حذرت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن
السودان، من تصاعد وتيرة الانتهاكات المروعة التي ترتكبها "قوات
الدعم السريع" في السودان، والتي باتت تعتمد بشكل متزايد على الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، وابتزاز المدنيين بمبالغ مالية كبيرة، كأدوات للسيطرة على السكان المحاصرين.
وكشف تحديث جديد قدمته البعثة الأممية لمجلس
حقوق الإنسان أمس، عن تحول مسار الانتهاكات التي تمارسها "قوات الدعم السريع" إلى اقتصاد حرب، قائم على اختطاف المدنيين وطلب الفديات، فضلا عن استهدافها المباشر للعاملين في المجال الإنساني والإغاثي، في وقت دخل فيه الصراع السوداني عامه الرابع وسط صمت دولي وغياب كامل للمساءلة.
ابتزاز وحملات إخفاء قصري
وقالت بعثة تقصى الحقائق إنها وثقت نمطا من الاحتجاز، يعقبُه الإكراه والابتِزَاز من قِبل قوات الدعم السريع، حيث يتم إجبار العائلات على دفع مبالغ مالية طائلة مقابل الإفراج عن أقارب محتجزين، حتى أن المبلغ وصل في بعض الحالات إلى 25 مليون جنيه سوداني أو ما يقارب 40 ألف دولار أمريكي.
ووفق اللجنة كان الأثر بالغا على حياة المدنيّين "فالتجار الذين تعتمد سبل عيشهم على عبور خطوط المواجهة، يتعرّضون لمخاطر مبرحة مثل الاختطاف، مما يقوّض بدرجة أكبر الاقتصادات المحليّة الهشّة أصلا، ويفاقم انعدام الأمن الغذائي في مناطق مثل الفاشر، والأبيض، والدلنج، وكادوقلي.
اظهار أخبار متعلقة
وأكدت اللجنة في تقريرها أن هذه الممارسات "فرضت أعباء اقتصاديّة ونفسية مدمّرة على الأسر التي تعاني أصلا من آثار النزاع والنزوح، مما يغذي اقتصاد الحرب المحظور، ويرقى إلى مستوى جريمة أخذ الرهائن".
إخفاء لعمال الإغاثة
وأعربت البعثة عن قلقِها البالغ إزاء اعتقال ما لا يقل عن 70 شخصا في الجنينة خلال شهر أيار/ مايو 2026 من قبل الاستخبارات العسكرية التابعة لقوات الدعم السريع، مؤكدة أن من بين المحتجزين عاملين في المجال الإنساني.
ولم ترِد أي معلومات عنهم منذ ذلك الحين، فيما لم تكشف قوات الدعم السريع عن أماكن وجودهم أو وضعهم القانوني، كما لم تسمح لأفراد عائلاتهم أو محاميهم بزيارتهم.
ووفق تحديث البعثة "تأتي موجة الاعتقالات هذه في أعقاب نمط من حملات مماثلة في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، حيث يُتَّهم المحتجزون غالبا بالعمالة أو بتقديم معلومات استخباراتية للقوات المسلحة السودانية وحلفائها".
وأشار التقرير إلى أن العديد من هؤلاء المعتقلين يتم نقلهم لاحقا إلى مرافق احتجاز في نيالا لمزيد من التحقيق، حيث يُحتجزون في ظروفٍ قاسية ويتعرضون للتعذيب.
اظهار أخبار متعلقة
وقالت عضو بعثة تقصي الحقائق منى رشماوي، إن "الاختفاء القسري للعاملين في المجال الإنساني يعد جريمة ويثير مخاوف بالغة الخطورة، فلا ينبغي أن يواجه أفراد الأسر الباحثين عن أحبائهم بالصمت وأن يتم تركهم في حالة من عدم اليقين أثناء بحثهم عن أحبائهم، مثل هذه الأفعال تقوّض العمليات الإنسانيّة وتزيد من تعريض المدنيّين المِعتمدين على المساعدات المُنقِذَة للحياة للمخاطر".
استهداف معارضين سياسيين
وأكدت اللجنة في تقريرها أنها وثقت قيام القوات المسلحة السودانية بمضايقة واعتقال واحتجاز قادة مدنيّين، ومعارضين سياسيّين، ومحامين، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وعاملين في المجال الإنساني، وصحفيين، اشتبِهَ في تعاونِهم مع قوات الدعم السريع.
وأوضحت اللجنة أن العديد من هؤلاء يحتجزون بسبب أدوارهم القيادية السابقة في الحركات الشعبية، أو لانتماءاتهم القبلية، أو روابطهم العائلية، أو آرائهم السياسيّة.
وأضافت: "لقد عانى صحفيّون ومقدمو معلومات مستقلّون كذلك من مضايقات واحتجازات وقيود مفروضة على الوصول إلى الإنترنت، مما يحدّ من تدفق المعلومات المستقلة خلال فترة الأزمة الحادة هذه".
وقالت اللجنة إن من بين ما وثقته "قضيّة محامٍ من سنجة معروف بدفاعه عن السجناء السياسيّين وضحايا القمع، فعقب سيطرة قوات الدعم السريع على سنجة، أنشأ المحامي وحدة طبيّة لتقديم العلاج المجاني؛ وبعد سيطرة القوات المسلحة السودانية على سنجة، جرى اعتقاله في وقتٍ لاحق، حيث أفادت تقارير بتعرّضه للتعذيب".
"ظروف احتجاز قاسية"
وأشارت اللجنة إلى أنها جمعت معلومات موثوقة تشير إلى أن ظروف الاحتجاز لدى كلا الطرفين (القوات المسلحة وقوات الدعم السريع) غالبا ما تكون قاسية وغير إنسانية، وتشكل تهديدا جسيما ومباشرا لحياة المحتجزين وسلامتهم الجسدية.
ويحتجز المعتقلون عادة في مرافق مكتظة تفتقر إلى الغذاء الكافي، والمياه النظيفة، والرعاية الطبية، وخدمات الصرف الصحي، مما يعرّضهم لأمراض مثل الكوليرا. كما يحتجز العديد منهم بمعزل عن العالم الخارجي، مما يزيد من خطر الاختفاء القسري".
ووفق تقرير اللجنة "تمّ في العديد من الإفادات وصف ظروف قاسية في سجن سوبا بالخرطوم عندما كان تحت سيطرة قوات الدعم السريع. ويبدو أن سجن نيالا في جنوب دارفور، الخاضع حاليا لسيطرة قوات الدعم السريع، يكتسبُ سمعةً سيئةً على نحوٍ خاص، إذ تفيد التقارير باحتجاز آلاف المعتقلين في هذا المرفق، بمن فيهم العديد ممن نُقلوا من الفاشر ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع".
وتحدثت اللجنة عن "اكتظاظ شديد، ونقص في الرعاية الطبية، وانتشار أعمال العنف الجسدي، كما أنه ثمة خطرا كبيرا لحدوث حالات اختفاء قسري في ظل غياب الإجراءات القانونيّة وحرمان الأهالي والمحامين من الزيارة".
وقالت اللجنة إنها تلقت تقارير موثوقة تفيد بأن المحتجزين لدى كلا الطرفين قد تعرضوا لاستجوابات قسريّة ومعاملة سيئة وقاسية شملت الضرب، وغيره من أشكال العنف البدني والنفسي "وأدّت هذه المعاملة في حالاتٍ عديدة، إلى الوفاة".
وشددت البعثة على أن التصدي للإفلات من العقاب في حالات الاحتجاز التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري، يعدّ أمرا أساسيا لمنع ارتكاب مزيد من الانتهاكات، ويعزّز فرص التوصل إلى حل سلمي للنزاع.
ودعت اللجنة إلى دعم الضحايا، والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، وإنشاء آلية قضائية دولية مستقلة تعمل بتعاون وثيق مع المحكمة الجنائية الدولية، والجمع المنهجي للأدلة وحفظها من أجل إجراءات جنائية مستقبلية، وفرض عقوبات محدّدة.
وأضافت: "إن حجم هذه الانتهاكات وخطورتها يؤكدان على أن هذه الحوادث هي ليست حالات معزولة، إنما هي جزء من نمط أوسع من الانتهاكات، وهو نمط يؤكد الحاجة الملحّة إلى المساءلة وإلى اتخاذ إجراءات دوليّة منسّقة لمنع ارتكاب المزيد من الفظائع".
معارك ضارية
وفي سياق التطورات الميدانية، تتواصل المعارك الضارية في محيط مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، حيث تمكنت الفرقة الخامسة مشاة التابعة للجيش السوداني أمس الثلاثاء، من إحباط هجوم بري واسع شنته قوات "الدعم السريع"، وأسفرت الاشتباكات العنيفة عن إجبار القوات المهاجمة على التراجع بعد تكبدها خسائر، فضلا عن استيلاء الجيش على عدد من المركبات القتالية.
اظهار أخبار متعلقة
في المقابل صعّدت "قوات الدعم السريع" من هجماتها الجوية عبر شن هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت بشكل مكثف الأحياء الشرقية في الأُبيّض، وأدى هذا القصف العشوائي إلى دمار واسع وتصاعد كثيف لأعمدة الدخان، مخلفا عشرات الضحايا من القتلى والجرحى بين المدنيين، لا سيما من النساء والأطفال، فضلاً عن إلحاق أضرار بالغة بالمستشفى الرئيسي للمدينة، وتدمير الأسواق والأحياء السكنية المكتظة.
وقد فاقم هذا الاستهداف المستمر من الكارثة الإنسانية في المدينة، حيث أُجبرت آلاف الأسر على النزوح من الأطراف المشتعلة نحو وسط المدينة أو إلى الولايات المجاورة هربا من القصف.
وفي ذات السياق، أطلقت القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة عمليات تمشيط عسكرية واسعة النطاق في المحور الغربي لمدينة الأُبيّض، وشملت هذه العمليات الميدانية تأمين عشرات القرى والمناطق الاستراتيجية الممتدة لعمق عشرات الكيلومترات، في خطوة ميدانية تهدف إلى تضييق الخناق على تحركات قوات الدعم السريع، وتأمين العمق الاستراتيجي للمدينة ومحيطها.