بالنسبة للكاتب البريطاني بنيامين وود،
القراءة ليست مجرد هواية، بل تجربة شكلت شخصيته ووعيَه العاطفي والاجتماعي. يرى
وود أن الكتب هي أداة لفهم الذات والعالم، ومكانًا لاستكشاف العلاقات الإنسانية،
ومرافقة للتجارب الحياتية الكبرى مثل الأبوة.
يقول وود إن
الأدب قادر على إحداث صدمة
عاطفية تبقى راسخة في الذاكرة؛ فقد أبكته روايات مثل "الحصان الأحمر" لـ
"جون ستاينبك" لأول مرة، لتصبح التجربة الأولى التي شعر فيها بقوة
الكلمات في تصوير المشهد الطبيعي والعاطفي بدقة مؤثرة. من خلال هذه التجربة
المبكرة، تعلم وود أن الأدب يمكن أن يكون مرآة للحياة ومختبرًا للتجارب الإنسانية،
وأن القصص قادرة على تعليم التعاطف وإعادة تشكيل فهمنا للعالم من حولنا.
وتحدّث وورد لصحيفة "الغارديان"، اليوم
الجمعة، عن الكتب التي أثرت في مساره الأدبي منذ الطفولة وحتى مرحلة الأبوة،
موضحًا كيف يمكن لتجربة القراءة أن تتطور مع مرور الوقت وتتغير تبعًا لتجارب
الحياة.
وأوضح أن الأبوة أعادت له قدرة الاستيعاب
العاطفي للكتب، إذ أعادت قراءة رواية "جليد" لـ "مارلين روبنسون"
بعد أن أصبح أبًا، ليشعر لأول مرة بالعمق العاطفي لرسائل الأب إلى ابنه، وهو شعور
لم يكن قادرًا على تلمسه قبل ذلك.
تجربته مع الأدب لم تقتصر على الروايات
الطويلة؛ فقد وجد في مجموعات القصص القصيرة، مثل "شرب القهوة في مكان آخر"
لـ "زد زد باكر"، قدرة على تصوير التعقيدات الإنسانية بأقل عدد من
الكلمات، إذ تعتبر قصصها نموذجًا للحساسية النفسية الدقيقة، خاصة فيما يتعلق
بعلاقات الأبوة والابن. وفي الوقت نفسه، لم يكن خاليًا من الصراحة النقدية، فقد
اعترف وود بأن رواية "الساحر" لـ "جون فاولز" أزعجته
بنهايتها، إلى درجة أنه رمى الكتاب على الحائط، معترفًا بأنها المرة الوحيدة التي
أحب فيها كتابًا إلى هذا الحد، ليصبح مصدر متعة وإحباط في الوقت ذاته.
وفي مراحل لاحقة من حياته، اكتشف وود
أعمالًا أدبية لم تكن معروفة له في السابق، مثل رواية "كورجوريدا" لـ "غايل
جونز"، التي تناولت أثر الصدمات الموروثة بأسلوب مؤثر يعكس التنقل بين الماضي
والحاضر، ورواية سلوكيات سيئة لـ "أغنس أوينز"، التي بدأ بها استكشاف
مؤلفين جدد في وقت لاحق من حياته الأدبية. كما وجد في أعمال "توبياس" و"ولف"
مثل المدرسة القديمة و"جيمس م. كين" مثل "ميلدريد بيرس"
مصدرًا للراحة الأدبية، وصفها بأنها "بطانية أدبية" تمنحه الطمأنينة
والفهم الشخصي، وتجعل القراءة ملاذًا للحياة اليومية وضغوطها.
وتكشف تجربة بنيامين وود في هذا الحوار عن
علاقة الإنسان العميقة بالكتاب، وكيف يمكن للأدب أن يشكّل إدراكه للعالم والذات،
ويربط بين التجربة الشخصية والنضج العاطفي والأبوة. بالنسبة له، القراءة ليست مجرد
تسلية أو ترف، بل رحلة فكرية وحياتية متواصلة، تتشكل فيها
الذكريات وتتصاعد
التجارب لتصبح جزءًا من فهمنا لذاتنا وللآخرين.
وليس ما يميز رؤية بنيامين وود للقراءة
والعلاقة مع الكتاب شيئًا جديدًا على الأدب العربي؛ فكما يرى وود، يعتبر العديد من
الأدباء العرب، مثل طه حسين، أن الكتابة والقراءة أدوات لفهم الذات والمجتمع، وأن
الأدب وسيلة للتأمل في التجربة الإنسانية ومواجهة الصعاب النفسية والعاطفية.
تمامًا كما يربط وود بين الأبوة والقراءة، يبرز الأدباء العرب العلاقة بين الحياة
اليومية والتجربة الأدبية، معتبرين أن القصص والروايات ليست مجرد متعة فكرية، بل
مساحة لاستيعاب العالم وفهم الآخرين، وتعليم التعاطف وإعادة تشكيل إدراك الذات
والواقع الاجتماعي.
بنيامين وود هو روائي بريطاني معروف بأسلوبه
الأدبي العميق والناقد، له عدة روايات نالت استحسان النقاد، ويشتهر بقدرته على
الغوص في الشخصيات المعقدة واستكشاف العلاقات الإنسانية الدقيقة. يشارك وود
بانتظام في حوارات حول الأدب والثقافة، ما يجعله أحد الأصوات المهمة في المشهد
الأدبي المعاصر، ومرجعًا لفهم التداخل بين القراءة والحياة والتجربة الإنسانية.