هل تقف إسرائيل وراء خطف البحارة المصريين لإحراج جيش مصر؟

(الرئاسة المصرية)
(الرئاسة المصرية)
شارك الخبر
في أزمة اختطاف 8 بحارة مصريين وناقلة النفط "M/T Eureka" من المياه الإقليمية اليمنية واقتيادها إلى المياه الإقليمية الصومالية بالقرب من إقليم "بونتلاند"، 2 أيار/مايو الجاري، يرى مراقبون أن الواقعة ارتكبها قراصنة من "أرض الصومال" وتشير لتورط إسرائيلي غير مباشر.

وفي حديث لباحثين مصريين من مركز "تكامل مصر"، لـ"عربي21"، أوضحوا أن "غرض إسرائيل إظهار الجيش المصري بأنه بينما أرسل مفرزة طيران لحماية ودعم دولة الإمارات لا يستطيع تحرير بحارة مصريين، وبينما لديه قاعدة عسكرية في الصومال".

"إلى جانب فتح جبهة أخرى أمام قوات الجيش المصري بالصومال، وقواته البحرية المتواجدة بالبحر الأحمر، ومفرزة القوات الجوية بالإمارات، وشغل مصر عن أزمات أخرى مثل الصراع مع إثيوبيا بالقرن الأفريقي"، وفق قولهم.

اظهار أخبار متعلقة



وتشير المعلومات إلى أن السفينة ملك شركة صغيرة بإمارة "الشارقة"، وترفع علم "توجو"، وقيمتها بين مليون ومليون ونصف دولار، والحمولة قيمتها مماثل لقيمة السفينة تقريبا، ما يوازي نحو 2.5 إلى 3 ملايين دولار.

وفي حين أكد أهالي البحارة المصريين المخطوفين طلب القراصنة 10 ملايين دولار مقابل الإفراج عن السفينة والبحارة؛ يؤكد الباحثون لـ"عربي21"، أنه من "الطبيعي أن تكون الفدية من 10 إلى 20٠ بالمئة من قيمة السفينة بحمولتها وليس 4 أضعاف قيمتها بالحمولة".

وألمحوا إلى أنه "مؤخرا خطف القراصنة 4 سفن منهم قارب شراعي، إماراتي تم تركه دون فدية معلنة، ومركب نفط خام، وآخر محمل بالإسمنت وكانت فدية المركب من ٢٠٠ إلى ٣٠٠ ألف دولار".

وخص المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام "تكامل مصر"، "عربي21"، بنشر تحليله للواقعة، مشيرا في البداية إلى الإطار الزمني وتسلسل الأحداث، ملمحا إلى أنه بين "26 و30 نيسان/أبريل الماضي، جرت مناورة (بدر 2026) المصرية بالذخيرة الحية على حدود فلسطين المحتلة، أثارت قلق جيش الاحتلال".

اظهار أخبار متعلقة



وأضاف التحليل: "2 أيار/مايو الجاري، جرى اختطاف (إم/تي يوريكا) وعلى متنها 8 بحارة مصريين، ما تبعها بـ5 أيام وفي 7 أيار/مايو، زيارة رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي للإمارات، والإعلان عن مفرزة مقاتلات مصرية هناك، ما قوبل في اليوم التالي بتصريح رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية بالقاهرة، يُبارك ضمنياً الوجود العسكري المصري بالخليج ويُفرّق بينه وبين الأمريكي والإسرائيلي".

ما مصلحة إسرائيل؟


وربط تحليل "تكامل مصر" بين الأحداث الأربعة السابقة وإسرائيل، مؤكدا على وجود "مصلحة استراتيجية قوية لإسرائيل، ودوافع تجعلها مستفيداً رئيسياً من إحراج مصر بهذا التوقيت"، عارضا 4 أسباب، أولها: "تحييد الدرع الجوي المصري".

وبين أن "وجود المقاتلات المصرية بالإمارات يُقيد حرية الحركة الجوية الإسرائيلية بالخليج، ويشغل القاهرة بأزمة رهائن مُعقدة على بُعد خطوات من قواتها بالصومال، كوسيلة ضغط كلاسيكية لإلهاء القيادة المصرية وإجبارها على صرف اهتمامها ومواردها بعيداً عن الخليج".

وثانيا: "الرد على استفزاز (بدر 2026)"، موضحا أن "المناورات المصرية على مسافة 100 متر من الحدود مثلت استعراضاً للقوة اعتبرته دولة الاحتلال غير مسبوق، والرد الانتقامي غير المباشر بإظهار عجز الجيش المصري عن حماية بحارة بلده، تكتيك نفسي معروف بحروب الظل".

وأشار تحليل "تكامل مصر"، ثالثا، إلى "تقويض محور التطويق"، مؤكدا أن "التقارب المصري-الإيراني الضمني، والوجود العسكري المصري بالخليج، يُشكلان كابوساً استراتيجياً للكيان، وأي حدث يُظهر هذا المحور وكأنه غير قادر على حماية أفراده مكسب جيوسياسي مباشر لتل أبيب".

وتحدث عن "تشويه صورة مصر قبل القمة"، كسبب رابع، ملمحا إلى أن "التوقيت الدقيق قبيل زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للقاهرة وقمة (أفريقيا-فرنسا) في كينيا، (توقيتهما محدد سلفا) يضمن أن أزمة الرهائن ستطغى على أي مكاسب دبلوماسية قد تحققها مصر، مما يُفقدها ورقة الاستقرار التي تستند إليها في علاقاتها الدولية".

كيف خططت ونفذت؟


أشار "تكامل مصر"، إلى "تمرير إسرائيل معلومة استخباراتية، عن مسار السفينة وتوقيتها وكون طاقمها مصرياً، ونقلها عبر وسطاء لشبكات قراصنة بونتلاند، والتنسيق غير المباشر، ضمان عدم تدخل القوات الإماراتية أو قوات أرض الصومال لتحرير السفينة، والتمويل، بتقديم حافز مالي للقراصنة لجعل السفينة هدفاً ذا أولوية".

وتحدث عن جزئية وجود "مسرح الجريمة بجوار القوات المصرية"، موضحا أن "كون السفينة على مقربة من الانتشار العسكري المصري بالصومال يُعد إذلالاً رمزياً، والرسالة تقول: وجودكم العسكري الكبير لا يحمي حتى مواطنيكم على بعد أميال".

ولفت كذلك إلى "غياب التبني السياسي"، مؤكدا أن "عدم مطالبة القراصنة بأي شيء سوى المال، رغم أنهم يحتجزون 8 مصريين، يُعزز فرضية أنهم مُنفذون وليسوا مُخططين للبعد السياسي للعملية".

4 سيناريوهات


وخلص تحليل "تكامل مصر"، ليرجح "بدرجة ثقة معتدلة إلى عالية، أن عملية الاختطاف، بغض النظر عن دوافع القراصنة المالية، قد استُغلت بشكل غير مباشر من قبل جهة تسعى لإحراج مصر وإشغالها في توقيت حساس، وأن كيان الاحتلال المستفيد الجيوسياسي الأكبر".

اظهار أخبار متعلقة




وأكد أن "الفرضية الأكثر ترجيحاً أن دولة الاحتلال لم توجه العملية، لكنها وفرت بيئة الفرصة أو استفادت منها ببراعة"، موضحا أن "إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية بأرض الصومال، ودعمها للانفصاليين، فجّر التوتر مع الصومال، ودفع مصر لإرسال قواتها، وحولها لطرف بالمسرح الصومالي، هذا الوجود جعل اختطاف بحارة مصريين ورقة ضغط قابلة للاستخدام، وهو ما اغتنمه القراصنة (أو تم إغراؤهم به)".

السيناريو الأقل ترجيحاً (لكنه غير مستبعد)، بحسب التحليل: "وجود يد استخباراتية إسرائيلية غير مباشرة بـ(تمرير معلومة، تمويل، وعد بعدم التعرض) لتحويل عملية قرصنة عادية لأزمة سياسية موجهة، في سيناريو يبقى بخانة الاحتمال المعقول بسبب كثافة الأدلة الظرفية وتناسق الدوافع".

في حين أن السيناريو المُستبعد (بدرجة ثقة عالية)، أن "تكون العملية مجرد مصادفة أو عمل قرصنة انتهازي بحت دون أي وعي بطبيعة الهدف أو استغلال لتوقيته، خاصة وأن حجم الإحراج وتناسق التوقيت مع الأحداث الجيوسياسية يتجاوز بكثير ما يمكن أن تفسره المصادفة وحدها".

وفي قراءته لما جاء بتحليل "تكامل مصر"، قال استشاري الإدارة الاستراتيجية الدكتور محمد زويل، لـ"عربي21": "ترجيح سيناريو على آخر هنا وفق مرجحات لا أرى أنها متوافرة في السيناريو الراجح لدى المركز".

وأشار إلى "3 أبعاد، هي: اعتياد القراصنة الصوماليين على ذلك وتكرار فعل ذلك تاريخيا، إلى جانب احتياج الصوماليون للمال بشكل منتظم خاصة في ظل مقاطعة أغلب دول العالم لبلدهم، وقد يكون أيضا احتياجهم للبترول".

وأوضح الخبير المصري، أن "هذه ليست المرة الأولى التي يخطف قراصنة صوماليون بحارة مصريين ويطلبون فدية، وقد استجابت الدولة المصرية لهم قبل ذلك في طلب الفدية".

ليست سياسية ولا أمنية


وأوضح أنه "بالبحث لا يوجد في المصادر الموثوقة أي تحليل جدي يربط إسرائيل بهذا الاختطاف؛ بل العكس تماماً، فالأدلة الموضوعية تشير إلى أنه الاختطاف الرابع بالقرن الأفريقي خلال 3 أسابيع فقط، وناقلة (Honor 25) اختُطفت قبلها بـ10 أيام فقط في 22 نيسان/أبريل، وسفينتان أخريان لا تزالان محتجزتين قبالة بونتلاند، وهذا نمط قرصنة منظمة لا عملية استخباراتية".

وأكد أن "هذا السيناريو ضعيف منطقيا، لثلاثة أسباب جوهرية: أولها غياب الدافع المنطقي"، موضحا أن "البحارة الثمانية مصريون عاديون يعملون على ناقلة إماراتية صغيرة، إحراج الجيش المصري بهذه الطريقة لا يتناسب مع أسلوب العمليات الاستخباراتية".

ولفت ثانياً إلى ما أطلق عليه "السياق الأوسع"، مبينا أن "الحادثة لا تبدو معزولة عن السياق الأمني المتوتر بالبحر الأحمر وخليج عدن، بل تأتي ضمن سلسلة متصاعدة من حوادث القرصنة البحرية، مع مؤشرات على عودة النشاط المنظم للقراصنة الصوماليين بعد سنوات من التراجع".

وأشار ثالثاً إلى جانب "المنطق المالي"، ملمحا إلى أن "الفدية المطلوبة وصلت إلى 10 ملايين دولار، وهذا هو الدافع الواضح والمباشر".

ويعتقد أن السيناريو القائم عليه تحليل "تكامل مصر"، "قد يندرج في إطار (نظريات المؤامرة) المنتشرة بمواقع التواصل الاجتماعي أوقات الأزمات، حيث يميل الناس للبحث عن يد خفية وراء كل حدث؛ لكن الأدلة المتاحة تشير إلى قرصنة صومالية تجارية الدافع، لا عملية سياسية أو أمنية".

هل وقفت مصر بالموقع الخطأ؟


ويثير تحليل "تكامل مصر"، السؤال: هل وقفت مصر في مكان خطأ يضر بمصالحها بـ"باب المندب" ومضيق "هرمز"، والصومال، ويؤثر على نفوذها بالقرن الأفريقي، ويمنح منافسيها كإثيوبيا وإسرائيل الفرصة للتوغل أكثر بشرق القارة؟.

وفي إجابته، قال الباحث مصطفى خضري: "مصر لم تقف بالمكان الخطأ؛ وفي الحقيقة، تقف بأكثر الأماكن صحة من الناحية الاستراتيجية، وما حدث ليس خطأ بالبوصلة بل فجوة قديمة ومتكررة بأسلوب العمل: امتلاك كل أدوات القوة الصلبة، ثم ترك الأدوات الناعمة -التي تحمي القوة من التآكل- في مهب الريح، والمشكلة ليست أين نقف، بل كيف نحمي هذه الوقفة؟".

اظهار أخبار متعلقة




الخبير في التحليل المعلوماتي وقياس الرأي العام، أضاف لـ"عربي21": "خذ الخليج كمثال؛ فوجود مقاتلاتنا بالإمارات ليس استعداداً لحرب، ولا تهديداً لأحد، إنه أقرب إلى رسالة صامتة تقول: المصالح الخليجية خط أحمر، وهذا لا يستنزف الاقتصاد، ولا يورط بمغامرات عسكرية؛ لكنه يمنح ثقلاً سياسياً في معادلة الأمن الإقليمي، ويُذكّر الجميع أن الأجواء الخليجية ليست مرتعا لسلاح الجو الإسرائيلي، وهذا ليس تهوراً، هذا ذكاء هادئ وتحرك جيوسياسي محسوب".

وعن وضع "باب المندب"، أكد أنه "تم تأمينه من ناحية الساحل الجنوبي المصري، فقاعدة برنيس، والتي يراها الكثيرون حجارة وأرصفة؛ عمود فقري لتأمين الجنوب، وتمنح أسطول مصر ميناءً محمياً يتحكم بالمضيق، وبدونها، كنا سنُضطر للتحرك من الإسكندرية بكل أزمة، مما يجعل رد فعلنا بطيئاً ومكشوفاً، كما أنها تتكامل مع انتشار القوات المصرية بالصومال والخليج، فمن خلال القاعدة الجوية، وحاملات المروحيات (الميسترال)، توفر برنيس الدعم والإسناد لكلا القوتين الخارجيتين".

أين الخلل؟.. وماذا عن الحل؟


وتساءل خضري: "إذا كان المكان صحيحاً، فلماذا نشعر أننا بمأزق؟ ولماذا يبدو المشهد وكأننا نخوض معركة وأيدينا خلف ظهورنا؟"، مجيبا: "لأن خصومنا، ببساطة، رفضوا اللعب وفق قواعدنا، وهم لم يحاولوا طردنا من المكان، بل اختاروا استراتيجية أشد ألماً: إحراجنا فيه، وهم يريدون أن نبدو ضعفاء، غرباء، غير قادرين على حماية أنفسنا، كي نرتبك، ونتردد، وربما ننسحب بإرادتنا، وقد وجدوا في طبقتنا الناعمة هدفاً سهلاً، واستغلوا 3 فجوات واضحة".

ووفق تقديره تتمثل الفجوة الأولى، في "غياب شبكة علاقات محلية حقيقية؛ وفي الصومال، دخلنا بثقل الدبابة والدبلوماسية، لكننا لم نستثمر بما يكفي في قوة العلاقة الإنسانية، وهذا الفراغ يسمح للكيان استغلال عصابة صغيرة لخطف بحارة مصريين على مرمى البصر من قواتنا".

الفجوة الثانية، وفق الباحث المصري: "ساحة الإعلام والصورة"، مبينا أن "خصومنا لا يحاربون قواعدنا، بل يحاربون صورة هذه القواعد في ذهن العالم، ويريدون تحويل وجودنا الدفاعي المشروع إلى رواية عن تمدد مصري غير مرغوب به في الصومال".

وعن الفجوة الثالثة، أكد أن "بوصلة ردعنا مضبوطة على مواجهة الجيوش، لا على مواجهة الحروب اللاتماثلية؛ واستراتيجيتنا الدفاعية مصممة ببراعة لردع دولة، أسطول، سلاح جو، لكنها لم تُصمم بعد لردع وكلاء، أو عصابات، أو قراصنة، فهؤلاء لا يخافون المقاتلات، يخافون فقط إن شعروا أنك تستطيع الوصول إليهم بالظلام، عبر وسائل لا يتوقعونها، وبلحظة لا يختارونها".

وخلص للقول: "مصر تقف بالمكان الصحيح تماماً، لكن خصومها أذكى من أن يحاولوا مواجهتها بالقوة، إنهم يحاولون رفع تكلفة بقائها بتلك التمركزات الاستراتيجية، لتحزم أمتعتها وتنسحب بنفسها، وهذا المأزق الحقيقي، وهنا، يجب أن نضرب ليس بالضرورة بالسلاح، بل بفكرة: أن هذه الوقفة محمية، وأن الثمن الذي سيدفعه من يحاول إحراجها سيكون أكبر مما يستطيع تحمله".

وحول الحل، يرى خضري، أنه "ليس بإعادة انتشار القوات المصرية، بل بإعادة انتشار العقول والعلاقات المصرية، عبر شبكة استخبارات بشرية تغذيها المصالح المشتركة مع القبائل، تدعمها آلة إعلامية تفرض السردية ولا تكتفي بالدفاع، مع قدرة على الردع تجعل خصومنا يترددون قبل استخدام وكلاء ضدنا، فهذه حرب الظل الحقيقية، وقد حان وقت خوضها بأدواتها، لا بأدوات غيرها".
التعليقات (0)