في الوقت الذي تدور فيه
مصر في حلقة مفرغة من
الاقتراض لسداد خدمة دين يفوق 164 مليار دولار، كانت قد اقترضت القاهرة بعضا منها
لتدشين مشروعات إنشائية عملاقة، انحدر الوضع بثاني أكبر اقتصاد قاري والثالث عربيا
لكي تقترض حكومة بلاده لتوفير السلع الغذائية، في تطور يراه مراقبون خطيرا وينبئ
على تأزم غير مسبوق.
قصة اقتراض مصر لأجل شراء سلع غذائية؛ كشف عنها
خبر نقلته وكالة "بلومبيرغ"، يقول إن "مصر تسعى لتدبير تمويل خارجي
بقيمة 1.4 مليار دولار لشراء سلع غذائية"، وذلك عبر قروض من بنوك خليجية:
(إماراتية وبحرينية وأخرى مقرها بالسعودية) بهدف دعم واردات السلع الغذائية وتعزيز
المخزون الاستراتيجي.
اظهار أخبار متعلقة
القرض المرتقب سيُمنح منه نحو 700 مليون دولار
عبر تحالف يضم بنك "أبوظبي الأول"، وبنك "
الإمارات دبي
الوطني"، و"المؤسسة العربية المصرفية"، وهي مصرف مقره العاصمة
البحرينية المنامة، و700 مليون دولار أخرى من "المؤسسة الدولية الإسلامية
لتمويل التجارة" التابعة لـ"البنك الإسلامي للتنمية" ومقره جدة
السعودية، والأخير له سابق تمويل في مثل هذا السياق.
يُتوقع إتمام القرض بالربع الثالث من العام
الجاري على أن يوجَّه لتوفير السيولة اللازمة لتمويل استيراد سلع أساسية، من بينها
القمح والذرة، وكلاهما محاصيل "أمن قومي"، وتعد من الأكثر تضرراً بالحرب
"الأمريكية-الإسرائيلية" على إيران، حيث ارتفعت أسعارها بنسبة 11 بالمئة
و6 بالمئة ببورصة شيكاغو.
وانتقد الناشط الدكتور عادل دوبان، سياسات
الحكومة المصرية في ملف الزراعة والديون مؤكدا أنها "أدت إلى أننا أصبحنا
نستورد غذائنا بالدين".
دين على الحكومة وتربح للجيش
وفي حين، أصبح جهاز "مستقبل مصر"
(التابع للقوات الجوية) مسؤولاً عن استيراد القمح والسلع الاستراتيجية وتوريدها
للحكومة، بموجب قرار رئاسي في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ذكر خبر "الشرق مع
بلومبيرغ"، عن سعي مصر للحصول على تمويل بقروض خارجية لشراء السلع اسم
"هيئة السلع التموينية"، التابعة لوزارة التموين، كمقترض لهذا المبلغ،
بضمان وزارة المالية، في مفارقة مثيرة للتساؤلات.
وأثار برلمانيون تساؤلات حول فروق أسعار
الاستيراد عبر الجهاز مقارنة بالسعر العالمي، حيث تقدم النائب أحمد فرغلي، في
كانون الثاني/يناير الماضي، بـ"طلب إحاطة" لوزير الزراعة، يؤكد أن
الجهاز العسكري يستورد طن القمح بـ270 دولارا، في حين يبلغ السعر العالمي 240
دولارا، ويستورد طن زيوت الطعام بمبلغ 1250 دولارا بينما يبلغ متوسط السعر العالمي
للطن 1100 دولار.
وبلغت واردات مصر من القمح عبر جهاز
"مستقبل مصر" ارتفاعا بنسبة 78 بالمئة من كانون الثاني/يناير حتى
أيار/مايو الجاري، مقارنة بنفس الفترة من 2025، وبأكثر من 200 بالمئة، ما يشير
لتسارع أدوار الجهاز العسكري بهذا الملف.
وتستهدف مصر جمع نحو 5 ملايين طن قمح محلي
الموسم الحالي، فيما تعوض باقي استهلاكها البالغ نحو 20 مليون طن بموسم
(2023/2024)، بما يمثل نحو 2.6 بالمئة من الاستهلاك العالمي، عبر الاستيراد
الخارجي، من دول روسيا 57 بالمئة من الواردات حتى أيار/مايو الجاري، إلى جانب
أوكرانيا، ورومانيا، وبلغاريا، وفرنسا، وغيرها، ما جعل القاهرة من أكبر مستوردي
القمح بالعالم.
ووصلت المساحة المزروعة بالقمح بالموسم الحالي
نحو 3.7 مليون فدان بزيادة 600 ألف فدان عن الموسم السابق، وسط توقعات بتجاوز
الإنتاج المحلي 10 ملايين طن، فيما تم تحديد أسعار التوريد بين 2400 إلى 2500 جنيه
للأردب، بحسب وفق تصريحات وزارة الزراعة.
تقترض لتستورد قمحها
وفي قراءته الاقتصادية لدلالات اقتراض مصر
لتوفير السلع الغذائية، وما يمثله ذلك من انحدار اقتصادي شديد وأنه بعد الاقتراض
لأجل مشروعات إنشائية يتم الاقتراض لتوفير القمح والذرة، تحدث الخبير الاقتصادي
والأكاديمي المصري الدكتور مصطفى شاهين، كاشفا عن وضع مصر شديد الخطورة.
وبحسب رؤيته لوضع الاقتصاد المصري، أعرب أستاذ
الاقتصاد بكلية "أوكلاند" الأمريكية، لـ"عربي21"، عن أسفه
الشديد من أن "مصر تستورد القمع قرابة 60 عاما ومنذ ستينيات القرن الماضي،
وبعدما كنا نحقق فائضا منه حتى عام 1952، أصبحنا مستوردا صافيا من هذه السلعة
الاستراتيجية".
وقال إن "ما يلفت الانتباه أن هذا التمويل
بقيمة 1.4 مليار دولار كله لشراء القمح والذرة والسلع الغذائية من بنوك
خليجية تابعة للإمارات"، معربا عن أسفه مجددا من أن "كل هذا يتم لشراء
القمح المصري من الأراضي المصرية في توشكى وغيرها، والتي أعطتها الحكومة لشركات
إماراتية لاستزراعها".
وأكد هنا أن "القمح الذي سنقترض لشرائه
بالدولار من بنوك إماراتية قمح مصري، من أرض مصرية، ومياه مصرية، ورغم ذلك مصر
تستورده من الإمارات، ما يمثل دينا جديدا يفاقم حجم ديون مصر"، مبينا أن
"هذا الوضع بسبب التفريط في الموارد الحقيقية للبلاد"، لافتا إلى أنه
بسبب هذا التفريط "أصبحت مصر الدولة الأولى في العالم التي تستورد القمح".
وخلص للقول: "والحقيقة هذا لا يعد منحدرا،
لأننا منذ فترة طويلة جدا اعتدنا على هذا الأمر، ومصر تستورد تقريبا قرابة 12
مليون طن كل عام، ومنها ما تستورده من أرضها ومن ترابها وشمسها".
زراعة وتوريد وقرض إماراتي
وتنشط العديد من الشركات الإماراتية في القطاع
الزراعي بمصر، باستصلاح الأراضي، وزراعة المحاصيل الاستراتيجية (كالقمح)، وإنتاج
الفواكه والخضروات، أبرزها: "الظاهرة"، و"مجموعة الغرير"،
و"إن آر تي سي فود"، و"المصرية الإماراتية للصناعات الغذائية".
وفي آب/أغسطس 2023، أبرمت "الظاهرة"،
ومقرها أبوظبي، اتفاق شراكة مع "مكتب أبوظبي للصادرات" أحد أذرع
"صندوق أبوظبي للتنمية" (حكومي)، لتزويد مصر متمثلة بهيئة السلع
التموينية بالقمح مدة 5 سنوات بقيمة 500 مليون دولار، جرى اقتراضها من "مكتب
أبوظبي للصادرات"، في اتفاقية أقرها مجلس النواب كانون الأول/ديسمبر 2024.
وفي حين نفت الحكومة المصرية دفع قيمة مشتريات
القمح من "الظاهرة" بالدولار، فقد ورّدت الشركة الإماراتية التي
لديها نحو 67 ألف فدان في توشكى وشرق العوينات والصالحية بمصر، في أيار/مايو 2025،
على سبيل المثال نحو 40 ألف طن قمح تمثل كامل إنتاجها في مصر، بالسعر المحلي
للأقماح البالغ 14600 جنيه للطن تقريباً، بإجمالي 584 مليون جنيه.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2024، تفاوضت
"الظاهرة"، مع مصر للحصول على 80 ألف فدان جديدة بتوشكى، وشرق العوينات،
والصالحية بنظام التمليك أو حق الانتفاع، لتعن تحقيقها أرباحاً من استثماراتها في
مصر منذ 2021، ومبيعات بلغت 62 مليون دولار في 2024، مع توقعات بزيادتها إلى 67
مليون دولار في 2025.
أزمة ديون طاحنة
وفي المقابل، تواجه مصر أزمة ديون خانقة وحلول
آجال أقساط وفوائد 163.9 مليار دولار ، فيما حذر "معهد التمويل الدولي"،
الشهر الجاري، من آثار الديون على اقتصاد يعاني أزمات هيكلية وبنيوية مزمنة، خاصة
وأنها تأكل بين 85 و90 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لموازنة شعب يعيش نحو
ثلثيه بين الفقر والفقر المدقع.
ونتيجة لـ"حرب إيران"، ووسط تراجع
دخل مصر من السياحة، ومن قناة السويس التي تراجعت فعليا إلى 0.6 بالمئة من الناتج
المحلي خلال العام المالي الماضي من 1.1 بالمئة بالعام الأسبق؛ من المتوقع أن تزيد
الضغوط على 109 ملايين مصري بالداخل مع ضرورة سداد 37.65 مليار دولار ديون
خلال 9 أشهر من العام الجاري، وفق تقرير البنك الدولي 19 نيسان/إبريل الماضي.
كما أنه من المتوقع أن تواصل مصر توجهاتها نحو
الاقتراض في ظل احتياجات متسارعة للتمويل الخارجي بالعام المالي (2026/2027)
لتوفير نحو 30.4 مليار دولار، لسد عجز الحساب الجاري وسداد الديون، مع توقع
تغطيتها عبر الاستثمار الأجنبي والقروض وتدفقات المحافظ التمويلية, بحسب تقرير
للبنك الدولي.
اظهار أخبار متعلقة
وفي ظل كل تلك الضغوط وبينها زيادة تكلفة
الاقتراض وحلول آجال أقساط وفوائد الكثير من القروض يواصل الجنيه المصري خسارة
قيته لتصل لنحو 12 بالمئة أمام الدولار الذي وصل لمستوى قياسي يقترب من 53 جنيها،
من نحو 47 جنيها في آذار/مارس الماضي، نتيجة هروب الأموال الساخنة، وانخفاض
إيرادات قناة السويس، وارتفاع تكلفة واردات الوقود، مع الاعتماد على اقتصاد خدمي
وريعي شديد التأثر بالاضطرابات العسكرية والسياسية والمالية.
ويزيد انخفاض قيمة الجنية من ضغوط مستحقات
الديون الخارجية، حيث يؤكد خبراء أن ارتفاع سعر صرف الدولار بقيمة جنيه واحد فقط
فوق المستوى المستهدف بالموازنة العامة والمقدر بـ47 جنيها للدولار، يحمل مصر نحو
5 مليارات جنيه إضافية في مدفوعات فوائد الدين الخارجي بموازنة (2026/2027).
وضع مرشح للتفاقم
وهو الوضع المرشح للتفاقم مع استمرار أزمة حرب
إيران، ما عبر عنه في ندوة "المركز المصري للدراسات الاقتصادية" الاثنين
الماضي، خبير التمويل والاستثمار عمر الشنيطي، بقوله إن "حرب الخليج رفعت
مستويات الدين المصري للشهر الثاني على التوالي، نتيجة خروج الأموال الساخنة
وزيادة الاقتراض لسداد الالتزامات المالية"، مؤكدا أن "أزمة الدين لا
تحل بحلول اقتصادية منفردة، بل تتطلب تنسيقا سياسيا واقتصاديا لتجنب أي انفجار
اقتصادي محتمل".
ومصر على موعد مع مراجعة حاسمة هي السابعة من
بعثة صندوق النقد الدولي منتصف الشهر المقبل، لقرض المليارات الثمانية الذي ينتهي
العام الجاري ومن المتوقع صرف نحو 3.3 مليار دولار، بالإضافة إلى التمويل المتبقي
من صندوق الصلابة والاستدامة، يرى مراقبون أنها "ستذهب سريعا فوائد الديون
الخارجية"، مشيرين لتصريحات سابقة لوزير المالية المصري السابق محمد معيط،
اعترف فيها أن وزارته "كانت تقترض لسداد القروض القديمة".
وأكدوا أنه "قد لا يصل من تلك المبالغ
شيئا للمساهمة في سداد فاتورة وقود يتوقع أن تقفز بأكثر من الثلث عن العام
الماضي"، ما يزيد من ضغوط الموازنة المصرية التي رصدت 5.5 مليار دولار لتأمين
الوقود بالسنة المالية (2026/2027) بزيادة 37.5 بالمئة بسبب ارتفاع أسعار النفط
العالمية.