حرب إسرائيلية بجيوش أمريكية على إيران

عبد الحليم قنديل
جيتي
جيتي
شارك الخبر
ليس من شبهة شك في دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا في أهدافها، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026، كان بيان رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، ناطقا بحروف مباشرة، حددت هدف الحرب في إسقاط النظام الإيراني باعتباره أكبر خطر وجودي اليوم على بقاء كيان الاحتلال، وأعقبه بيان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالمعنى ذاته وبألفاظ مقاربة.

وبعد ساعات، كان إعلان النصر المتعجل موحدا من تل أبيب إلى واشنطن، سبق إليه نتنياهو بإعلان التخلص من القائد الإيراني الأعلى علي خامنئي وعدد كبير من قادة طهران العسكريين، ثم كان بيان ترامب بالقضاء على خامنئي، وبعد مرور أيام قليلة على بدء الحرب الكبرى، واكتشاف ثبات وتماسك وحيوية النظام الإيراني، رغم اغتيالات الضربة الأولى، بدا ترامب متفاجئا مما جرى، خصوصا حين ووجه بأسئلة عن البديل المعد للنظام الإيراني، فكانت أقواله غاية في الارتباك والعجب، إلى درجة أنه بدا نادما على مقتل قادة آخرين مع المرشد الأعلى، وقال إنه كان ينتظر التنسيق ـ على الطريقة الفنزويلية ـ مع واحد من ثلاثة قتلوا في الهجوم على مقر المرشد، ومن دون أن يذكر أي اسم، وهو ما أظهر غياب ترامب الذاهل عن تفاصيل الضربة الافتتاحية الصاعقة، رغم تفاخره بها، وأن مركز القيادة في الحدث كله كان محجوزا للقيادة الإسرائيلية، التي لا تشغل بالها ببديل للنظام الإيراني من داخله، ولا بوجود إيران من أصله، ولا تقبل الحلول الوسط مع أي عنصر من النظام الإيراني الحالي، ولا ترى سبيلا للخلاص من برامج إيران النووية والصاروخية والسياسية، إلا بالخلاص من النظام كله بإصلاحييه ومحافظيه.

وقد لا يبدو من خلاف كبير على أخطاء ارتكبها ويرتكبها النظام الإيراني، سواء قبل الحرب الجارية، أو الحرب التي سبقتها، وما تكشف عن عمق الاختراقات الاستخباراتية، التي سهلت نجاح عملية الاغتيالات الكبرى للقادة والعلماء ، في مفتتح حرب يونيو 2025 ذات الاثني عشر يوما، ثم في مفتتح الحرب الأوسع الأكثر ضراوة الجارية اليوم، فرغم أنه لم يكن من وجه للمفاجأة هذه المرة، فلم تتخذ أي احتياطات لحماية القادة الكبار، ولا لحفظ أمن المرشد نفسه، وكان واضحا لكل ذي عينين قبل ما جرى، أن الحرب حتمية ووشيكة، وأن الاختراقات الاستخباراتية المريعة هي نقطة الضعف الكبرى في إيران، إضافة لتواضع الدفاعات والقوات الجوية، وقيل إنه تمت إجراءات لتلافي الثغرات الخطرة بعد حرب الاثني عشر يوما، ثم تبين في وهج لحظة النار الكبرى، أن الإجراءات المتخذة لم تكن كافية، ولا في موضعها، بما أعطى مصداقية مضافة لرواية الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد، الذي قيل إنه قتل في قصف لمنزله.

كان نجاد قد روى ذات مرة، أن القيادة أنشأت وحدة استخبارات خاصة لتتبع واستهداف عملاء جهاز الموساد الإسرائيلي في الداخل الإيراني، ثم تبين أن أعضاء الوحدة الحساسة بمن فيهم قائدها المختار بعناية كانوا جميعا من عملاء الموساد (!)، والرواية تصور عمق الاختراق متعدد الأسباب في التكوين الإيراني وفي طبيعة النظام القائم، غير أن خسائر الاختراق على فداحتها، لم تحجب وجود نقاط قوة في بنية مؤيدي النظام العقائديين، مكنت من سحق تحركات العملاء المتنوعين في الداخل، ومن البدء الفوري في حرب الصواريخ والمسيرات الإيرانية، وإن بدت خرائط الرد العسكري الإيراني محملة هي الأخرى بأخطاء تقدير استراتيجية، ظهر أخطرها في العدوان الإيراني المتصل على سيادة ومنشآت ومصالح بلدان عربية مجاورة، وهو سلوك مرفوض، قاد لخلط في الأوراق، ولتشوش يستثير قطاعات واسعة من الجمهور العربي.


إنها حرب تتسع في الجغرافيا وتمتد في الزمن، وتتضح حقائقها أكثر فأكثر، فقد قلنا قبل أسابيع طويلة، وفي مقال نشر هنا بعنوان «مجلس حرب لا مجلس سلام»، أن خطة الحرب وأهدافها جرى الاتفاق عليها بالكامل في اجتماع ترامب ونتنياهو المغلق يوم 11 فبراير 2026، وقد استمر الاجتماع وقتها لثلاث ساعات، ولم يصدر عنه سوى تعليق من الرئيس الأمريكي، قال فيه، إنه لم يتم الاتفاق على شيء، وأنه يفضل سبيل التفاوض مع إيران، ثم جرت جولات كسب الوقت في مسقط، ثم في جنيف لمرتين، ولم تكن إلا خداعا مفضوحا، نخشى أن دوائر إيرانية انخدعت به، رغم أن التحضير للحرب كان جاريا على الهواء، ورغم تسارع وتيرة التحشيد العسكري الأمريكي من حول إيران، وبما وصل في مجموعه لأكثر من نصف إجمالي قوة الجيوش الأمريكية كلها.

وفي جلسة إخطار إدارة ترامب للكونغرس بالحرب ضد إيران بعد أيام من تفجيرها، اعترف ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي بالحقيقة، وقال ردا على أسئلة النواب المعترضين، إن إسرائيل كانت قد قررت شن الحرب، ووجدنا ـ أي الأمريكيون ـ أنه لا بد من المشاركة في الضربة تخوفا من انتقام إيران وضربها للمصالح والأصول العسكرية الأمريكية في المنطقة، وقد حاول ترامب بعدها إرضاء لغروره أن يجري تحويرا على اعتراف وزير خارجيته المراوغ، وقال في مؤتمر صحافي أعقب اجتماعه مع المستشار الألماني فريدريش ميريتس، إنه هو ـ أي ترامب ـ الذي طلب من نتنياهو مشاركة إسرائيل في الحرب، وأيا كان خلاف الألفاظ تقديما أو تأخيرا، فإنهم نطقوا بالحقيقة التي صارت بديهية، وهي أن الحرب الوحشية ضد إيران، ليست في الجوهر والمظهر سوى حرب إسرائيلية جرت وتجري بجيوش أمريكية، فالذي حدد الأهداف والخطط والوسائل، وحتى التوقيت هو نتنياهو.

وقد قرر استخدام العضلات الأمريكية لتحقيق غايته في إفناء القوة الإيرانية المعادية لكيان الاحتلال، وما ترامب وقراراته إلا لعبة في يد نتنياهو، الذي قسّم الأدوار بين قوات أمريكية تحمل علم إسرائيل، وقوات أمريكية تحمل العلم الأمريكي، وانضمت إليهما بريطانيا ضمنا، وفيما بدا أنها حرب الغرب المنشئ للكيان ضد إيران، وعلى مقربة أيام بعد تصريحات السفير الأمريكي عند كيان الاحتلال مايك هاكابي، التي أكد فيها تأييد أمريكا التام لدعوى وعد الرب، التي تمنح إسرائيل الحق في بناء دولتها الكبرى من الفرات إلى النيل، وجعل الشرق الأوسط كله إسرائيليا بالمحتوى والمزاج والقيادة، وما الحرب الجارية ضد إيران إلا قفزة في التطبيق الفعلي للدعوى الدينية المزيفة، التي تجمع اليمين الإسرائيلي التوراتي واليمين الصهيوني الإنجيلي الأمريكي، في عمل ومصير واحد، وكلاهما يحكم اليوم في واشنطن وفي تل أبيب، وهذا هو معنى اللحظة المواتية التي قد لا تتكرر، ويتحدث عنها نتنياهو دائما، ويجر إدارة ترامب من ورائه للتعجيل بتحقيق كامل الحلم الصهيوني، وعبر حروب إفناء لن تكون حرب إيران آخرها.

ويبدو أن القيادة الإيرانية بوصايا المرشد خامنئي، ورغم ارتكابها لأخطاء استعداء أطراف كان يمكن تحييدها، يبدو أنها تدرك أن الحرب سيطول أمدها، وقد تضاف إلى الضربات الجوية والصاروخية الأمريكية الإسرائيلية جوانب عدوان أخطر، بينها بالتأكيد عمليات كوماندوز وقوات خاصة تستعين بمجموعات العملاء والانفصاليين على الأرض، وقد ظهرت البوادر في اتصالات أمريكية وإسرائيلية مع جماعات كردية وغيرها، وفي أحاديث ترامب عن الضربة الأمريكية الكبرى التي لم تأت بعد، مع إشارات متواترة للتجهيز لنوع ما من الغزو البري، فالضربات الجوية لا تكفي لتفكيك نظام كالنظام الإيراني، لا يزال يمتلك مخزونا هائلا من الصواريخ الباليستية طويلة المدى، كثير منها فرط صوتية وذات رؤوس انشطارية، قادرة على إلحاق الأذى والخسائر المؤثرة بقوى العدوان الأمريكي الإسرائيلي، وقد تقتصد القوات الإيرانية في استخدام مخزونها من الأسلحة الأخطر، وتعمد إلى إنهاك وسائط الدفاع الجوي الأمريكي الإسرائيلي بالمسيرات والصواريخ الأقدم، وفتح ثغرات جوية تنفذ منها الصواريخ الإيرانية الأكثر تطورا، والصمود إلى أطول وقت ممكن، بما قد يشجع على جلب مدد إضافي من الأصدقاء في الصين وروسيا، مع مضاعفة مشاركة حلفاء إيران في المنطقة كالحوثيين وحزب الله، وهو ما تواترت إشاراته ومظاهره بعد اغتيال الإمام خامنئي بالذات، وهو رمز ديني شيعي أعلى، فوق كونه قائدا سياسيا للتجربة الإيرانية لقرابة أربعين سنة خلت، وقد يسعى الكثير من مقلديه الدينيين للانتقام، وهم بعشرات الملايين على خرائط المسلمين الشيعة، وليس مستبعدا أن تلجأ جماعات من هؤلاء لعمليات استشهادية ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية في الكثير من العواصم، وقد نكون بصدد حرب كربلائية تتلاحق مشاهدها الدامية، سواء تعجل أو تأجل انتخاب خليفة خامنئي من خلال مجلس خبراء القيادة، الذي قصف ودمر الإسرائيليون مبناه الفرعي في مدينة قم عاصمة الحوزات الشيعية.

القدس العربي
كاتب مصري
التعليقات (0)

خبر عاجل