ديمقراطية السنغال على محك الصدام.. كيف انهار تحالف فاي وسونغو؟

حزب "باستيف" يمتلك عمليا الأدوات الدستورية لعرقلة القوانين  - جيتي
حزب "باستيف" يمتلك عمليا الأدوات الدستورية لعرقلة القوانين - جيتي
شارك الخبر
دخلت السنغال أزمة سياسية عميقة ومفتوحة على كل السيناريوهات، بعدما أقدم الرئيس ديوماي فاي على إنهاء مهام حليفه المهندس الفعلي لوصوله للسلطة، عثمان سونغو، من منصب رئيس الحكومة.

هذا التطور الدراماتيكي لم ينه فقط حالة ازدواجية السلطة التي خيمت على القصر الرئاسي في داكار منذ الانتخابات الأخيرة، بل وضع واحدة من أعرق ديمقراطيات القارة الأفريقية وأكثرها استقرارا أمام اختبار مؤسسي قاسي، ينذر بخريف سياسي ساخن.

ويعكس غياب حزب "باستيف" الحاكم عن التشكيلة الحكومية الجديدة حدة الأزمة ويضع السلطة التنفيذية في مواجهة مباشرة مع برلمان تسيطر عليه أغلبية "سونغو" الساحقة، مما يمهد الطريق أمام صراع صلاحيات دستوري غير مسبوق قد ينتهي بشلل مؤسسات الدولة أو حل البرلمان.

وفي الوقت الذي تعيش فيه غالبية دول منطقة غرب أفريقيا تحت وطأة الانقلابات العسكرية والأنظمة الهشة، كانت السنغال تقدّم دائما كواحة للاستقرار والتداول السلمي للسلطة في القارة السمراء، إلا أن الأزمة بين حليفي السلطة ديوماي فاي وسونغو تضع هذا الاستثناء الديمقراطي أمام اختبار عسير، حيث يترقب الشارع تداعيات هذا الانقسام الحاد في هرم القيادة على الاستقرار السياسي.

رفاق السجن وصراع الصلاحيات

رغم تباين موافقهما في العديد من الملفات منذ الأسابيع الأولى لوصولهما السلط إلا أن غالبية المتابعين للشأن الأفريقي لم يتوقعوا انهيار التحالف الوثيق بين ديوماي فاي وسونغو بهذه السرعة، فالرجلان اللذان خرجا من زنزانة واحدة إلى القصر الرئاسي، قدما نموذجا وصف بالنادر في التضحية السياسية حين تنازل سونغو (الممنوع من الترشح آنذاك) عن طموحه الرئاسي لصالح نائبه فاي، ونجح في حشد الشارع السنغالي لإيصاله إلى سدة الحكم.

لكن تزايد تباين وجهات النظر في ملفات عدة، وشعور الرئيس ديوماي فاي بأن رئيس حكومته سونغو يطمح لممارسة بعض من صلاحياته الرئاسية، من خلال التدخل المستمر في بعض التعيينات وفرض رؤيته في ملفات خارجية، عمق الأزمة بينهما.

طموحات سونغو في ممارسة جزء من سلطة الرئيس اصطدمت برغبة الرئيس ديوماي فاي في ممارسة صلاحياته الدستورية كاملة، والظهور بمظهر "رئيس كل السنغاليين" وليس مجرد منفذ لأجندة حزب "باستيف" الحاكم.

لكن الأزمة انفجرت عمليا عندما رفض الرئيس توقيع مراسيم اعتبرها تهميشا لصلاحياته، لتبدأ حرب تصريحات وتلاسن غير معلن بين معسكري الرجلين.

ومع استمرار السجال وتعمق الخلاف أدرك ديوماي فاي على ما يبدو أن استمرار الوضع الراهن لم يعد قابلا للاستمرار وأصدر مرسوما رئاسيا أنهى بموجبه مهام سونغو وحكومته.

ولم يكتفِ الرئيس ديوماي فاي بالإقالة، بل وجه رسالة سياسية قاسية بتشكيل حكومة تكنوقراط تضم كفاءات وطنية مستقلة، مقصيا حزب "باستيف" الحاكم بالكامل من التشكيلة الوزارية، وإن كان باستيف قال إنه هو من قرر عدم المشاركة في الحكومة.

برلمان "باستيف".. ساحة المواجهة

وقد سارع البرلمان السنغالي الذي يسيطر عليه حزب "باستيف" إلى استعادة عضوية سونغو التي فقدها بعد تعيينه رئيسا للحكومة، حيث عقد البرلمان جلسة أعلن خلالها استعادة سونغو لمقعده في البرلمان، ثم عقد جلسة أخرى انتخبه فيها رئيسا للبرلمان.

سونغو نفى أن يكون قد قدم إلى رئاسة البرلمان من أجل خلق أزمة في هذا البلد، محذرا من أن البعض "يتصرفون بسوء نية، وخاصة في صفوف المجتمع المدني والمعارضة، ويتحدثون باستمرار عن مخاوف بشأن مستقبل السنغال وأزمة مؤسسية وشيكة".

اظهار أخبار متعلقة


لكنه شدد على أن "الجمعية الوطنية لن تكون غرفة للتسجيل، والمصادقة الآلية على القرارات، بل ستراقب عمل الحكومة، وستمارس كامل صلاحياتها الدستورية في سن القوانين، ومراقبة أداء الحكومة، وتقييم السياسات العمومية".

ويعد خروج "باستيف" من التشكيلة الحكومية، التحدي الأكبر والأخطر أمام الرئيس ديوماي فاي، فبينما تقف الحكومة الجديدة بلا غطاء سياسي يحمي مشاريعها، يهيمن رفاق عثمان سونغو على أغلبية برلمانية مريحة تمنحهم "فيتو" تشريعيا حاسما، ما ينذر بشلل مؤسساتي وشيك.

ويمتلك حزب "باستيف" عمليا الأدوات الدستورية لعرقلة القوانين وتجميد إقرار الموازنات العامة، فضلا عن ورقة سحب الثقة لإسقاط الحكومة.

وأمام هذا الفخ التشريعي وإغلاق منافذ التمرير السلس للقرارات، قد يجد القصر الرئاسي نفسه مدفوعا نحو الخيار الدستوري الأصعب، والمتمثل في حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة، تنقل ساحة كسر العظم من أروقة المؤسسات إلى شوارع داكار المفتوحة على كافة الاحتمالات.

فرضيات التهدئة والتصعيد

وفي سياق القراءة التحليلية للمشهد السنغالي المفتوح على كافة الاحتمالات، يرى الصحفي والمحلل السياسي السنغالي، محمد جوب، أن الأزمة الحالية تضع البلاد أمام منعطف تاريخي تتساوى فيه فرضيات التهدئة والتصعيد، مؤكدا في تصريحات خاصة لـ"عربي21" أن تفاعلات الأسابيع القادمة هي التي سترسم الملامح النهائية لقواعد الصراع الجديدة بين قطبي السلطة في داكار.

وأوضح جوب أن طبيعة النظام السياسي السنغالي وتركيبته الحالية تجعل من خياري "التعايش الحذر" أو "الصدام المباشر" أمرين واردين، إذ يتوقف ترجيح أحدهما على الآخر على مدى قدرة الرئيس، ووزيره الأول السابق (رئيس البرلمان الحالي) على ضبط النفس، وتجنب اتخاذ خطوات أحادية قد تفجر الموقف وتدخل البلاد في أتون أزمة دستورية معقدة.

وأشار المحلل السنغالي إلى الموقف الأخير الذي عبر عنه رئيس الحكومة المقال ورئيس البرلمان الجديد، عثمان سونغو، حيث أرسل إشارات تهدئة مبطنة عندما صرّح بأنه لن يبادر بالدخول في صدام مباشر مع رئيس الجمهورية، باسيرو ديوماي فاي، واضعا شرطا أساسيا لاستمرار هذا الهدوء وهو عدم اتخاذ مؤسسة الرئاسة أي خطوات تصعيدية أو إقصائية ضده أو ضد حزبه.

وفي تفكيكه لخلفيات هذا الموقف، أضاف جوب في حديثه لـ"عربي21": "من مصلحة سونغو أن يظل البلد هادئا ومستقرا في المرحلة الحالية، لأن عينه بالدرجة الأولى على كرسي الرئاسة في انتخابات عام 2029، وهو لا يريد المخاطرة بحرق أوراقه مبكرا أو الظهور بمظهر المشاغب السياسي أمام الرأي العام".

وبالمقابل، كشف جوب عن معادلة مغايرة تماما تحكم توجهات قصر الرئاسة، معتبرا أن مصلحة الرئيس الحالي ديوماي فاي قد تكمن، على العكس من سونغو، في الدفع نحو "الصدام المباشر"؛ وفسر ذلك بسعي الرئاسة إلى استثمار هذا الصدام لتقديم سونغو للشارع السنغالي وللشركاء الدوليين على أنه شخصية تسعى لعرقلة مسار التنمية وتعطيل برنامج الرئيس الإصلاحي.

وحول الدور المرتقب للأغلبية التشريعية، استبعد جوب في تصريحاته لـ"عربي21" أن يسارع حزب "باستيف" (الداعم لسونغو) إلى استخدام قوته التصويتية لعرقلة المشاريع التنموية والاتفاقيات الحكومية الحيوية التي ستعرض عليه لإقرارها، مرجحا أن يتبنى الحزب سياسة "المعارضة المسؤولة" في المرحلة الأولى لتفادي الاتهامات بالتعطيل الممنهج.

اظهار أخبار متعلقة


وعزا المحلل السنغالي هذا الاستبعاد إلى وعي قيادة حزب "باستيف" التام بأن أي محاولة لتعطيل عمل الحكومة الجديدة أو شل حركة الدولة ستفرز انعكاسات سلبية حادة على شعبية الحزب الجماهيرية، وقد تؤدي إلى تآكل خزانهم الانتخابي؛ فالشارع السنغالي ينتظر حلولا للأزمات الاقتصادية المعيشية ولا يرغب في دفع ضريبة الخلافات السياسية بين الرجلين.

وفيما يخص الأوراق القانونية المتاحة للرئاسة، لفت جوب إلى أن رئيس الجمهورية يمتلك سلاحا دستوريا مهما يتمثل في قدرته على حل الجمعية الوطنية (البرلمان)، مشيرا إلى أن هذا الخيار يصبح متاحا من الناحية القانونية بحلول شهر ديسمبر القادم، وذلك بعد استكمال البرلمان سنتين، حيث يحظر دستور السنغال حل البرلمان قبل انقضاء هذه الفترة.

ورغم امتلاك الرئيس لهذه الورقة الردعية، إلا أن جوب توقع في حديثه لـ"عربي21" أن يتعامل فاي بحذر شديد وتردد كبير قبل اتخاذ قرار حل البرلمان؛ مستندا في ذلك إلى أن القراءات الحالية والمؤشرات على الأرض تُظهر أن حزب "باستيف" ما زال يتمتع بحضور قوي، وقد يتمكن في أي انتخابات مبكرة من حصد الأغلبية مجددا، مما سيعيد إنتاج الأزمة ذاتها.

واختتم الصحفي السنغالي تصريحه بالتأكيد على أن المشهد السياسي في داكار سيبقى رهيناً لـ"هندسة التحالفات الجديدة" التي سيقوم بها رئيس الجمهورية في الأشهر القليلة القادمة، مبينا أن قدرة فاي على بناء جبهة سياسية عريضة تدعم حكومة التكنوقراط، ومدى نجاحه في إدارة التوازن مع معسكر سونغو، هما اللذان سيحددان مستقبل مسار هذه الأزمة غير المسبوقة.
التعليقات (0)