نظرة عامة
لمن يتصدر المشهد
الإيراني.. كلهم قيادات يجمعهم عامل مشترك واحد، بياض الشعر والتقدم
في العمر، أكاد أجزم أنني لم أر حتى الآن قياديا واحدا يخرج على الإعلام أو شاشات التلفاز
يقل عمره عن الستين سنة!!
المشكلة ليست
في تقدّم العمر بحد ذاته، بل في تجميد الدورة القيادية داخل الأنظمة الشمولية، بحيث
تبقى النخبة نفسها في مواقع القرار لعقود طويلة، حينها يتحوّل النظام إلى دائرة مغلقة،
تُقصى الأجيال الجديدة من مراكز التأثير، ويتحوّل "الاستقرار" إلى ركود،
و"الخبرة" إلى ممانعة للتغيير؛ هنا يبدأ التآكل من الداخل.
1- منطق الدولة
الحيّة: تجديد النخب أم إعادة إنتاجها؟
الدول التي
تتجدد قياداتها دوريا تُدخل معها لغة جديدة، أدوات جديدة، وحساسية أعلى لتحولات المجتمع.
في العديد من الديمقراطيات الغربية، رأينا رؤساء حكومات ووزراء في الثلاثينيات والأربعينيات،
لا باعتبار العمر معيارا للكفاءة، بل لأن المؤسسات تسمح بالتداول والتجريب. خذ مثلا
ريشي سوناك الذي وصل إلى رئاسة الحكومة البريطانية في الثانية والأربعين، وإيمانويل
ماكرون الذي انتُخب رئيسا لفرنسا في التاسعة والثلاثين. هذه الحالات لا تعني مثالية
التجربة الغربية، لكنها تكشف قابلية النظام لضخّ دماء جديدة ومساءلتها عبر صناديق الاقتراع.
لا يقتصر هذا المأزق على الدول؛ بل ينسحب على بعض الحركات الأيديولوجية التقليدية التي تفشل في التقاط اللحظة التاريخية
2- حين تتجمّد
الثورة وتشيخ السلطة
في المقابل،
تُظهر تجارب أنظمة ثورية تحوّلت إلى هياكل مغلقة كيف يمكن للقيادة أن تبقى أسيرة جيل
التأسيس. في إيران مثلا، ما زالت مفاصل القرار العليا مرتبطة بجيل الثورة منذ 1979،
مع أعمار تتجاوز الستين والسبعين. المشكلة ليست في أعمارهم، بل في ضعف آليات الإحلال
والتدرّج المؤسسي التي تسمح لجيل جديد بأن يشارك في صناعة القرار على مستوى استراتيجي.
النتيجة غالبا: بطء في التكيّف، قرارات دفاعية، وتكرار أخطاء من دون مسار تعلّم واضح،
وهذا ما نراه حاضرا الآن في مشهد الحرب، فشل تكتيكي واستراتيجي واضح.
الأنظمة الشمولية
بطبيعتها تخشى "المنافسة الداخلية"، فتُفضّل الولاء على الكفاءة، والاستمرارية
على التجديد، ومع الوقت، تتحوّل إلى نظام يُعيد إنتاج نفسه بدل أن يُنتج حلولا جديدة.
وحين تتعاظم الفجوة بين المجتمع الشاب والقيادة الهرِمة، تتآكل الشرعية.
3- الجماعات
الأيديولوجية: مأزق اللحظة الضائعة
لا يقتصر هذا
المأزق على الدول؛ بل ينسحب على بعض الحركات الأيديولوجية التقليدية التي تفشل في التقاط
اللحظة التاريخية. في الأردن مثلا، في ظل ظرف عالمي وإقليمي راهن، تنشغل
قيادة أكبر
حزب إسلامي في سجالات قانونية وتنظيمية حول اسم الحزب، وبعد أن تم قصقصة جميع أجنحتها،
تتمسك بورقة التوت في استعراض منفصل عن الواقع. وفي مصر يزداد التشظي والانقسام والحرب
بين قيادات الإخوان المسنّة، بدل أن تتنحى بعد فشلها الذريع لتترك مساحة لجيل صاعد
يمتلك استراتيجيات وأدوات مختلفة ومعاصرة لمواجهة هذا الواقع المرير.
وبينما يتحرك
الشارع بخطاب مختلف وإيقاع أسرع تغيب الأجيال الشابة عن مراكز القرار، وتتراجع القدرة
على صياغة سردية معاصرة قادرة على المنافسة.
4- أين يظهر
أثر الشباب؟
عند تتبّع
ساحات نجح فيها فاعلون إسلاميون في فرض حضورهم، نلاحظ أن الأجيال الشابة لعبت دورا
محوريا. في سوريا، وقطاع غزة وحتى لدى الحوثيين في اليمن، برزت قيادات ميدانية شابة
أكثر جرأة في اتخاذ القرار وأكثر قدرة على استخدام أدوات العصر (إعلاميا وتنظيميا وسياسيا).
قد نختلف أو نتفق مع هذه التجارب، لكن حضور الشباب في مركز الفعل كان عنصرا فارقا في
ديناميكيتها.
5- لماذا يعيد
النظام الشمولي "أكل الكف"؟
لأن التعلم
المؤسسي يحتاج إلى:
* مساءلة حقيقية تسمح بالاعتراف بالخطأ.
الأنظمة والحركات التي تُغلق أبوابها أمام الأجيال الجديدة تُعلن، دون أن تشعر، بداية نهايتها، أما التي تفتح المجال لتداول القيادة، وتُحوّل الخطأ إلى معرفة، فهي وحدها القادرة على البقاء
* تداول سلطة يبدّل الحوافز ويكسر دوائر المصالح.
* تنوع جيلي يوسّع زاوية الرؤية.
حين تُغلق
هذه المسارات، يصبح النظام أو التنظيم أسير قراراته السابقة، يدور في حلقة مفرغة، ويُضاعف
الرهان على الأدوات ذاتها التي فشلت سابقا. ومع غياب النقد الداخلي الفعّال، لا يتشكّل
"مسار تعلّم"، بل "مسار تبرير".
6- هل الشباب ضمانة للنجاح؟
ليس بالضرورة،
فالشباب وحده لا يصنع النجاح إن لم تُبنَ مؤسسات توازن بين الحماسة والخبرة، وبين الجرأة
والحساب، لكن إقصاء الشباب هو وصفة مؤكدة للجمود. المعادلة الرابحة ليست "إحلال
الشباب مكان الكبار"، بل شراكة أجيال تُحوّل الخبرة إلى مرشد، والطاقة إلى محرّك.
السؤال ليس
عن عمر القائد، بل عن عمر الفكرة وقدرتها على التجدد. الأنظمة والحركات التي تُغلق
أبوابها أمام الأجيال الجديدة تُعلن، دون أن تشعر، بداية نهايتها، أما التي تفتح المجال
لتداول القيادة، وتُحوّل الخطأ إلى معرفة، فهي وحدها القادرة على البقاء.
التاريخ لا
يرحم الأنظمة التي تخاف من شبابها، والتجارب من حولنا تقول بوضوح: التجديد ليس رفاهية
سياسية، بل شرط بقاء.