في ظل انشغال
العالم بتطورات الأوضاع المتصاعدة في إيران، تتواصل على الأرض في قطاع
غزة وقائع
ميدانية أكثر هدوءًا في ظاهرها، لكنها تحمل تغييرات عميقة في الواقع اليومي
للسكان، حيث تتوسع سيطرة
الاحتلال الإسرائيلي عبر ما يعرف بـ"الخط الأصفر".
أكدت صحيفة
التايمز
البريطانية أن الاهتمام الدولي يتجه في الوقت الحالي نحو تطورات الملف الإيراني، في
حين تواصل القوات الإسرائيلية تعزيز سيطرتها الميدانية داخل قطاع غزة، مع حصر آلاف
الفلسطينيين خلف ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" الذي يشهد تغيّرًا مستمرًا وتشرف
عليه القوات الإسرائيلية مباشرة.
وأشارت الصحيفة إلى
أنه بعد مرور أكثر من ستة أشهر على دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لا يزال سكان
قطاع غزة عالقين بين وجود حركة حماس المسلحة من جهة، وبين "الخط الأصفر"
الإسرائيلي المتغير من جهة أخرى، موضحة أن هذا الخط بات يتبدل موقعه وقواعده بشكل دائم،
الأمر الذي جعله عنصرًا مؤثرًا ومسيطرًا على تفاصيل الحياة اليومية في القطاع.
وتابعت الصحيفة أن
تقديرات صادرة عن وكالة إغاثة تابعة للأمم المتحدة تشير إلى أن نحو 90 بالمئة من سكان
غزة يعتمدون بشكل كامل على المساعدات الإنسانية، في حين قُتل مئات الأشخاص حتى بعد
دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، دون وجود أي أثر فعلي لما يُعرف بـ"مجلس السلام"
الذي أنشأه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ولا لهيئة إدارة غزة التابعة له،
والتي كان يفترض أن تتولى إدارة شؤون القطاع.
ولفتت إلى أن حركة
حماس تواصل بسط سيطرتها على الجانب الغربي من قطاع غزة، خلف “الخط الأصفر” الذي يشكل
منطقة عازلة تشرف عليها القوات الإسرائيلية بشكل مباشر، مؤكدة أن الحركة ما زالت تحتفظ
بقدراتها المسلحة رغم الحرب التي استمرت عامين وكان يفترض أن تؤدي إلى إنهاء وجودها
العسكري بشكل كامل.
ونقلت الصحيفة عن زهير
دولة، وهو أب لثلاثة أطفال يبلغ من العمر 40 عامًا، قوله إن الحديث عن تخلي حماس عن
سلاحها لا يمكن فصله عن طبيعة سيطرتها على الواقع في غزة، متسائلًا عن إمكانية تخلي
أي جماعة تملك هذا القدر من النفوذ والسيطرة عن سلاحها في ظل الظروف الحالية.
وأضافت أن مسؤولين
إسرائيليين وأمريكيين تحدثوا عن الوضع القائم في غزة باعتباره مرحلة انتقالية بين مرحلتين
من خطة وقف إطلاق النار، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى تشكل بنية جديدة على الأرض،
حيث أصبح “الخط الأصفر” نموذجًا لما وصفته الصحيفة باستراتيجية أمنية إسرائيلية أوسع
في المنطقة.
وأشارت إلى أن هذا
النمط لم يقتصر على غزة، بل امتد إلى جبهات أخرى، حيث توغلت القوات الإسرائيلية في
جنوب لبنان منذ استئناف العمليات هناك في آذار/مارس، وقامت بتجريف قرى وإقامة مواقع
عسكرية، على غرار ما حدث في غزة، مع رسم خط يمتد عدة أميال داخل الأراضي اللبنانية،
والإعلان أن أي شخص يعبر المنطقة العازلة يُعامل كهدف عسكري مشروع.
اظهار أخبار متعلقة
ولفتت الصحيفة إلى
أن هذا النهج استُخدم أيضًا في سوريا، عقب التطورات التي شهدتها البلاد في كانون الأول/ديسمبر
2024، بعد سقوط الرئيس السابق بشار الأسد، حيث أقام الجيش الإسرائيلي منطقة عازلة ممتدة
باتجاه مناطق حدودية حساسة، وسط مخاوف أمنية متصاعدة.
ونقلت عن المحللة الأمنية
الإسرائيلية البارزة ساريت زهافي قولها إن هذا النمط يعكس مبدأ ثابتًا يقوم على إنشاء
مناطق عازلة تفصل بين السكان المدنيين والتهديدات العسكرية، سواء في حالة حزب الله
في لبنان أو في ساحات أخرى.
وفي سياق متصل، أوضحت
الصحيفة أن الخط الأصفر في غزة تحول إلى خط فصل فعلي مع تطور الحرب منذ هجمات السابع
من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما تبعها من اجتياح إسرائيلي للقطاع، مشيرة إلى أن مساحات
واسعة من غزة كانت قد دُمرت بالكامل بحلول وقت إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر
الماضي.
وأضافت أنه وفق بنود
الاتفاق، كان من المفترض أن تنسحب القوات الإسرائيلية إلى ما وراء الخط الأصفر، تمهيدًا
للمرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، والتي تضمنت نزع سلاح حركة حماس، وانسحاب الجيش
الإسرائيلي إلى حدوده، وتسليم إدارة القطاع إلى هيئة جديدة يشرف عليها “مجلس السلام”
إلى جانب قوة حفظ سلام دولية.
لكن الصحيفة أكدت أن
هذا السيناريو لم يتحقق على أرض الواقع، ولم تظهر أي مؤشرات على تنفيذه، في وقت التزم
فيه “مجلس السلام” الذي أُعلن عنه سابقًا صمتًا شبه كامل منذ تصاعد التوترات الإقليمية.
ونقلت الصحيفة عن سكان
في غزة قولهم إن الخط الأصفر توسع تدريجيًا، مقتطعًا مساحات من الأراضي التي يعيشون
فيها، فيما قال أمجد الشوا، رئيس شبكة المنظمات غير الحكومية الفلسطينية، إن إسرائيل
أعادت فرض سيطرتها على مناطق كانت قد انسحبت منها سابقًا، لتصل نسبة سيطرتها إلى نحو
60% من مساحة القطاع.
وأضاف أن جميع سكان
غزة تقريبًا، والبالغ عددهم 2.1 مليون نسمة، يعيشون داخل مساحة لا تتجاوز 85 ميلاً
مربعًا، في حين يقيم نحو ثلاثة أرباعهم في خيام، رغم استمرار دخول بعض المساعدات الإنسانية
المحدودة.
وأوضح أن الأوضاع الإنسانية
والمعيشية في القطاع تزداد تدهورًا يومًا بعد يوم، مع تراكم النفايات حول مناطق النزوح،
ونقص حاد في المياه، وتدمير واسع لشبكات الصرف الصحي، ما أدى إلى انتشار الأمراض، إضافة
إلى تفشي القوارض والحشرات داخل المخيمات.
كما أشارت الصحيفة
إلى وجود اختلافات بين غزة ولبنان وسوريا من الناحية السياسية والقانونية، موضحة أن
لبنان يُعد دولة ذات سيادة اسمية في المناطق الواقعة خلف الخطوط العازلة، رغم استمرار
التوترات.
ولفتت إلى أن محادثات
دبلوماسية تجري بين إسرائيل ولبنان في واشنطن، قد تؤدي إلى تفاهمات مستقبلية تشمل انسحابًا
إسرائيليًا مشروطًا بنزع سلاح حزب الله، إلا أن هذا السيناريو لا يزال غير محسوم.
ونقلت عن مصادر قولها
إن الحكومة اللبنانية منقسمة داخليًا بين أطراف تسعى إلى اتفاق مع إسرائيل، وأخرى ترفض
ذلك في ظل استمرار وجود حزب الله ونفوذه العسكري والسياسي.
اظهار أخبار متعلقة
وفي سوريا، أشارت الصحيفة
إلى استمرار الوجود الإسرائيلي في مناطق حدودية، في ظل عدم ثقة تل أبيب في مستقبل الإدارة
السياسية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، الذي تولى الحكم بعد التطورات الأخيرة في البلاد.
وأوضحت الصحيفة أن
هذه الحالات الثلاث تعكس حالة عامة من عدم اليقين في المناطق الحدودية، حيث يعيش السكان
في بيئة غير مستقرة، دون أفق واضح للعودة إلى منازلهم أو إعادة الإعمار، وسط استمرار
فكرة المناطق العازلة كواقع مرشح للاستمرار لفترة طويلة.
واختتمت الصحيفة تقريرها
بالإشارة إلى أن هذا الواقع يكرّس حالة من "اللا حرب واللا سلام" في المنطقة،
حيث يواجه سكان غزة تداعيات يومية متصاعدة، مع استمرار الغارات المتقطعة، ما يجعلهم
في حالة من القلق المستمر بشأن المستقبل.