لماذا فشلت استراتيجية نتنياهو التوسعية بعد هجمات حماس؟

قال مارك لينتش إن نقاد نتنياهو يتهمونه بقيادة "إسرائيل" إلى حروب لا نهائية وتزداد عبثية - جيتي
قال مارك لينتش إن نقاد نتنياهو يتهمونه بقيادة "إسرائيل" إلى حروب لا نهائية وتزداد عبثية - جيتي
شارك الخبر
أكد أستاذ العلوم السياسية مارك لينتش أن تل أبيب انتقلت من إدارة الصراع إلى محاولة “حسمه بالقوة”، لكنها انتهت إلى نتائج عكسية، مع فشل متكرر في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، واتساع رقعة الاستنزاف العسكري والسياسي.

نشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالاً لمارك لينتش، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية، ومدير مشروع الشرق الأوسط للعلوم السياسية، قال فيه إن العقيدة الأمنية التي تبنتها دولة الاحتلال بعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 أثبتت فشلها.

وأوضح لينتش أن السبب هو اعتقاد نتنياهو بأنه قادر على إنهاء التهديدات بشكل كامل لا التعامل معها وإدارتها، مشيراً لما قاله بعد وقف إطلاق النار مع إيران الذي أعلن عنه ترامب في 11 نيسان/أبريل، حيث نشر مقطع فيديو يدعي فيه تحقيق "إنجازات تاريخية" لاستراتيجيته الحربية.

وأضاف أن النقاد في الداخل والخارج رأوا الأمور من منظور مختلف، فقد جاءت الضربة الإسرائيلية الدامية التي استهدفت وسط بيروت، والتي أطلق عليها اللبنانيون المذعورون اسم "الأربعاء الدامي"، بمثابة تحدٍ سافر لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.

اظهار أخبار متعلقة


وهو تصعيد جاء في وقت يعبر فيه (الإسرائيليون) من مختلف الأطياف عن إرهاقهم وإحباطهم من الحرب الدائمة التي لا يبدو أنها تفضي إلى نصر أو أمن، والتي غالباً ما تبدو موجهة لحماية مسيرة نتنياهو السياسية أكثر من حماية دولة الاحتلال.

ويرى لينتش أن إحباط (الإسرائيليين) يتجاوز نتنياهو وحده، فهو يمثل فشل استراتيجية حكومية طموحة لتحقيق تحول إقليمي من خلال التدخل العسكري غير المقيد بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وأصبح التوسع المطرد لأهداف الاحتلال وكثافة غاراتها الجوية يهدف إلى التدمير الكامل لحماس ونزع سلاح حزب الله وتغيير النظام أو انهيار الدولة في إيران وليس إدارتها. وفي كل جبهة، راوغ النصر الحاسم دولة الاحتلال رغم العنف غير المسبوق والشديد المستخدم، وانتهاك الأعراف والقانون الدولي، والتسبب بمعاناة إنسانية بالغة.

ويضيف لينتش أن ادعاءات نتنياهو بالنجاح استناداً إلى إضعاف قدرات الخصوم هي في الواقع اعتراف بالهزيمة وعودة إلى العقيدة نفسها التي كان يأمل في التخلي عنها، وهي مؤشر مقلق على مسار سياسة دولة الاحتلال في الأيام المقبلة.

وأشار لينتش إلى أن تل أبيب قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 كانت تعتقد أنها قادرة على إدارة صراعاتها الإقليمية من خلال ما أسمته تشذيب العشب، وتعني بذلك القيام بحملات عسكرية قصيرة ومكثفة ومتقطعة تضعف قدرات خصومها مثل حماس وحزب الله، مع تعزيز الردع.

وكانت تلك الهجمات في كثير من الأحيان وحشية؛ فلا تزال بيروت تحمل آثار عام 2006، وعانى الفلسطينيون في غزة من جولات متكررة من الهجمات ذات الخسائر المدنية الفادحة في العقود التي سبقت 7 تشرين الأول/ أكتوبر.

لكنها كانت بطبيعتها محدودة ذاتيا. فقد سعت عادةً إلى إلحاق أكبر قدر من الضرر في فترة زمنية قصيرة نسبيا مع تجنب التصعيد، معتمدة على منظومة القبة الحديدية للدفاع الصاروخي للحد من تأثير الرد، وتجنب استهداف دول مثل إيران أو سوريا وكانت تنتهي بوقف إطلاق نار تفرضه الولايات المتحدة بمجرد أن تقرر "تل أبيب" أن الضرر قد تحقق.

لكن عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/أكتوبر والذي اخترق فيه مقاتلو حماس السياج الحدودي من غزة أدى انهيار الإجماع الاستراتيجي في دولة الاحتلال القائل بإمكانية إدارة هذه الصراعات من خلال الردع والحملات العسكرية المحدودة واستعداد الجهات الفاعلة المحلية، كالسلطة الفلسطينية، لفرض ضبط النفس بدافع المصلحة الذاتية.

وتحول الافتراض القائل بأنه حتى الخصوم الخطرين كحماس وحزب الله سيتجنبون الاستفزازات حفاظا على سلطتهم وبقائهم التنظيمي، وتقضي العقيدة الاستراتيجية الجديدة للاحتلال بإنهاء التهديدات، ليس فقط في غزة بل في جميع أنحاء المنطقة، بدلا من مجرد إدارتها.

ويعتقد لينتش أن تلك الطموحات تجاوزت فكرة الهيمنة العسكرية على الخصم إلى محاولة فرض نظام إقليمي جديد، فتدمير إيران وحلفائها الإقليميين نهائيا من شأنه أن يفتح الباب أمام إرساء نظام إقليمي جديد، "سلام عبري".

وسينبني هذا النظام الجديد على اتفاقيات "إبراهيم" لعام 2020، ويرسي تحالفات راسخة وبنية أمنية متينة، تشمل معظم الدول العربية، إن لم يكن جميعها، وفقا لشروط الاحتلال. وستختفي فلسطين من الأجندة إلى الأبد.

اظهار أخبار متعلقة


ويعلق لينتش أنه إذا كان هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر قد أقنع القادة لدى الاحتلال بضرورة هذا التحول الاستراتيجي، فإن الحرب اللاحقة في غزة علمتهم أنهم قادرون على الإفلات من العقاب في حربهم الإقليمية.

وقد أظهر الدعم غير المشروط من إدارتي بايدن وترامب خلال عامين من الحرب المدمرة على غزة أنه لا يوجد شيء على الإطلاق، ولا حتى سياسات يمكن وصفها بشكل معقول بأنها إبادة جماعية، سينهي الدعم العسكري والسياسي الأمريكي.

وفي ظل غياب أي قيود من واشنطن أو المؤسسات الدولية وقلة الاعتراضات الحقيقية من الدول العربية القوية، فإن العقبة الوحيدة أمام العمل (الإسرائيلي) ستكون عسكرية.

وفي هذا السياق، لم يكن أمام تل أبيب سوى تحديات قليلة حقيقية. وساهم نجاح منظومة القبة الحديدية في صدّ الهجمات الصاروخية في تقليل تكاليف الرد إلى أدنى حد، بينما مكن التفوّق التكنولوجي للاحتلال وحصولها على الدعم الأمريكي من توجيه ضربات شبه عشوائية.

كما شكل القضاء على قيادة حزب الله في أيلول/سبتمبر 2024 دليلا على جدوى هذه المنظومة ولحظة فارقة حاسمة، وبدا وكأن اغتيال  الأمين العام للحزب، حسن نصر الله وإصابة آلاف من مقاتلي حزب الله،وكأنه قد أزال التهديد الرئيسي للاحتلال وأقوى أسلحة إيران، على الأقل في الوقت الراهن.

كما وعززت الحرب التي استمرت 12 يوما ضد إيران في حزيران/يونيو 2025، والتي صمدت فيها الدفاعات الصاروخية للاحتلال إلى حد كبير وامتنعت إيران عن رد أوسع نطاقا عبر الخليج، هذا الشعور بالإفلات من العقاب.

وكذلك أظهرت قدرة الاحتلال على قصف سوريا متى شاءت بعد سقوط نظام الأسد في أواخر عام 2024، ومع سيطرتها الكاملة على الأجواء واختراقها الاستخباراتي العميق لخصومها، بات الاحتلال يعتقد أنه قادر على توجيه ضربات قاضية لخصومه المتبقين بأقل قدر من المخاطر والتكاليف.

وتبدو تلك الرؤية الأن مدفونة في الرماد، فقد وجدت دولة الاحتلال نفسها عاجزة عن فرض إرادتها على لبنان، بسبب عودة حزب الله بقوة والتكاليف المتوقعة لغزو بري.

كما وفشلت الحرب الجوية الشاملة ضد إيران هذا العام، حتى مع مشاركة الولايات المتحدة، في محاولة إسقاط الجمهورية الإسلامية أو إنهاء قدرتها على الرد والمقاومة.

وقد أدت الضربات الإيرانية الانتقامية، المدعومة بترسانة حزب الله الأقوى وأكثر مما توقعه الإسرائيليون، إلى استنزاف دفاعات الصواريخ لدى جيش الاحتلال إلى الحد الأقصى وألحقت بها خسائر اقتصادية ومادية.

ونتيجة لذلك، يتعين على دولة الاحتلال الآن العودة إلى استراتيجية إدارة الصراع، التي تلحق أضرارا جسيمة بالأرض بمعدلات أعلى بكثير من الموت والدمار، دون أي سبيل إلى الحل الدائم الذي وعدت به الاستراتيجية الجديدة.

إلا أن تكاليف الحملات العسكرية المتكررة قد ارتفعت بشكل كبير، بطرق يرفض (الإسرائيليون) الاعتراف بها بإصرار. فثد أدت أهوال الحرب على غزة إلى تحول الرأي العام ضد دولة الاحتلال في معظم أنحاء أوروبا والولايات المتحدة.

بينما أقنعت في المقابل تدخلاتها المتهورة العديد من العرب بضرورة النظر إلى دولة الاحتلال على أنها تهديد وليست شريكا أمنيا محتملا.

فقد افترضت تل أبيب أن استعراض قوتها سيجعلها حليفا أكثر جاذبية لدول الخليج، دون إدراكها كيف ستظهرها هذه القوة بمظهر الطرف الذي يهدد المنطقة.

كما وشكلت ضربة الاحتلال على اجتماع حماس في الدوحة في أيلول/سبتمبر 2025 نقطة تحول لم ينظر إليها بقدر كاف.

فقد كشفت لقادة الخليج أن دولة الاحتلال قادرة على تجاهل سيادة بلدانهم بسهولة كما تفعل مع أعدائهم المشتركين. وتعززت هذه المخاوف بعدوانها على لبنان وإيران، فضلا عن تحركاتها التخريبية في سوريا.

ومن جانب آخر، رفضت تل أبيب الاعتراف بأهمية الشرعية الإقليمية أو الدولية لأي بنية أمنية متينة. ولم تقدم أي رؤية إيجابية أو هدف مشترك لترسيخ تحالف مع الدول العربية، بل سعت جاهدة للسيطرة على أراض في الضفة الغربية بطرق صعبت على القادة العرب تبرير التعاون.

فقد كان الخلاف السعودي- الإماراتي في كانون الأول/ديسمبر 2025 نابعا وإن جزئيا، بتصور أن التحالف الإسرائيلي - الإماراتي قد ازداد قوة وتجاوز الحد، وقد اعترضت الرياض تحديدا، على ما رأت أنه دعم الإمارات للحركات الانفصالية والجهات الفاعلة غير الحكومية في ليبيا والسودان وسوريا واليمن.

كما وتثير الهجمات الإسرائيلية على قدرات الدولة في إيران منذ 28 شباط/فبراير ولبنان المخاوف نفسها في الرياض وعموم المنطقة، من الفوضى وانهيار الدولة، الأمر الذي قد يخدم مصالح الاحتلال الأمنية قصيرة الأجل.

بينما يحفز في الوقت نفسه تدفق موجات اللاجئين والتطرف في دول أخرى، وأدى رد إيران على دول الخليج، في الوقت الراهن، إلى زيادة غضب الخليج تجاه إيران، وكشف في الوقت نفسه عن حدود الضمانات الأمنية الأمريكية الإسرائيلية.

لكن من المرجح أن تكون عودة اعتمادهم على الولايات المتحدة وإسرائيل قصيرة الأمد. فقد كان لدى قادة الخليج أسبابهم المفهومة للتذمر من شن الولايات المتحدة والاحتلال حربا دون استشارتهم.

وهو ما عرضهم لتهديد وجودي، حيث أصبحت القواعد الأمريكية أهدافا بدلا من كونها دروعا واقية، فيما أثبتت أنظمة الدفاع الأمريكية عجزها عن حماية البنية التحتية الحيوية للنفط والغاز.  وكانت الولايات المتحدة، بشكل غريب، غير مستعدة لإبقاء مضيق هرمز مفتوحا لحركة الملاحة البحرية.

اظهار أخبار متعلقة


واليوم، تعرضت معظم قواعدها لأضرار واستهدفت الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية جميع دول الخليج العربي، حيث ركزت طهران نيرانها بشكل ملحوظ على الإمارات والبحرين، حليفتي الاحتلال في اتفاقيات إبراهيم.

في المقابل، اتخذت الإمارات موقفا أكثر عدوانية، ما دفع واشنطن إلى تصعيد الحرب، حتى مع دعم السعودية وقطر لجهود الوساطة الباكستانية.

وعلق لينتش أنه من المستحيل، بالطبع، معرفة مسار المرحلة التالية من الحرب. لكن من الناحية الجوهرية، فشلت استراتيجية الاحتلال بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر. فرغم كل الضرر الذي ألحقته بأعدائها، لم تنجح تل أبيب في القضاء على أي منهم، ولا حتى حماس.

وقد أثار توسعها وعنفها المفرط في غزة ولبنان ردة فعل عنيفة لدى جيل كامل من الأوروبيين والأمريكيين الذين يمثلون مصدر دعمها الخارجي الأهم، وغيرت نظرة العرب إلى جدوى النظر إلى دولة الاحتلال كحليف.

ومن هنا فنقاد نتنياهو في الداخل المحتل، مصيبون عندما يقولون إنه قادهم إلى حروب لا نهائية، تزداد عبثية، دون أن يقدم أي بدائل حقيقية للمستنقع الإقليمي والعزلة الدولية التي ورطهم بها.
التعليقات (0)