الدينيين بهذه الخطوات المبكرة التي تتباين بوضوح مع عهد الأسد، إلا أنّهم يطالبون بضرورة اقتران الأقوال بحماية مستدامة وقابلة للتنفيذ.
وتتمثل العقبة الهيكلية الأخيرة أمام اندماج سوريا الكامل في المجتمع الدولي في تصنيفها، منذ عام 1979، كدولة راعية للإرهاب، وهو تصنيف اكتسبه نظام لم يعد قائما، كما أن المعيار القانوني لإلغاء هذا التصنيف واضح ويشترط تغييراً جذرياً في الحكومة والسياسات وقطعاً موثوقاً للسلوكيات السابقة.
وقطعت سوريا في عهد الشرع علاقتها بحزب الله، وطردت النفوذ الإيراني، وتشاركت بفاعلية مع واشنطن في مكافحة الإرهاب.
اظهار أخبار متعلقة
وبناءً على ذلك، يتعين استكمال المراجعة التي كُلّف بها وزير الخارجية ماركو روبيو العام الماضي، لأن رفع هذا التصنيف سيفتح الباب للمساعدات الأجنبية ويسهل المعاملات المالية لإعادة الإعمار، وهي نتائج تخدم المصالح الأمريكية والسورية معاً.
وأشارت المجلة إلى أن الولايات المتحدة نادرا ما تحظى بسياسة ناجحة في الشرق الأوسط، لكنّها تحقّقها اليوم في سوريا، والمطلوب الآن ليس إعلان النصر بل ترسيخه، عبر استمرار دعم المحاسبة، والضغط لتبني سياسات اقتصادية شفافة وشاملة، وإزالة الرواسب القانونية لنظام بائد استطاعت واشنطن الصمود أمامه حتى رحيله، مؤكدة أنّ الانتقال السوري هش ولكنه حقيقي، ويتعين على السياسة الأمريكية التعامل مع هذا الواقع بالجدية التي يستحقها.