كيف يشكل "أسطول البعوض" الإيراني تهديدا خطيرا في مضيق هرمز؟

تعرضت أكثر من 20 سفينة لهجمات خلال الحرب الأخيرة - جيتي
تعرضت أكثر من 20 سفينة لهجمات خلال الحرب الأخيرة - جيتي
شارك الخبر
في ظل استمرار التوترات في منطقة الخليج، تتزايد التحذيرات من خطورة ما يُعرف بـ"أسطول البعوض" التابع لبحرية الحرس الثوري الإيراني، وهو تشكيل بحري غير تقليدي يعتمد على الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة في تنفيذ عمليات مباغتة داخل مضيق هرمز.

ونشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرًا يسلط الضوء على "أسطول البعوض" التابع للبحرية في الحرس الثوري الإيراني، باعتبارها قوة فتاكة رغم الدمار الذي طال السفن الحربية الكبيرة الإيرانية جراء الضربات الأمريكية والإسرائيلية، مضيفًا أن هذه القوة صُممت خصيصًا لمضايقة السفن التجارية والعسكرية، وتشكّل العمود الفقري للقوة البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، وهي قوة منفصلة عن البحرية النظامية.

وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن هذه القوارب الصغيرة، إلى جانب الصواريخ والطائرات المسيرة التي يمكن إطلاقها من على متنها أو من مواقع مخفية على الشاطئ؛ تشكل تهديدًا رئيسيًا للملاحة في مضيق هرمز. وقد تعهدت إيران بإبقاء المضيق مغلقًا حتى يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان، ومع تضارب تصريحات المسؤولين الإيرانيين حول فتح الممر، أعلنت القوات المسلحة لاحقًا أن المضيق "عاد إلى حالته السابقة" وأنه "تحت إدارة صارمة من القوات المسلحة" .

ورحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالإعلان الأولي عن فتح المضيق، واعتبر أن "أزمة هرمز انتهت"، لكنه شدّد على أن الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية سيبقى قائمًا حتى التوصل إلى اتفاق سلام شامل.

وأوضحت الصحيفة أن مهمة إبقاء المضيق مغلقًا تقع على عاتق بحرية الحرس الثوري. ويقول الخبير في شؤون الحرس الثوري وأستاذ العلوم السياسية بجامعة تينيسي، سعيد غولكار، إن هذه القوة تعمل بشكل "أشبه حرب عصابات بحرية"، فهي لا تعتمد على السفن الكبيرة والمعارك التقليدية، بل على أسلوب "الكر والفر".

ووفقًا للوكالة البحرية الدولية فقد تعرضت أكثر من 20 سفينة لهجمات خلال الحرب الأخيرة، وأشار محللون إلى أن معظمها كان بطائرات مسيّرة أُطلقت من منصات متنقلة يصعب رصدها.

اظهار أخبار متعلقة


وأضافت الصحيفة أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين كشف بعد إعلان هدنة مؤقت في 8 نيسان/ أبريل أن أكثر من 90 بالمائة من أسطول البحرية النظامية الإيرانية أصبح في قاع البحر، بما في ذلك سفنها الرئيسية. أما بحرية الحرس، فقد خسرت نصف زوارقها السريعة تقريبًا، لكن العدد الإجمالي لهذه الزوارق يبقى غامضًا، إذ تتراوح التقديرات بين مئات وآلاف، وغالباً ما تكون صغيرة إلى درجة لا تظهر في صور الأقمار الصناعية، وتُخزّن داخل كهوف صخرية محصّنة على الساحل.

وأكد الأدميرال الأميركي المتقاعد غاري روغهد أنها لا تزال قوة "مزعزعة للاستقرار"، إذ يصعب التنبؤ بتحركاتها أو نواياها، ما يجعلها مصدر قلق دائم للملاحة الدولية.

التدخل حيث عجزت البحرية النظامية

وأوضحت الصحيفة أن نشأة الحرس الثوري تعود إلى ما بعد الثورة الإسلامية عام 1979، حين شكّك آية الله الخميني في ولاء الجيش النظامي. وفي منتصف الثمانينيات، أُنشئت القوة البحرية للحرس بعد أن أبدت البحرية النظامية ترددًا في مهاجمة ناقلات النفط التابعة لداعمي العراق، مثل الكويت والسعودية، بحسب الباحث فرزين نديمي. ومع تصاعد الهجمات، تدخلت الولايات المتحدة لحماية الناقلات، وكادت إحدى سفنها تغرق إثر اصطدامها بلغم إيراني، قبل أن ترد البحرية الأميركية بتدمير فرقاطتين إيرانيتين وسفن إيرانية.

وأضاف نديمي أن تجربة حرب الخليج الأولى عام 1991، حين شاهدت إيران كيف دمّرت واشنطن الجيش العراقي خلال أيام، رسّخت قناعة لدى طهران بأنها لا تستطيع مواجهة أميركا مباشرة، فاختارت تطوير قوة بحرية غير تقليدية تعتمد على الإزعاج والكرّ والفرّ.

واليوم، يقدَّر عدد عناصر بحرية الحرس بنحو 50 ألفًا، موزعين على خمس قطاعات على طول الخليج، مع انتشار في بعض الجزر الـ38 التي تسيطر عليها إيران. وقد أنشأت هذه القوة ما لا يقل عن عشرة قواعد محصّنة لزوارقها الهجومية، بينها قاعدة "فارور" التي تُعد مركزاً للقوات الخاصة البحرية.

ترسانة صغيرة لكن فعّالة

وأشارت الصحيفة إلى أن إيران بدأت باستخدام قوارب ترفيهية مجهزة برشاشات وقاذفات صواريخ، ثم طوّرت زوارق خاصة وغواصات صغيرة وطائرات مسيّرة بحرية. وتزعم أن بعض زوارقها تصل سرعتها إلى أكثر من 100 عقدة (115 ميلاً في الساعة). كما طوّرت سفنًا أكبر وأكثر تعقيدًا، بينها ناقلة حاويات معدّلة لتكون حاملة طائرات مسيّرة وصواريخ مضادة للسفن، لكنها تعرضت لأضرار جسيمة في الحرب الأخيرة.

اظهار أخبار متعلقة


وفي مواجهة هذه التهديدات، زوّدت البحرية الأميركية سفنها بمدافع ثقيلة وأنظمة دفاعية متطورة، لكن السفن التجارية تبقى بلا حماية تقريبًا أمام هجمات محتملة. ورغم أن إيران لم تختبر بعد هجمات "سرب الزوارق" في معركة فعلية، فإن مجرد احتمال استخدامها يثير قلقًا كبيرًا.

ومنذ فرض ترامب الحصار البحري على السفن الإيرانية، تجنّبت القطع الأميركية دخول الضيق، مفضّلة البقاء في خليج عمان أو بحر العرب حيث يمكنها مراقبة الملاحة من مسافة آمنة. وفي المقابل، حذّرت إيران من إمكانية توسيع عملياتها إلى البحر الأحمر عبر حلفائها في اليمن.

تاريخ طويل من المناوشات

وذكرت الصحيفة أن بحرية الحرس الثوري لطالما خاضت مواجهات أشبه بلعبة القط والفأر مع القوات الأميركية في الخليج. ففي التسعينيات وبداية الألفية، كانت الزوارق الإيرانية تقترب بسرعة من السفن الأميركية ثم تنسحب فجأة. ومع دخول الطائرات المسيّرة إلى المعادلة، ارتفع مستوى الخطر، إذ يمكن لهذه الطائرات الرخيصة أن تُلحق أضرارًا جسيمة بسفن حربية تكلف مليارات الدولارات.

وفي بعض الأحيان، خاضت هذه القوة مواجهات مباشرة، مثل حادثة عام 2016 حين احتجزت زورقين أميركيين صغيرين واعتقلت عشرة بحارة، قبل أن تطلق سراحهم لاحقاً. وقد أثار هذا الحادث ضجة في الولايات المتحدة، بينما تحوّل القائد الإيراني الذي أشرف عليه، العميد محمد ناظري، إلى شخصية شعبية في الداخل الإيراني.

وختمت الصحيفة التقرير بأنه رغم الخسائر الكبيرة التي تكبّدتها البحرية الإيرانية النظامية والحرس الثوري خلال الحرب الأخيرة، فإن "أسطول البعوض" لا يزال يشكّل تهديداً جدياً للملاحة الدولية في مضيق هرمز. وقوته لا تكمن في الحجم أو التكنولوجيا المتقدمة، بل في قدرته على المناورة السريعة، استخدام الطائرات المسيّرة، والانتشار في مواقع يصعب رصدها. وهذه الإستراتيجية غير المتكافئة تجعل إيران لاعبًا رئيسيًا في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يظل التوتر قائمًا بين طهران وواشنطن، ومعه يظل المضيق ساحة مفتوحة لاحتمالات التصعيد أو الانفراج.
التعليقات (0)