التقارير الاستقصائية.. بين متعة "الكشف البوليسي" وفجيعة الخبر

أحمد شرقاوي
"صاروخ الضربة الدقيقة" (PrSM) الذي أصاب صالة رياضية قتلت وجرحت مدنيين في إيران خلال حرب ترامب وشريكه نتنياهو عليها"- جيتي
"صاروخ الضربة الدقيقة" (PrSM) الذي أصاب صالة رياضية قتلت وجرحت مدنيين في إيران خلال حرب ترامب وشريكه نتنياهو عليها"- جيتي
شارك الخبر
‏بينما كنت مستغرقا، بل ومُستمتِعا صباح أمس الاثنين بقراءة "تقرير استقصائي حصري" لصحيفة نيويورك تايمز.. بعنوان "بوليسي".. مفاده: "أظهر تحليل أن صاروخا أمريكيا جديدا أصاب صالة رياضية ومدرسة إيرانية"، توقفتُ أكثر من مرة مُتسائلا: لماذا أشعرُ أنني نسيتُ أصل القضية لصالح متعة سردٍ "بوليسي" مُتقن يُشبِعُ شهوة فضولي للمزيد من الأسرار والدهاليز، التي منحني إياها هذا "التقرير الاستقصائي" المُتقن في صنعتِه، المُنتمي لصناعة إعلامية عريقة زاد تُراثها عن قرنٍ من الزمان وشارف ربما على القرنين؟!

‏وفي لحظة أخرى، وأنا لا زلت مُستغرقا ومُستمتعا بسلاسة النص في "التقرير الاستقصائي"، توقفتُ مُتسائلا مرة أخرى: هل المقصود من هذا التقرير -وما شابهه- الترويج للسلاح الجديد الذي يكشفه التقرير؟

هل أنا وغيري من ناقلي التقرير "جزء من اللعبة"، ولسنا سوى سُعاة بريد بالسُّخرة عن رضى وطيب نفس لبضاعتهم القاتلة؟!

يقوم التقرير أساسا على معلومات سربها مسؤول في البنتاغون، عن "صاروخ الضربة الدقيقة" (PrSM) الذي أصاب صالة رياضية قتلت وجرحت مدنيين في إيران خلال حرب ترامب وشريكه نتنياهو عليها، ويشير "التقرير الاستقصائي" -ومن الضروري وضع هذا الوصف بين مقتبسين- إلى أن هذا الصاروخ الجديد، مصمم للانفجار فوق هدفه مباشرة وإطلاق كريات صغيرة من "التنجستن" إلى الخارج.

‏وإن كان القصد كذلك، وأنا هنا أزداد تساؤلا مع نفسي وأنا بالتوازي أتورطُ أكثر وأكثر في تلذذي بما يكشفه لي هذا "التقرير الاستقصائي"، هل أنا وغيري من القُرّاء والمتابعين مُجرّدُ مُستهلكين وفي أحسن الأحوال "ناقلين لعواجل" من هذا "التقرير الاستقصائي" على شاشاتنا الفضية أو على منصاتنا الرقمية، كما اقترفُ أنا الآن، لأحظى بآلاف اللايكات التي تدغدغ مشاعري بمزيد من الانتشار الإلكتروني "الافتراضي"؟!

بمعنى، هل أنا وغيري من ناقلي التقرير "جزء من اللعبة"، ولسنا سوى سُعاة بريد بالسُّخرة عن رضى وطيب نفس لبضاعتهم القاتلة؟!

‏وفي نفس اللحظة وأنا مُستغرق ومُستمتع.. أقول لنفسي الأمّارةِ بالسوء: يبدو أنني وغيري لسنا سوى "كومبارس" لإكمال مشهد وترويج لرسالة المقصود منها خدمة دهاقنة صناعة وبيع السلاح، وخاصة أن التقرير الاستقصائي أشار صراحة: طُوّر هذا الصاروخ من قبل شركة لوكهيد مارتن في كامدن، أركنساس ، وهو قادر على إصابة أهداف على مدى يصل إلى 400 ميل تقريبا. إذا فالكلام لي ولكن اسمعي يا جارة!! كما يقول المثل، ويُؤكد ذلك لي وقد استبدّت بي في هذه اللحظات من استمتاعي واستغراقي بهذا التقرير؛
هل الهدف من هذه "التقارير الاستقصائية الحصرية" أن تُبرّيء القاتل وتذهِب بدمِ المقتول هدرا، حين تسوق لك الديباجة الأمريكية الغربية المعهودة "لأبناء العالم الحُرْ"؟
عقلية "المؤامرة"، حين أشار التقرير "الاستقصائي" إلى "استخدام البنتاغون صواريخ لم يتم اختبارها في القتال في هجوم مميت استهدف مواقع مدنية بالقرب من مجمع عسكري في 28 شباط/ فبراير، وفقا لأدلة مرئية فحصتها صحيفة التايمز وخبراء الأسلحة"!!

‏ويُلحّ التساؤل عندي أكثر، هل الهدف من هذه "التقارير الاستقصائية الحصرية" أن تُبرّيء القاتل وتذهِب بدمِ المقتول هدرا، حين تسوق لك الديباجة الأمريكية الغربية المعهودة "لأبناء العالم الحُرْ"؟ قال الكابتن تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية، في بيان لصحيفة نيويورك تايمز: "نحن على علم بالتقارير ونجري تحقيقا فيها. القوات الأمريكية لا تستهدف المدنيين بشكل عشوائي، على عكس النظام الإيراني".. هل هذه الديباجة تتسرب إلى عقلي ووجداني فتعطي "صكّ غفرانٍ للقاتل"، وعفى الله عما سلف لأعراض جانبية لـ"صواريخهم الجديدة" التي لا تستهدف المدنيين بشكل عشوائي؟ وهنا أتساءل بشكل عرضي: هل هناك تصنيف لاستهداف المدنيين بشكل عشوائي وأخرى بشكل غير عشوائي!!

‏وهنا خلاصة وخاتمة تساؤلاتي: هل نحن متآمرون أم مشاركون في التآمُرِ أم سُعاة بريد ناقلون أو مُستغفلون؟ وقد استغرقنا وغرقنا في لذة وشهوة السرد الذي يكشف لنا عوالم سِرية على حساب إنسانيتنا وأصل وجودنا وعلى حساب الدم المسفوك؟!


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل