تراجع حاد يضرب "ديلي واير".. كيف اهتزت أقوى منصة يمينية داعمة لترامب؟

المشكلة الأكبر تمثلت في تضييق مساحة الآراء داخل الشركة - الأناضول
المشكلة الأكبر تمثلت في تضييق مساحة الآراء داخل الشركة - الأناضول
شارك الخبر
تشهد واحدة من أبرز المنصات الإعلامية المحافظة في الولايات المتحدة تراجعًا لافتًا في النفوذ والمشاهدة، وسط تسريحات للموظفين وخلافات فكرية داخل معسكر اليمين الأمريكي.

أكدت صحيفة واشنطن بوست أن شركة "ديلي واير" المحافظة، التي كانت تعد واحدة من أبرز المنصات الإعلامية المؤيدة لتيار "ماغا" والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تواجه اليوم أزمة متصاعدة تهدد مكانتها داخل الإعلام اليميني الأمريكي، في ظل تراجع نسب المشاهدة والمتابعة، وتسريحات واسعة للموظفين، وانقسامات فكرية متزايدة داخل المعسكر المحافظ.

وأشارت الصحيفة، في تقرير للكاتب درو هارويل، إلى أن "ديلي واير" كانت خلال السنوات الماضية من أبرز نجوم الفضاء الرقمي المحافظ، بعدما نجحت في السيطرة على منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات البودكاست عبر محتوى يعتمد على الخطاب المناهض لما يُعرف بـ"الاستيقاظ الثقافي"، إلى جانب منشورات مثيرة للجدل ومعارك ثقافية جذبت جمهور اليمين الأمريكي.

وأضافت أن الشركة التي شارك في تأسيسها المعلق المحافظ بن شابيرو تصدرت خلال الفترة التي سبقت انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2020 قائمة الناشرين الناطقين بالإنجليزية على “فيسبوك” لمدة ثلاثة أشهر متتالية، كما حصدت موادها الساخرة المتعلقة برئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي ملايين المشاهدات، متجاوزة مواقع كبرى مثل "فوكس نيوز" و"سي إن إن" و"نيويورك تايمز".

لكن الصحيفة أوضحت أن الشركة تواجه حاليًا موجة كبيرة من التشكيك في مستقبلها، خاصة مع إعلانها تسريحات واسعة للموظفين، بينما يرى منتقدون، بينهم موظفون سابقون مثل كانديس أوينز، أن “ديلي واير” فقدت تأثيرها الحقيقي داخل اليمين الأمريكي بصورة يصعب استعادتها.

ولفتت "واشنطن بوست" إلى أن بيانات شركة "سوشيال بليد" أظهرت أن قاعدة مشتركي قناة "ديلي واير" على "يوتيوب" سجلت حالة من الجمود أو التراجع خلال 15 شهرًا من أصل 16 منذ مطلع عام 2025، فيما أظهرت تقديرات شركة "سيميلار ويب"، التي نشرها موقع "ذا رايتينغ"، أن "ديلي واير" جاءت بين أكثر المواقع الإخبارية المحافظة خسارة في عدد الزيارات مقارنة بالعام السابق، إذ انخفضت حركة المرور على موقعها في مارس الماضي إلى نصف ما كانت عليه قبل عام.

وأكدت الصحيفة أن تراجع "ديلي واير" يعكس حالة التفكك التي تضرب الإعلام الحزبي على الإنترنت، مع انتقال الجمهور من المؤسسات المحافظة التقليدية مثل "بريتبارت" و"فوكس نيوز" إلى شبكة متفرقة من صانعي المحتوى والبودكاست والمعلقين المستقلين.

وأضافت أن الشركة، رغم تقديم نفسها باعتبارها "الصوت الرائد للحركة المضادة للثقافة في أمريكا"، باتت تتعرض لانتقادات تتهمها بأنها تحولت تدريجيًا إلى نسخة مشابهة من المؤسسات الإعلامية التقليدية التي تعهدت سابقًا بمحاربتها.

ونقلت الصحيفة عن المؤرخة المتخصصة في الإعلام المحافظ بجامعة فاندربيلت، نيكول هيمنر، قولها إن "ديلي واير" تعاني من التوسع المؤسسي المبالغ فيه والاعتماد على نموذج أعمال قديم، لكنها اعتبرت أن المشكلة الأعمق تتمثل فيما وصفته بـ"الافتراس الشعبوي" الذي يضرب الحزب الجمهوري نفسه.

وأشارت هيمنر إلى أن نمط المحافظة التقليدية الذي يمثله بن شابيرو، خاصة دعمه القوي لإسرائيل، أصبح يصطدم بصعود شخصيات يمينية تقدم خطابًا أكثر راديكالية وعداءً للمؤسسات السياسية التقليدية.

وقالت: "أصبح بن شابيرو رمزًا لتيار محافظ يتلقى الضربات منذ سنوات، وهذا التيار يفقد شعبيته داخل الحركة المحافظة، وهي مشكلة تخص ترامب بقدر ما تخص شابيرو".

من جانبه، قال المتحدث باسم "ديلي واير" براد بيشوب إن الشركة خفضت نحو 13 بالمئة من موظفيها منذ بداية العام الجاري، لكنها لا تزال تضم أكثر من 200 موظف، موضحًا أن غالبية التخفيضات جرت في المقر الرئيسي بمدينة ناشفيل، مع استمرار وجود فرق عمل في واشنطن وفلوريدا وشمال شرق الولايات المتحدة.

وأضاف أن الشركة ستواصل الاستثمار في “مشاريع ترفيهية طموحة” سيتم إطلاقها خلال العام الحالي، مؤكدًا أن الحديث المتكرر على الإنترنت عن “إفلاس” أو “موت” الشركة يتكرر سنويًا.

اظهار أخبار متعلقة


كما نقلت الصحيفة عن بن شابيرو إقراره بتراجع إيرادات الشركة مقارنة بعام 2024، واعترافه بأن بعض القرارات، مثل إقالة كانديس أوينز، أثرت على القاعدة المالية للمؤسسة، لكنه شدد على أن "ديلي واير" "لن تختفي"، وأن تدفقاتها النقدية ما تزال "تتفوق على منتقديها".

وحاول شابيرو أيضًا إبعاد شركته عن بعض التحولات داخل اليمين الأمريكي، معتبرًا أن “ديلي واير” رفضت ملاحقة المشاهدات عبر تبني خطاب متطرف أو مواقف مثيرة، في إشارة إلى شخصيات مثل تاكر كارلسون وكانديس أوينز.

وأضاف أن بعض أطراف "الحركة المحافظة" اتجهوا إلى "تمجيد روسيا" أو "تبني خطاب متطرف" أو "مهاجمة أرملة الناشط المحافظ تشارلي كيرك"، معتبرًا أن رفض شركته لهذا المسار "ليس فشلًا تجاريًا".

وأشارت "واشنطن بوست" إلى أن "ديلي واير" تأسست عام 2015، وسرعان ما صنعت لنفسها اسمًا بارزًا عبر العناوين الهجومية والمحتوى الساخر، معتمدة على النجاح الكبير لبودكاست بن شابيرو، والنشر المكثف على “فيسبوك” الذي كان يمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الإعلانات.

وفي عام 2022، قال المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي السابق جيريمي بورينغ إن الشركة وصلت إلى 150 موظفًا وإيرادات سنوية بلغت 100 مليون دولار.

وأضافت الصحيفة أن الشركة توسعت لاحقًا إلى ما هو أبعد من العمل الإعلامي التقليدي، حيث دخلت مجال إنتاج الأفلام، من بينها فيلم ويسترن بعنوان "الرعب في البراري"، وفيلم إثارة حول إطلاق النار في المدارس بعنوان "اهرب اختبئ قاتل".

كما أطلقت دار نشر خاصة بها، نشرت كتابًا لأحد ضباط الشرطة المشاركين في عملية مقتل بريونا تايلور داخل منزلها.

وفي عام 2022، أطلقت الشركة منصة البث "ديلي واير بلس"، التي وصفها بورينغ بأنها بداية "توسع هجومي في التكنولوجيا والمحتوى"، قبل أن يعلن لاحقًا عن استثمار 100 مليون دولار في شبكة للأطفال باسم "بنتكي"، قال إنها ستنافس "ديزني"، التي اتهمها بالسعي إلى "غسل أدمغة الأطفال بأيديولوجيا المثلية الجنسية".

وأشارت الصحيفة إلى أن الشركة حاولت أيضًا منافسة هوليوود عبر إنتاج أعمال مثل فيلم "ليدي بولرز"، الذي يدور حول رجال يشاركون في رياضات نسائية، بينما حقق الوثائقي الساخر "هل أنا عنصري؟" نجاحًا نسبيًا بإيرادات تجاوزت 12 مليون دولار مقابل ميزانية بلغت 3 ملايين دولار.

لكن حجم الإنفاق الكبير على تلك المشاريع أثار تساؤلات حتى بين بعض مؤيدي "ديلي واير"، حيث قال المحلل الإعلامي هوارد بولسكين إن طموحات الشركة بدت "مبالغًا فيها"، وإن بعض مشاريعها بدت "أقرب إلى طريق سريع نحو الإفلاس".

ورغم ذلك، أبدى بعض مسؤولي الشركة ثقة كبيرة بمستقبلها، إذ قال جيريمي بورينغ في مقابلة أواخر 2024 إن "ديلي واير" ستتحول إلى شركة بقيمة 10 مليارات دولار، كما اعتبر أنها لعبت دورًا في فوز ترامب.

وفي المقابل، لفتت الصحيفة إلى أن مات والش، أحد أبرز مقدمي البرامج في الشبكة، نشر مقطع فيديو يسخر فيه من إنفاق أموال الشركة على إعلانات تُعرض لجمهور قناة "إم إس إن بي سي"، قائلًا إنه مستعد "لإهدار المزيد من أموال ديلي واير"لضمان "صدمة مشاهدي القناة".

وأكدت "واشنطن بوست" أن هيمنة "ديلي واير" على "فيسبوك" تراجعت خلال السنوات الأخيرة مع صعود شخصيات يمينية مستقلة على منصات جديدة، كما غادر بعض نجوم الشبكة، مثل بريت كوبر، لتأسيس منصات مستقلة باتت تنافس جمهور الشركة نفسها.

وأضافت أن "ديلي واير" حاولت تنويع مصادر دخلها عبر بيع منتجات تحمل علامتها التجارية، مثل السيجار والعطور وشفرات الحلاقة "الخالية من الاستيقاظ الثقافي"، لكنها واصلت في الوقت نفسه الإنفاق الضخم على مشاريع مكلفة، بينها سلسلة الفانتازيا "دورة بندراغون: صعود ميرلين"، التي صُورت في المجر وإيطاليا واعتمدت على آلاف المؤثرات البصرية، رغم أن قناتها على "يوتيوب" تضم أقل من ألف مشترك.

كما أشارت الصحيفة إلى أن لوحات إلكترونية ضخمة تحمل صورة بن شابيرو ظهرت في "تايمز سكوير" بنيويورك ضمن حملة دعائية للترويج لترشيح برنامجه لجائزة "غولدن غلوب" الجديدة لأفضل بودكاست، لكنه لم يحصل في النهاية على أي ترشيح.

ونقلت عن مدير العلاقات العامة ميتشل جاكسون قوله إن هذا الإنفاق يعكس رغبة "ديلي واير" في التحول إلى مؤسسة إعلامية تقليدية، مضيفًا: "هم يقدمون أنفسهم كإعلام بديل، لكنهم يريدون أن يصبحوا إعلامًا تقليديًا بشدة".

وأشارت الصحيفة إلى أن موجة التسريحات الأخيرة فجرت نقاشات واسعة حول مستقبل الشركة، رغم أن بورينغ قلل من أهمية الأمر، مؤكدًا أن "ديلي واير" لا تزال تنتج الأفلام وتحقق سبقًا صحفيًا.

وجاءت هذه التسريحات بعد عام واحد فقط من موجة تقليص وظائف سابقة في مارس 2025، وبعد تنحي بورينغ عن منصب الرئيس التنفيذي.

من جهتها، قالت كانديس أوينز، التي غادرت الشركة عام 2024 بعد خلافات مرتبطة باتهامات بمعاداة السامية وخطاب متطرف، إن "ديلي واير" ارتكبت أخطاء مالية كارثية في سعيها نحو الشهرة والقبول داخل الإعلام التقليدي.

وأضافت أن المشكلة الأكبر تمثلت في تضييق مساحة الآراء داخل الشركة، خصوصًا في الملفات المتعلقة بإسرائيل، معتبرة أن "ديلي واير" تحولت إلى ما كانت تزعم أنها تحاربه.

اظهار أخبار متعلقة


وقالت: "تحول خطابهم إلى محاضرات يومية عن أن الجميع سيئون باستثنائهم، والناس لم تعد تريد هذا النوع من المحتوى".

وأوضحت الصحيفة أن بن شابيرو، المعروف بدفاعه القوي عن إسرائيل والعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، دخل في صدام مع تيار محافظ يرى أن هذا الموقف يتعارض مع مبادئ "أمريكا أولًا".

وردّ شابيرو على بعض منتقدي إسرائيل، ومن بينهم أوينز، واصفًا تصريحاتهم بأنها "مخزية تمامًا" وتحمل نظريات مؤامرة معادية للسامية.

ورغم التراجع، تؤكد "ديلي واير" أنها لا تزال في مسار نمو، مشيرة إلى حصولها على مقعد دائم في غرفة الإحاطات الصحفية بالبيت الأبيض، كما لا تزال شبكة البودكاست التابعة لها تحقق ملايين الاستماعات شهريًا داخل الولايات المتحدة.

لكن الصحيفة أكدت في المقابل أن برامج شخصيات يمينية مثل ميغين كيلي وتاكر كارلسون تحقق نموًا متسارعًا، مع تقديم خطاب أكثر انتقادًا للمؤسسة الجمهورية التقليدية مقارنة بمحتوى "ديلي واير".

وأضافت أن بودكاست شابيرو يحتل المرتبة 43 على "سبوتيفاي"، متأخرًا بأكثر من 30 مركزًا عن برامج أوينز وكارلسون، فيما تراجعت مشاهداته على "يوتيوب" بنحو 70 بالمئة منذ كانون الأول / ديسمبر 2024، وفق بيانات موقع “فيد آي كيو”.

وبعدما كانت مقاطع شابيرو تحقق ملايين المشاهدات، أصبحت بعض حلقاته الحديثة تحصد نحو 20 ألف مشاهدة فقط خلال أسبوعين.

وفي ختام التقرير، أشارت الصحيفة إلى أن المذيعة المحافظة ميغين كيلي قالت إن تاكر كارلسون يخسر جزءًا من جمهور "فوكس نيوز" المؤيد لإسرائيل وترامب بسبب انتقاداته للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، لكنه ينجح في جذب جمهور جديد يبحث عن تحدي "الروايات التقليدية".

التعليقات (0)