في ظل تصاعد المواجهة التي يقودها فريق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد
إيران، تتصاعد تحذيرات من أن هذا المسار لا يقتصر على كونه صراعاً عسكرياً، بل يتجاوز ذلك ليهدد ما تبقى من منظومة أخلاقية عالمية، في وقت يتهم فيه القوميون الإنجيليون بتقويض أسس النظام الدولي القائم على القواعد.
وجاء في مقال للصحفي البريطاني سايمون تيسدال، مساعد رئيس التحرير وكاتب عمود الشؤون الخارجية في صحيفة “الغارديان”، أن انتهاك المعايير الدولية من قبل شخصيات بارزة، مثل وزير الدفاع الأمريكي بيت
هيغسيث، ينبغي النظر إليه بوصفه قضية أخلاقية بامتياز، تمثل معركة ضد الفوضى، تتطلب مشاركة جميع الأديان الرئيسية في مواجهتها.
ويستعيد المقال رمزية ترنيمة “إلى الأمام أيها الجنود المسيحيون”، التي كُتبت عام 1865 على يد رجل الدين البريطاني سابين بارينغ-غولد، والتي كانت تعكس في زمنها الروح العسكرية للعصر الفيكتوري، لكنها اليوم تُعد نموذجاً لنزعة دينية انتصارية تثير القلق، لما تحمله من دعوات ضمنية للغزو والانتصار باسم الدين.
اظهار أخبار متعلقة
ويشير تيسدال إلى أن وزير الدفاع الأمريكي، الذي يُعد من أبرز الوجوه المرتبطة بالقومية المسيحية داخل المؤسسة العسكرية، يتبنى خطاباً دينياً متشدداً، إذ دعا خلال قداس أُقيم مؤخراً في البنتاغون إلى استخدام “عنف ساحق ضد من لا يستحقون الرحمة”، في إشارة إلى إيران، وهو ما يعكس، بحسب المقال، توجهاً يخلط بين العقيدة الدينية والعمل العسكري.
ويضيف أن توظيف الدين لأغراض سياسية وعسكرية ليس جديداً في
الولايات المتحدة، إلا أن هذا التوجه يكتسب اليوم بعداً أكثر قتامة، خاصة في ظل الخطاب الذي يشيطن الإيرانيين ويجردهم من إنسانيتهم، مدفوعاً بمشاعر الخوف والكراهية، ولا سيما تجاه المسلمين الشيعة. ويعيد المقال التذكير بقرار ترامب عام 2017 حظر دخول مهاجرين من دول ذات غالبية مسلمة، باعتباره مثالاً على هذا النهج.
ويرى الكاتب أن هذا الاستخدام للدين يثير استياءً واسعاً بين المسيحيين أنفسهم، الذين يعتبرون أن العقيدة المسيحية تقوم على مفاهيم الغفران والتضحية، لا على الانتقام والهيمنة. وفي هذا الإطار، يشير المقال إلى موقف البابا ليو خلال قداس أحد الشعانين في روما، حيث شدد على أنه “لا يمكن استخدام المسيح لتبرير الحرب”، محذراً من أن صلوات دعاة الحرب لن تجد قبولاً، لأن “الأيدي ملطخة بالدماء”.
ورغم وجود تيارات مسيحية تؤيد الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، إلا أن هذا الغضب الأخلاقي يتردد صداه في أوساط دينية واسعة، من بينها شخصيات مسيحية بارزة مثل روان ويليامز، رئيس أساقفة كانتربري السابق، إضافة إلى أصوات في العالم الإسلامي وبين اليهود حول العالم. ويعكس ذلك، وفق المقال، أزمة أعمق تتعلق بتآكل النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتراجع الالتزام بالقانون الدولي، في ظل صعود قادة يتجاهلون القواعد ويشجعون الفوضى.
ويؤكد تيسدال أن انهيار هذا النظام لا ينبغي النظر إليه فقط من زاوية سياسية أو اقتصادية، بل كأزمة أخلاقية عالمية، تتطلب مواقف واضحة من المؤسسات الدينية، في وقت تتراجع فيه الثقة بالحكومات والأنظمة الديمقراطية، ويزداد شعور المجتمعات بالعجز أمام قوى خارجة عن السيطرة.
ويدعو المقال إلى دور أكثر فاعلية للأديان في مواجهة هذا الانحدار، رغم ما يعتري مواقفها من تردد وانقسام، كما يظهر في بريطانيا، حيث تجنبت رئيسة أساقفة كانتربري الجديدة سارة مولالي التطرق إلى الحرب في أول خطبة لها، في حين أدان أسقف تشيلمسفورد غولي فرانسيس دهقاني، المولود في إيران، الحرب واعتبرها غير قانونية وغير أخلاقية.
ويتناول المقال تداعيات اغتيال المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي، واصفاً إياه بأنه عمل استفزازي وغير قانوني، مشيراً إلى أن ردود الفعل عليه كشفت انقسامات طائفية واضحة، سواء في المنطقة أو داخل المجتمعات الدينية المختلفة. ويورد في هذا السياق نتائج استطلاع لمؤسسة “جيه ستريت” أظهر أن 77% من اليهود الأمريكيين يعتقدون أن ترامب لا يمتلك خطة واضحة للحرب، رغم تأييدها داخل إسرائيل.
اظهار أخبار متعلقة
ويخلص الكاتب إلى أن هذه الانقسامات، رغم أنها ليست جديدة، تضع على عاتق القادة الدينيين مسؤولية أخلاقية مضاعفة للعمل معاً من أجل تبني نهج أكثر جرأة في مناهضة الحرب والدفاع عن العدالة. ويؤكد أن أتباع مختلف الديانات، من طهران وبيروت وغزة إلى تل أبيب والقدس ولندن، يشتركون في مصلحة واحدة تتمثل في العيش بسلام دون تهديد بالعنف أو الاضطهاد.
ويطرح تيسدال تساؤلات أعمق حول الدور الأمريكي في العالم، مستشهداً بآراء صحفية أمريكية ترى أن سياسات ترامب قد لا تكون استثناءً، بل امتداداً لنمط تاريخي قائم على الإيمان بالتفوق والحق في فرض الإرادة على الآخرين. ويشير إلى أن هذه الحرب قد تدفع الأمريكيين إلى مراجعة علاقتهم الأخلاقية بالعالم، إذا ما توفرت إرادة حقيقية لذلك.
ويختتم المقال بدعوة إلى وقف الحرب على إيران، وإلى مراجعة الخطاب الديني المتشدد الذي يبررها، معتبراً أن القوميين الإنجيليين المتشددين يمثلون امتداداً معاصراً لنزعات دينية متطرفة سابقة، وأن استمرار هذا المسار يقود، في نهاية المطاف، إلى مزيد من الفوضى والانقسام.