في خدعة أمريكية ضمن محاولات ما يُطلق عليه "تبييض
الذهب"، كشفتها صحيفة "
نيويورك تايمز" ضمن تحقيق نُشر في نيسان/أبريل، استُخدمت دار
سك العملة الأمريكية ذهباً من مصادر أجنبية، بعضها مرتبط بعصابات مخدرات، رغم تسويقه كذهب "أمريكي 100 بالمئة".
لم يقتصر الأمر على الولايات المتحدة فحسب، حيث كشف التحقيق أيضاً أن الذهب الذي يدخل سلسلة توريد دار سك العملة الملكية الكندية يُمكن تتبُّعه إلى عمليات تعدين غير قانونية تُسيطر عليها عصابة مخدرات كولومبية.
ووفقاً لتقرير "نيويورك تايمز"، تُشكك النتائج في تأكيدات المسؤولين الكنديين التي استمرت لسنوات طويلة بأن ذهبهم مُستخرج بطريقة أخلاقية وقابل للتتبع بالكامل، وهو ما يثير تساؤلات أوسع بشأن الشفافية والمساءلة في سلسلة توريد الذهب العالمية.
فضيحة داخل مؤسسة تمثل "قيم الحرية"
وفي الولايات المتحدة، عُدَّ الأمر فضيحة أخلاقية وقانونية تضرب "مؤسسة سك العملة الأمريكية" (U.S. Mint)، وبحسب التحقيق، فإن "دار سك العملة" تمثّل الحلقة الأخيرة في سلسلة تبييض للذهب الأجنبي.
حيث أثبتت الصحيفة أن الذهب المستخدم في صناعة العملات المعدنية الأمريكية -التي يُفترض أنها تمثل قيم الحرية- يعود في أصله إلى مناجم تديرها كارتيلات المخدرات في كولومبيا وجماعات مسلحة حول العالم.
اظهار أخبار متعلقة
وبحسب نيويورك تايمز، فإن الذهب الذي تموله جماعات مثل كلان ديل غولفو يمر عبر مراحل غسل قانوني، تبدأ بتسجيله ضمن برامج تعدين محلية تسمح بتداوله رسمياً، رغم كونه مستخرجاً بطرق غير مشروعة وتحت ظروف بيئية وصحية خطيرة.
وأشار التحقيق إلى أن الكونغرس الأمريكي كان قد حظر عام 1985 على دار سك العملة استخدام الذهب الأجنبي في إنتاج السبائك، في خطوة هدفت إلى الحد من انتهاكات حقوق الإنسان، خصوصاً في سياق نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا آنذاك.
إلا أن هذا الحظر جرى تجاهله من قبل إدارات البيت الأبيض المتعاقبة، سواء الديمقراطية أو الجمهورية، رغم تحذيرات داخلية، ويشير التقرير إلى أن هذا الذهب يُصدَّر لاحقاً إلى الولايات المتحدة، حيث يُخلط مع ذهب من مصادر أخرى داخل مصافٍ محلية، ما يمنحه صفة الأصل الأمريكي.
كما يلفت التحقيق إلى أن الجهات الرقابية لم تفرض تدقيقاً كافياً على مصادر الذهب، رغم أن وزارة الخزانة الأمريكية تعهدت بمراجعة إجراءات التوريد، وسط مخاوف من أن تسهم هذه الثغرات في تمويل أنشطة غير مشروعة، من بينها الاتجار بالمخدرات وتمويل النزاعات.
ماذا عن عملة ترامب التذكارية؟
وعقب مواجهة الصحيفة للمسؤولين الأمريكيين بنتائج التحقيق، أقرّت مؤسسة سك العملة بأن الولايات المتحدة هي مصدرها "الأساسي" وليس الوحيد، كما أعلن وزير الخزانة بيسنت فتح مراجعة شاملة لممارسات المشتريات لضمان عدم تمويل الإرهاب أو تدمير البيئة.
ولفت التقرير إلى أن العملات الذهبية الحديثة، بما فيها عملة تذكارية للرئيس دونالد ترامب عيار 24 قيراطاً بمناسبة مرور 250 عاماً على تأسيس الولايات المتحدة، قد تكون مصنوعة من مزيج من الذهب غير الأمريكي من مصادر متعددة.
علامة "أمريكي شمالي"
يعتمد مفهوم تتبع الذهب الكندي على تأكيد دار سك العملة بشأن إمكانية تتبع منتجاتها إلى أصولها باستخدام أنظمة متطورة، بما في ذلك برامج خاصة مصممة للعمل بطريقة مشابهة لتقنية سلسلة الكتل "البلوك تشين".
رغم ذلك، أقرّ مسؤولون كنديون بأنه بمجرد خلط الذهب الكولومبي بالذهب الأمريكي، يُعامل على أنه أمريكي شمالي بالكامل، وهذا التفسير، وإن كان مبرراً به قانوناً، إلا أنه يثير تساؤلاً بشأن الثغرات التي تسمح بدخول الذهب الذي يُحتمل أن يكون غير مشروع إلى الأسواق الرئيسية.
بدورها، صرحت أندريا كنيفاسر، المستشارة القانونية العامة لدار سك العملة الملكية الكندية، بأن المؤسسة تعتمد على عمليات تدقيق الموردين بدلاً من إجراء تحقيقاتها المعمقة الخاصة. ووفقاً لها، فإن ضمان الامتثال لما بعد عمليات التدقيق هذه "ليس من مسؤوليتنا".
يؤكد الخبراء أن الوضع يكشف عن نقاط ضعف جوهرية في ممارسات تتبع الذهب في
كندا، وفي صناعة الذهب العالمية بشكل عام، ويُعتبر تعزيز العناية الواجبة، أي التحقق الإضافي من ظروف التوريد أمراً بالغ الأهمية لمنع دخول الذهب المرتبط بالأنشطة الإجرامية إلى الأسواق المشروعة.
غسيل يمول جماعات مسلحة
من جهته، حذر ديفيد سود، المحقق المتخصص في تدفقات الذهب غير المشروعة، من أن تقاعس مصفاة رئيسية مثل دار سك العملة الملكية الكندية عن إجراء فحوصات أعمق يثير مخاوف بشأن نزاهة سلسلة التوريد بأكملها. تؤكد المعايير الدولية أيضاً على هذه المسؤولية.
اظهار أخبار متعلقة
وأصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مبادئ توجيهية تلزم المصافي بالتحقق من أن إنتاج الذهب لا يمول جماعات مسلحة أو ينطوي على انتهاكات لحقوق الإنسان، وأشار مستشار في المنظمة إلى أن عدم تطبيق هذه الفحوصات سيُخالف بشكل كبير نص وروح هذه المعايير.
وبررت دار سك العملة الملكية الكندية بقولها إنها لم تكن على علم بأصول بعض الذهب المرتبطة بالعصابات الإجرامية حتى أبلغها المحققون بذلك. وقد مثّل المورّد المعني من تكساس نحو 5% من الذهب الخام الذي قامت دار سك العملة بتكريره العام الماضي.