العراق يفتح ملف سلاح الفصائل الموالية لإيران.. بداية التحول أم إعادة تموضع؟

رغم الزخم السياسي والإعلامي الذي رافق الإعلان، فإن آلية تنفيذ عملية حصر السلاح لا تزال غير واضحة بشكل كامل..  الأناضول
رغم الزخم السياسي والإعلامي الذي رافق الإعلان، فإن آلية تنفيذ عملية حصر السلاح لا تزال غير واضحة بشكل كامل.. الأناضول
شارك الخبر
تشهد الساحة العراقية تحولا لافتا مع إعلان فصيلين بارزين منضويين ضمن هيئة الحشد الشعبي تسليم إدارة ألويتهما المسلحة إلى الدولة، في خطوة ينظر إليها باعتبارها اختبارا جديا لمشروع حصر السلاح بيد الحكومة، كما تعكس حجم الضغوط الأمريكية المتزايدة على بغداد لإعادة ضبط العلاقة مع الفصائل المسلحة الموالية لإيران.

وأعلنت كل من "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي" خلال الأيام الماضية فك ارتباط ألويتهما المسلحة بهياكلهما التنظيمية وإخضاعها بشكل مباشر لسلطة الدولة، في وقت رحبت فيه واشنطن بهذه الخطوة، معتبرة أنها تمثل مساهمة في ترسيخ مؤسسات الدولة العراقية وتعزيز سلطتها الأمنية.

ويأتي هذا التطور في ظل تعهد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، الذي تولى منصبه الشهر الماضي، بحصر السلاح بيد الدولة، وسط متغيرات إقليمية متسارعة أضعفت نفوذ إيران وحلفائها في المنطقة منذ اندلاع الحرب في غزة عام 2023، مرورا بالمواجهات العسكرية بين إسرائيل وإيران خلال عامي 2025 و2026، وما رافقها من تداعيات مباشرة على العراق.

الحشد الشعبي بين الدولة والفصائل


تأسست هيئة الحشد الشعبي عام 2014 استجابة لفتوى "الجهاد الكفائي" لمواجهة تنظيم الدولة، قبل أن تتحول لاحقا إلى مؤسسة رسمية مرتبطة بالقوات المسلحة العراقية. غير أن الهيئة احتفظت بتركيبة معقدة تجمع بين ألوية مرتبطة مباشرة بالدولة وأخرى تدين بالولاء السياسي والعقائدي لفصائل مقربة من إيران.

وخلال السنوات الماضية، شكل هذا التداخل أحد أكثر الملفات حساسية في العراق، خصوصا مع اتهام واشنطن لبعض الفصائل باستخدام إمكانات الحشد لتنفيذ أجندات إقليمية خارج إطار الدولة.

ويعد إعلان "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي" خطوة غير مسبوقة نسبيا، نظرا لكونهما من أبرز القوى المنضوية ضمن ما يعرف بـ"الإطار التنسيقي" الذي يضم أحزابا وفصائل شيعية تمتلك نفوذا سياسيا وعسكريا واسعا.

انقسام داخل الفصائل


لكن هذه الخطوة لا تعني بالضرورة وجود توافق شامل داخل معسكر الفصائل الموالية لطهران.

ففي مقابل المرونة التي أبدتها العصائب وكتائب الإمام علي، لا تزال فصائل أكثر قربا من إيران، مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، تؤكد تمسكها بسلاحها ورفضها أي حديث عن نزع السلاح أو تسليمه للدولة.

وتعتبر هذه الفصائل أن استمرار الوجود العسكري الأمريكي في العراق، خاصة ضمن إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة، يبرر احتفاظها بقدراتها العسكرية.

كما ترى أن أي خطوات لنزع السلاح يجب أن تأتي ضمن تفاهمات شاملة تتعلق بالسيادة العراقية ومستقبل الوجود الأجنبي في البلاد.

ويعكس هذا الانقسام اختلافا متزايدا في أولويات الفصائل الشيعية نفسها، بين أطراف باتت تفضل تعزيز نفوذها السياسي والمؤسساتي داخل الدولة، وأخرى ما تزال تعتبر السلاح جزءا أساسيا من دورها الإقليمي والاستراتيجي.

ماذا يعني "حصر السلاح" عمليا؟


رغم الزخم السياسي والإعلامي الذي رافق الإعلان، فإن آلية تنفيذ عملية حصر السلاح لا تزال غير واضحة بشكل كامل.

وأعلنت العصائب تشكيل لجنة خاصة تتولى نقل الأفراد والآليات والمعدات والأسلحة إلى إشراف الدولة، فيما تحدثت كتائب الإمام علي عن لجان مختصة بجرد العتاد العسكري وإعادة دمج المنتسبين ضمن المؤسسات الرسمية.

عمليا، يعني ذلك أن القرارات الإدارية والعسكرية المتعلقة بالألوية التابعة لهذين الفصيلين ستنتقل إلى رئاسة الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة.

ولا يقاس نجاح هذه العملية بالإجراءات الإدارية وحدها، بل بمدى قدرة الحكومة على فرض سيطرة فعلية على القرار الأمني والعسكري، وضمان عدم وجود هياكل موازية أو قنوات نفوذ مستقلة خارج المؤسسات الرسمية.

اظهار أخبار متعلقة




ورقة تفاوض مع واشنطن


وتعكس هذه التطورات حجم الضغوط الأمريكية المتصاعدة على الحكومة العراقية. فخلال الأشهر الماضية، اتخذت واشنطن سلسلة إجراءات ضد بغداد على خلفية الهجمات التي استهدفت مصالح أمريكية خلال الحرب الأخيرة في المنطقة، من بينها تعليق بعض المساعدات الأمنية ووقف آليات مالية مرتبطة بعائدات النفط العراقي.

كما أكدت الإدارة الأمريكية أنها تنتظر "إجراءات ملموسة" لفصل الفصائل المسلحة عن مؤسسات الدولة قبل استئناف مستويات التعاون السابقة.

وفي هذا السياق، يبدو أن حكومة الزيدي تسعى إلى إرسال رسائل إيجابية للإدارة الأمريكية، خصوصا في ظل حاجتها إلى استقطاب استثمارات أجنبية وإعادة تنشيط التعاون الاقتصادي مع واشنطن.

وتتزامن هذه التحركات أيضا مع مفاوضات داخلية بشأن استكمال تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية الشاغرة، ما يمنح ملف السلاح بعدا سياسيا داخليا إضافيا.

تراجع النفوذ الإيراني؟


ولا يمكن فصل الجدل الدائر حول سلاح الفصائل عن التحولات الإقليمية الأوسع. فمنذ اندلاع الحرب في غزة أواخر عام 2023، تعرض "محور المقاومة" الذي تقوده إيران لسلسلة من الضربات العسكرية والسياسية، شملت لبنان وسوريا والعراق وإيران نفسها.

وأدت هذه التطورات إلى تراجع هامش المناورة لدى طهران وحلفائها، وإلى زيادة الضغوط الدولية والإقليمية المطالبة بضبط نشاط الفصائل المسلحة المرتبطة بها.

ومع ذلك، لا يبدو أن إيران مستعدة للتخلي بسهولة عن نفوذها داخل العراق، الذي يمثل أحد أهم ساحات نفوذها الإقليمية منذ الغزو الأمريكي عام 2003.

وقد تقبل طهران بإجراءات تنظيمية أو إدارية داخل الحشد الشعبي، لكنها ستعارض أي محاولة لنزع سلاح حلفائها بالقوة أو إنهاء نفوذهم السياسي والعسكري بصورة كاملة.

يبقى السؤال الأساسي المطروح هو ما إذا كانت الخطوات الحالية تمثل بداية تحول حقيقي في بنية المنظومة الأمنية العراقية، أم أنها مجرد إجراءات رمزية تهدف إلى تهدئة الضغوط الأمريكية وإدارة التوازنات الداخلية.

ففي حين ترى واشنطن أن نجاح الحكومة العراقية يقاس بقدرتها على فرض احتكار الدولة للسلاح، تؤكد الفصائل أن أي معالجة لهذا الملف يجب أن تنطلق من اعتبارات السيادة الوطنية لا من المطالب الخارجية.

وبين هذين الموقفين، يجد العراق نفسه أمام واحد من أكثر الملفات تعقيدا منذ سنوات، في ظل سعي الحكومة الجديدة إلى تحقيق توازن دقيق بين المحافظة على علاقاتها مع الولايات المتحدة وعدم الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى المسلحة الموالية لإيران، التي ما تزال تمتلك نفوذا سياسيا وأمنيا واسعا داخل البلاد.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)