حين يخرج أي نظام سياسي من قلوب وعقول معظم مواطنيه فتأكّد أنه دخل النزع الأخير، وإن طال هذا النزع.
هذا ما يحدث تقريبا في
تونس حاليا مع سلطة قيس سعيّد وقد اقتربت الذكرى الخامسة لانقلابه التي لن يحييها إلا وحيدا بعد أن عادى الجميع تقريبا، فانفضّوا من حوله حتى أولئك الذين هلّلوا له في البداية، عن جهل أو قناعة أو نكاية.
عادى طبعا كل من عارض انقلابه من القيادات السياسية فشرع تدريجيا في تلفيق القضايا ضدهم حتى زجّ بهم جميعا في السجون، مع أن الكثير منهم كانوا من بين أوصلوه إلى سدة الحكم. لم يستثن أحدا ممّن يمكن أن يشكّل له إزعاجا أو «تُشتمّ» منه رائحة الزعامة. لم يميّز بين أيّ من ألوان الطيف السياسي فكان السجن مصيرهم أو المنافي.
عادى حتى تلك الأحزاب المجهرية التي وقفت إلى جانبه طوال الأعوام الماضية طمعا في مشاركته كعكة الحكم، لكنه نبذها وأهملها، فبدأ بعض رموزها في محاولات القفز من مركبه. عادى مجلس النواب الذي وُضع على مقاسه حين همّشه بالكامل وجعله فقط مجلس الموافقة على القروض من الخارج، بل ورمى ببعض أعضائه وراء القضبان متجاوزا أي حصانة لهم. لا ننسى أنه عادى كذلك كل الحالمين المغترّين بشعاراته «الثورية» على غرار «العلو الشاهق» و»السيادة الوطنية» و»التطبيع خيانة عظمى» حين لم يروا إلا عكسها.
عادى القضاة حين جعل من القضاء «وظيفة» مأمورة فحلّ مجلسهم المنتخب وعزل أكثر من خمسين قاضيا دفعة واحدة ورفض إعادة من أنصفته المحكمة الإدارية منهم، ثم شرع في ترهيبهم بسجن بعض كبار رموزهم وصولا إلى الحكم بالسجن على رئيس ناديهم لمجرد تضامنه معهم!! وفي الطريق عادى أغلب الوسط القانوني الجامعي متجاهلا عرائض شهيرة لأساتذة كبار حذّرت من انحرافاته الدستورية الجسيمة. كما عادى المحامين فزج بالكثير منهم في السجن من سياسيين ونشطاء حقوقيين ووزراء سابقين، وبدأ مؤخرا «التحرّش القضائي» بهيئة المحامين الجديدة لأنها لا تبدو مهادنة كالتي سبقاها.
عادى الصحافيين فلاحق الكثير منهم وزجّ بآخرين في السجن سواء لأنهم رفعوا أصواتهم بمواقف ناقدة لحكمه، أو لاعتبارات كيدية أخرى لا غير. ليس هذا فقط، بل عاداهم كذلك باستباحة المهنة نفسها، سواء في الإعلام العام أو الخاص حين أدّت الضغوط المختلفة إلى اختفاء كل برامج النقاش السياسي الإذاعية والتلفزيونية فلم تبق إلا أصوات قليلة أدمنت النفاق والتزييف. كل ذلك دون أن ننسى ملاحقة الناشطين في مواقع التواصل التي ظلت المتنفس الوحيد والأخير.
عادى رجال الأعمال حتى بات كل واحد منهم يخشى اتهامه بالسرقة أو الفساد، مع محاولات ابتزاز الكثير منهم بعمليات صلح مغشوشة شكّلت غطاء لصفقات مشبوهة. والنتيجة أن غادر الكثير منهم البلاد بعد أن أصبحت البيئة الاستثمارية في تونس طاردة لأبنائها وللأجانب على حد سواء. عادى المزارعين كذلك، في بلد زراعي بعد أن خذلتهم الدولة في تشجيع الإنتاج وتحسين مسالك التوزيع وظروف التخزين وتيسير القروض وغيرها تجنبا للندرة والغلاء واللجوء إلى الاستيراد.
عادى العمّال والموظّفين باستنزاف مقدرتهم الشرائية وإثقال كاهلهم بالمزيد من الضرائب وضرب اتحادهم النقابي العريق الذي كان يعتبرونه «أكبر قوة في البلاد» قبل أن يكتشفوا أنه لم يعد كما كان بسبب ما نخره من أمراض ومهادنته للانقلاب التي لم تشفع له في النهاية.
عادى «الشعب الكريم» باستهداف لقمة عيشه بالارتفاع المهول في الأسعار حتى بات تناول اللحوم متعذرا على نسبة كبيرة منه، فضلا عن غياب عديد السلع الأساسية والكثير من الأدوية. وضع لم يسبق لهؤلاء أن عاشوه من قبل، ناهيك عن تردّي الخدمات من صحة ونقل وتعليم، بل ومن خدمات بلدية بديهية بعد حلّ سعيّد كل المجالس البلدية فبات خبر رفع الفضلات ينشر على أنه جاء بتعليمات وحرص من رئيس الدولة!!
عادى العاطلين عن العمل ولا سيما الشباب منهم والحاملين للشهادات العليا بعد أن وعدهم بقرب حل مشاكلهم التي أرجعها للعهود السابقة لكنه لم يفعل لهم في النهاية أي شيء. أما من يفكّر من هؤلاء في هجرة غير نظامية إلى أوروبا عبر البحر فالسلطة له بالمرصاد مع استقبال المرحّلين منهم من هناك.
عادى المجتمع المدني الذي مزّقه شر ممزق، حتى من نشط في حماية البيئة من التلوّث، فبات يغلق جمعياته المختلفة الواحدة تلو الأخرى لأسباب مفتعلة ما عمّق تجريف الحياة المدنية والسياسية بالكامل.
عادى حتى الفنانين والمبدعين فكانت أحكام السجن للمنتقدين، وتشجيعات الدولة المختلفة للأنصار والمتزلّفين، كما عادى أهل الرياضة بالسجن لرجالاتها والتضييق على أنصارها.
أجواء مخنقة فعلا، وحين يعادي الحكم كل من سبق دفعة واحدة يصبح ليس معزولا وهشّا وحسب، بل ومرعوبا كذلك، إلى درجة أن مقالا في صحيفة إيطالية مغمورة تحدث عن» تونس ما بعد قيس سعيّد»، وعن رجل غير معروف قد يكون مرشحا لخلافته، أصاب القوم بنوبة هلع شديدة للغاية.
القدس العربي
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.